الطفل

التبني : نظرة عليه من الناحية الشرعية والقانونية

لأن التبني من الأمور المحمودة التي يثاب عليها فاعلها في الدنيا والآخرة، فإنه لابد من اختيار الطريقة الصحيحة التي تناسب الشرع والقانون للقيام بذلك؛ حتى لا يؤدي إي خطأ إلى تحويل هذا العمل الحسن إلى عمل قبيح.


يختلف مفهوم التبني عن مفهوم الإقرار بالنسب من الناحية الشرعية؛ فالتبني هو تولي أمر أحد الأطفال الذي لا يجد أما ترعاه وأبا ينفق عليه؛ سواء كانا ميتين أو حيين؛ وذلك مع الاعتراف بعدم نسبه إلى الشخص المتبني. وأما الإقرار بالنسب فهو تسمية هذا الطفل على اسم من تولى رعايته. ولأن هناك بعض الفروق الموجودة بين حكم التبني في الشرع وحكمه في القانون، يختلط على كثير من الناس هذا الأمر ولا يستطيعون التمييز فيه. ولأجل ذلك نقدم لكم من خلال هذا المقال أهم الفروق الموجودة بين التبني من الناحية الشرعية والقانونية؛ إلى جانب أهم الأمور التي تتعلق بهذه المسألة.

أشكال التبني

للتبني شكلين اثنين لا ثالث لهما؛ والشكل الأول هو التبني بالنسب؛ وهو اتخاذ الطفل الذي ترغب في تبنيه ابنا لك وإثبات جميع الحقوق التي تترتب على ذلك له؛ ومنها حق الرعاية والنفقة الكاملة وحق الميراث وغيره. وأما الشكل الثاني فإنه التبني بالرعاية؛ وهو يتطلب الإنفاق على الطفل الذي ترغب في تبنيه دون نسبه إليك. وفي هذه الحالة لا يأخذ هذا الطفل حكم أولادك الشرعيين؛ ولا يرث فيك، ولا ترث أنت فيه.

فضل التبني

التبني فضل التبني

تبني الأطفال الأيتام يعد من الفضائل التي حضت عليها جميع الشرائع السماوية؛ فحماية إنسان لا أب له ولا أم من الضياع، والحرص على تنشئته تنشئة سوية؛ بحيث ينفع مجتمعه ويكون فخرا لأمته هو بالطبع أفضل من تركه للشارع يربيه ويصنع منه إنسانا لا خلاق له ولا هوية. ونحن نرى بأنفسنا الكثير من الأطفال الذين أدى تقصيرنا في حقهم إلى تحويلهم لأداة تهدد مجتمعاتنا ككل؛ كبيرها وصغيرها. وحكم التبني، كما قلنا أنه أمر مستحب؛ شريطة أن يتم ذلك بالضوابط الشرعية.

حكم التبني من الناحية الشرعية

في حال كان التبني من الشكل الأول الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة؛ وهو تولي الإنفاق على الطفل والاهتمام به ورعايته بهدف الحفاظ عليه من الضياع وتقديم هذا الشيء كوسيلة للتقرب من الله واستعماله كأداة تنفع المجتمع، في حال ذلك فإن التبني أمر محمود؛ بل إن الشرائع كلها قد حضت عليه. وهنا يقوم الشخص بالتبني ويعلم جميع من حوله بأن هذا الولد ليس ولده؛ كما ينسب الولد لأبيه ولا ينسبه له مطلقا.

وأما الشكل الثاني من التبني، وهو التبني بالنسب، فإنه كان موجودا في جميع الشرائع الوضعية التي كانت موجودة قبل الإسلام. ولما جاء الإسلام ظل الحال على ما هو عليه، وقام النبي- صلي الله عليه وسلم- بتبني سيدنا زيد بن حارثة- رضي الله عنه؛ وكان وقتها يدعى زيد بن محمد؛ ثم نزل القرآن يحرم هذا ويقر بأن التبني لا يعني نسب الولد إلى من تبناه. وبناء على ذلك تزوج النبي- صلى الله عليه وسلم- من السيدة زينب بنت جحش- رضي الله عنها- بعد أن كانت زوجة لزيد بن حارثة وطلقها أثناء تبني النبي- صلى الله عليه وسلم- له. وقد جاء هذا التحريم في الآية الكريمة “وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل- ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما.”

حكم التبني من الناحية القانونية

يبيح القانون التبني للأطفال الذين لا يقوم أحد أفراد ذويهم على رعايتهم؛ غير أن هناك بعض الضوابط والمعايير التي يتم بها هذا الأمر؛ وهي كالآتي:

  1. التأكد من قدرة من يريد تولي مسؤولية الطفل على ذلك ومناسبة المكان الذي يعيش فيه. وهذا يضمن عيش هذا الطفل حياة كريمة تسهم في جعله إنسانا صالحا.
  2. قدرة مريدي التبني بالإنفاق على الطفل؛ ولهذا السبب تشترط القوانين على كلا من الأم والأب أن لا يكون لديهما أكثر من طفلين.
  3. لابد من التأكد من قبل المؤسسة التي يمكث فيها الطفل من حسن سمعة العائلة التي تريد تبنيه.
  4. ويشترط أن يكون الطفل فوق العامين حتى يمكنه الانتقال من المؤسسة التي تتبع الدولة إلى من يريد تبنيه.
  5. وكذلك على هذه المؤسسة التأكد من أن الأسرة التي تتبنى الطفل ستوفر له التعليم والصحة والرعاية التي تجعل منه إنسانا سويا.

كيفية تبني الأطفال من الناحية القانونية

في حال كان أحدهم يريد أن يتبنى طفلا، فإنه هناك بعض الخطوات التي يتخذها لتحقيق ذلك؛ وهي تشمل:

  • التقدم بطلب إلى المؤسسة الحكومية التي تقوم على رعاية الطفل.
  • تقديم هذه المؤسسة أو الملجأ هذا الطلب وتصعيده للوزارة المسؤولة عن ذلك؛ والتي تقوم بدورها في إجراء الأبحاث والتحريات التي تضمن صلاحية هذه الأسرة لتبني الطفل.
  • بعد الموافقة من قبل الوزارة على تبني الطفل، تتوجه الأسرة إلى المكان الذي يتواجد فيه وتقوم بتسلمه منه؛ على أن تتعهد بالالتزام بجميع الشروط التي ينص عليها القانون في هذا الشأن.

شروط الإقرار بالنسب

التبني شروط الإقرار بالنسب

هناك بعض الشروط الواجب توافرها في حال أراد الشخص تبني ولدا ليس له ونسبه إليه. وهذه الشروط تشمل الآتي:

  • أن يكون هذا الطفل مجهول الأم والأب، ولا يوجد ما يدل عليهما بأي شكل من الأشكال؛ أما لو كان نسبه معروف، فإنه يحرم انتسابه إليك.
  • أن يكون سن من يتبنى الطفل وينسبه لنفسه يسمح بإنجاب من هو في نفس سن هذا الطفل؛ أما لو تقارب سنهما وكان من الظاهر أنه ليس منطقيا أن يكون هذا ولد ذلك، فإن النسب لا يصح. وعلى سبيل المثال، إذا كان الشخص يبلغ من العمر خمس وعشرين عاما، وكان الطفل الذي يرغب في تبنيه هو ابن الخامسة عشر أو أكثر، فإن النسب لا يصح ولا يتم الموافقة عليه.
  • في حال كان الطفل مميزا، فإنه لابد من إعلامه بوضعه الحقيقي؛ أي أنه ابن بالتبني، وهذا ليس أبيه وهذه ليست أمه. وفي حال كان الطفل غير مميز، فلابد من توثيق ذلك بالطرق الشرعية. وفي حال كان الطفل مميزا وقام بإنكار نسبه من الأب الذي قام بتبنيه، فإن النسب يسقط حينها.

حكم تبني اللقيط

يعتبر اللقطاء طائفة تنتمي إلى الأيتام الذين يجري عليهم التبني والنسب؛ وذلك لأنهم يوجدون في المجتمع، ولا يعرف لهم أب أو أم. وعلى الرغم من أن الدولة تتكفل بهؤلاء اللقطاء في دور الأيتام وتسمح لمن يريد تبنيهم ونسبهم إلى نفسه بذلك، إلا أن ذلك لا زال مخالفا للشريعة الإسلامية؛ وهذا بمقتضى الآية التي نزلت في هذا الشأن. ومع ذلك ننوه على أن التقاط اللقطاء ورعايتهم حتى يشبون واجب أوجبه الشرع؛ فهم لا ذنب لهم في السبب الذي أدى بهم إلى ذلك الحال؛ كما أن تركهم يعرضهم للهلاك؛ إن لم يكن الهلاك من نصيب جميع المحيطين بهم.

هذا والهدف من كتابة هذا المقال هو الحث على مسألة التبني التي تساعد على النهوض بالمجتمع والتخلص من البؤر التي تشيع الفاسد به؛ على أن يكون ذلك بموجب الشرع والقانون؛ فمن أراد التبني لهدف شريف، فبها ونعم؛ وتشيع الفاسد به؛ على أن يكون ذلك بموجب الشرع والقانون؛ فمن أراد التبني لهدف شريف، فبها ونعم؛ وإن لم يكن يضمن ضمانا كاملا تربية هذا الطفل تربية سليمة ترضي الله، فالأفضل تركه كما هو.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

إغلاق
إغلاق