الانتظار

الانتظار هو أخطر لصوص الحياة، فقد تقضي عمرك كله في حالة الإنتظار السيئة، ولا يهم نوع الإنتظار الذي تعيشه، ففي جميع الحالات يكون الإنتظار سيئا، والفكرة في الإنتظار هي قدرته على إيقافك عن التقدم، فيربطك بالشيء الذي تنتظره، ويكبل عنقك ويشل حركتك بالكامل، فبداية يشغل بالك بما تنتظره، ويعلق خطواتك التالية على حدوث هذا الشيء بغض النظر عن ماهيته، فيأخذك في دوامة مرهقة من الشعور المرير بالوقت، ويحرمك القدرة على متابعة أعمالك، فحينها تكون مشتتا ويقل تركيزك تماما، وهو ما ينعكس على طاقتك وحجم إنجازك، بل يمتد تأثير الإنتظار ليشمل العصبية وسهولة الانفعال، ويكون لهذا الأمر عظيم الأثر على علاقاتك الاجتماعية بكافة أنواعها، فمن ناحية تقضي أغلب وقتك بلا قدرة على الإنجاز، ومن ناحية أخرى تشعر بالملل والرتابة، وتخسر في هذا الإطار كثير من الفرص، وسنتحدث في هذا المقال عن كيف يرهقنا الإنتظار ويعود علينا بالضرر، وسنتحدث عن الطريقة المثالية لاختبار مدى استحقاق الأشياء لهذا الإنتظار، فهناك ما لا يستحق.

الانتظار كعقبة في الطريق

الانتظار الانتظار كعقبة في الطريق

الانتظار هو ما يعلق عينك وآمالك على شيء لم يظهر بعد، وقد تنتظر شيئا لا يلوح في الأفق من الأصل، فتظل طوال حياتك في حالة الوقوف من أجل المجهول، ومن الناس من ينتظر حدوث معجزة تغير حياته كليا، ولا يتم بناء هذا الانتظار على أي مؤشرات أو دلائل، فمنهم من لا يمتلك موهبة الغناء أو التمثيل، ويقضي عمره في انتظار بزوغ نجمه، ويحلم باللحظة التي سيلتف فيها الجمهور حوله أملا في التقاط صورة معه، وبطبيعة الحال لن يعمل صاحب هذا الحلم في الهندسة، بل سيرفض كل الفرص من أجل الإنْتظار الذي يعيشه، وآفة الإنتظار هي السلبية، فلن تجد إيجابية من شخص تتوقف حياته على الوقوف لبعض الأشياء والنتائج، وهنا يتجلى الإنتظار كعقبة في طريق حياتنا، وربما يكون المثال مبالغا فيه، لكن تكثر الأمثلة في هذا السياق، فقد تنتظر فرصة عمل أفضل لن تجيء، وتضيع من أجلها ما هو متاح وأفضل، لذا يجب التعامل مع الانتظار كعقبة.

الانتظار وصناعة التردد

يؤدي الإنْتظار إلى مضاعفة التردد في داخلنا، ذلك أنه عادة ما يترتب عليه أمور كثيرة، فيجعلنا أمام مفترق طرق طوال الوقت، ونفكر في كل البدائل التي لدينا، ونسأل أنفسنا في أي طريق يجب أن نسير، وهل علينا انتظار ما ننتظره أم نمضي قدما في حياتنا، ونحسب الاحتمالات لما لدينا، ونقارنها بما ننتظره، وتزيد الاختيارات وتتكاثف فوق رؤوسنا، ويصعب على الجميع استعمال المنطق حيال الإنْتظار وجديته، إذ نتعامل مع نتائج مستقبلية لم تحدث بعد كخيار متاح، وهو ليس كذلك، فوظيفة الأحلام التي تنتظرها ليست على الطاولة من الأصل حتى تفاضل بينها وغيرها، ويزداد الأمر سوءا عندما يتعلق الإنتظار بالماضي، ولعلك تجد ممن حولك من يعلق حياته على عودة حبيبة رحلت منذ سنوات، فيظل ينتظر عودتها إليه، ويحرم نفسه من حق الحياة، ويفكر فيها عندما يشعر بمشاعر إعجاب لفتاة أخرى، ويترك لحبه القديم مساحة لا يستحقها، فالحب القديم هو ماضي منصرم، ويؤدي هذا الوقوف إلى المزيد والمزيد من التردد.

الإنتظار يضاعف القلق والتوتر

تذكر معي كل المرات التي اضطررت فيها إلى الإنْتظار، لا يهم هنا حجم ما تنتظره ولا يهم مدته، فأقل أنواع الانتظار قيمة تشعرك بالقلق والتوتر، ذلك حتى لو كان الإنتظار مقترنا بالوقت بدل الضائع في نهاية مباراة لفريقك المفضل، فلنغمض أعيننا لثوان ونتذكر ما شعرنا به حيال الوقوف، لعلك تشعر الآن بالقلق بأثر رجعي، وتتسارع ضربات قلبك ويضيق تنفسك قليلا، ولا توجد أي مبالغة في هذا الأمر مهما تفاوتت ردود أفعالنا عليه، ذلك أن الانتظار هو حالة الهدوء التي تسبق العاصفة، فقد تنتظر ما سيغير حياتك للأبد، وقد تنتظر ما يشعرك باللذة أو الطمأنينة بشكل مؤقت، وفي جميع حالات الإنتظار فإنك تتعلق كليا بعقارب ساعتك، وتمضي الثواني والدقائق بمنتهى البطء، ويسارع عقلك في تخمين الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة، وفي بعض الحالات يدفعك العقل لافتراض ما هو أسوء بالنسبة لك، وعندها يتضاعف شعورك بالقلق والتوتر، وهو ما يحدث لأغلبنا خوفا من العواقب، فنميل لافتراض الأسوأ بهدف التعامل معه.

أنواع الانتظار كثيرة

أنواع الانتظار كثيرة للغاية، وتتفاوت في حجمها وأهميتها وخطورتها، فمن الإنْتظار ما يزول سريعا، ولا يعرقل حياتنا كثيرا، ربما أقصى ما يصنعه هو إفساد بعض الخطط اليومية، وأبرز مثال هو انتظار صديق تأخر على موعده، وكذلك انتظار نهاية مباراة أو فيلم نشاهده، وبالطبع لن يشغلنا هذا الإنْتظار كثيرا، فالأخطر هو الإنتظار الطويل الذي تتوقف حياتنا عليه، فيقاس الانتظار بطريقتين، الطريقة الأولى هي موضوعه ومدى أهميته وجديته، والطريقة الثانية هي طول مدة الانتظار وأثرها، فقد تنتظر سن معين للإقدام على خطوة بعينها، فتربط الزواج بسن الثلاثين على سبيل المثال، وتمارس حياتك بطريقة عادية دون الكثير من الضرر، ولكن يظهر الضرر عندما تحرم نفسك من الفوز بعلاقة جيدة بدافع الانتظار المقرر مسبقا، وهناك من الوقوف ما يطول أكثر من ذلك، فتنتظر فرصة عمل لعشر سنوات، وربما تنتظر حدوث تغيير قد يستغرق حدوثه نصف عمرك تقريبا، وهنا يصبح الانتظار أكثر كارثية، ولكن يظل أسوء الانتظار هو انتظار شيء غير محدد.

الإنتظار وتعطيل الحياة

تحدثنا عن علاقة الإنتظار بالتردد، وذكرنا أيضا كيف يرتبط الإنتظار في علاقة وثيقة بالتوتر والقلق، ومن البديهي توقع آثار تلك المشاعر السلبية على حياتنا، فعندما نعيش في حالة الإنتظار هذه لا نستطيع ممارسة حياتنا بشكل طبيعي، فغالبا ما نشعر بالتشتت ويقل تركيزنا على ما لدينا، ويكون الوقوف هو السبب في رفض أغلب الفرص الجيدة التي تتاح لنا، وهنا تتعطل حياتنا، ونقضي السنوات في عمل اللاشيء، وكما ذكرنا يعد الانتظار مرادفا للسلبية، فلا يعقل أن نعتبر الانتظار شيئا، فكثيرا ما تسأل أحدهم عما يفعله في حياته، ويجيبك أنه ينتظر شيئا ما، ويجهل حقيقة أن الانتظار ليس عملا، وبالتبعية يمر العمر من بين أيدينا دون استثماره أو الاستفادة منه، وإذا تأملنا عادات الناجحين سنجد من ضمنها حسن استثمار الوقت، فمنهم من يقضي وقت المواصلات في القراءة، ومنهم من يمارس الرياضة في وقت فراغه، وحتى من ينتظر عملا ستجده يقضي وقت الانتظار في التعلم، ومن لا يفعل ذلك تتوقف حياته.

كيف تتجنب الانتظار وتستمتع بما لديك؟

الانتظار كيف تتجنب الانتظار وتستمتع بما لديك؟

القاعدة الأولى في تجاوز الانتظار هي معرفة ماهيته وأضراره، فيساعدنا إدراك حقيقة الإنتظار كفعل سلبي يضيع الوقت على تجاوزه، وتنطلق القاعدة الثانية من حسن التخطيط ووضع الأهداف الواضحة، فيساعدك ذلك على إدراك حجم الوقت الذي تخصصه لكل شيء، كما يجعلك تلاحظ إهدار وقتك فور حدوث ذلك، وهو ما يمنحك الفرصة لتدارك الأمر والعودة إلى الدرب القويم، كما يساعدك التخطيط على ملاحظة كافة جوانب الحياة بشكل أشمل، فتدرك حينها جوانب التقصير، وتتجنب الوقوع في فخ سرقة الحياة الشائع، فتعرف أن الحياة ليست فقط للعمل، وأن عليك تخصيص الوقت للترفيه وللعلاقات وللأعمال الخيرية، ويساعدك التخطيط على تنظيم الوقت وتوفيره، ويسهل عليك تجنب الإنتظار أيضا بحسن استثمار الوقت، فلا تنتظر بسلبية، وابحث دوما عما يمكنك عمله، فإن كنت تنتظر موعد هام يمكنك القراءة، وإن كنت تنتظر عملا يمكنك تعلم لغة جديدة، وإن كنت تنتظر نتيجة ما يمكنك ممارسة الرياضة والانتهاء من تنفيذ مهام أخرى، فلا تضيع وقتك.

في النهاية يظل الإنتظار عقبة في حياتنا، ومهما تحلينا بالتفكير العقلاني سيبقى الإنتظار مرحلة نعيشها، ويمكننا تجاوز تلك العقبة بفهم ماهية الانتظار وأنواعه المختلفة، كما يساعدنا في تخطي الإنتظار معرفة أضراره، لذا يجب اعتباره والتعامل معه كفعل سلبي غير مثمر، ويجب تحديد ما يستحق الإنتظار وعناءه، وما لا يستحقه، ويجب إدراك حجم التردد الذي يصنعه الانتظار معنا، ومن المهم أيضا ملاحظة العلاقة الوثيقة بين الإنتظار والقلق والتوتر، بعد التأسيس النظري لمفهوم الانتظار يأتي دور التعامل معه، ويمكننا التعامل مع الإنتظار بطريقة ذكية، تقوم هذه الطريقة على استثمار وقت الانتظار في أمور نافعة، فلا يكون وقت الإنتظار ضائعا بالكلية، فننفقه على تطوير أنفسنا وزيادة جودة ما لدينا، وننفق وقتنا في الترفيه أيضا، وبالتخطيط يمكننا تقليم مخالب الانتظار وتأطيره، فوجود خطة شاملة لحياتنا تجعلنا نرى جوانب القصور، وتمنعنا من الاستمرار في الانتظار بلا جدوى، وأخيرا الانتظار فترة مرهقة من حياتنا، لذا يجب اختيار ما يستحق عناء الإنْتظار، فلا يستحقه الأوهام والمستقبل الغامض.

الكاتب: أحمد ياسر

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

سبعة عشر − إحدى عشر =