العملات الورقية

لا شك أن العملات الورقية هي التي تحكم الأرض الآن. قطعة ورقٍ رقيقة بإمكانها أن تسيطر على العالم، أن تتحكم في قوانين الدول، أن ترفع من شأنك أو أن تخسف بك الأرض، لن أتعارض كثيرًا مع من يقول أن المال ليس كل شيءٍ بالحياة، أو أنه لا يجلب السعادة! لأنها غالبًا لا تصدر إلا ممن قد حظي بجانبٍ يرضيه منه، فالعامل الفقير الذي يحتاج لأكثر من ضعفين مرتبه حتى يستطيع أن يعيش وأسرته حياةً كريمة لن يترجم أيًا من تلك الكلمات، أو أنه لن يفهمها، برأيي عندما تتحدث عن السعادة والرضا تذكر أن تغلق باب الجوع أولًا، ومن ثم ربما تقول أن المال ليس كلَّ شيءٍ في الحياة.

العملات الورقية : تاريخها وطرق تصنيعها المختلفة

1العملة، والنقد

العملة هي أساس أي تبادل تجاري حالي، والذي كان يتم قديمًا عن طريق تبادل السلع مباشرة كأساس في المعاملات التجارية، ومن ثم فإن ظهور نظام العملات في التبادل التجاري قد جعل التجارة تسير بشكلٍ أسهل، والعملة مشتقة من كلمة “التعامل”، فهي المال الذي يتم التعامل به في التجارة، والعملة هي أداة اجتماعية، ولا تتمتع بصفتها النقدية إلا عندما يقبل، أو يعترف بها المجتمع من أفراد ومؤسسات، ولا يتم هذا القبول إلا عن طريق تمهيد تاريخي طويل، ومع اختلاف وتنوع العملة في كل دولة، فإنها أيضًا تتفاوت في القيمة، فمنها القوي، ومنها الضعيف، ولا تعني القوة هنا القيمة أو مقدار العملة بالنسبة إلى غيرها، ولكن تعنى مدى شعبيتها، واستخدامها من قبل دول العالم، فلدينا مثلًا الدينار الكويتي الذي يعد أغلى العملات قيمة، ولكن التعامل غالبًا بين الدول يتم عن طريق الدولار الأمريكي.

2تاريخ العملة

قديمًا لم يكن الإنسان في حاجة إلى استعمال وسيلة لتبادل الأشياء، لأنه كان دائم التنقل والبحث عما يريده، ولكن عندما استطاع أن يستقر في منطقةٍ ما، وصار في حاجة ماسة إلى أشياء لا يمتلكها، ويمتلكها أشخاصٌ آخرون في منطقة أخرى، صارت الحاجة ماسة إلى اختراع أشياء أو طريقة تساعد في عملية التبادل، وبالطبع يكون لها قيمة، ومتفق عليها، فكان في بادئ الأمر نظام المقايضة هو السائد، فهي تجارة مباشرة للبضائع، فمثلًا كان المحار هو وسيلة التبادل التجاري عند الصينيين، وأيضًا قد استعملت روس الفؤوس يومًا ما كوسيلة للتبادل والمقايضة، ويجب أن يقبل الطرف الآخر ما تقدمه له من أشياء، لذا كان من الصعب إيجاد شيءٌ يرضي الطرف الآخر، كما استعمل الملح والأسلحة أيضًا كوسيلة تبادل، حيث كان النبلاء الرومان قديمًا يتقاضون أجورهم ملحًا، وبالطبع بكمياتٍ معينة، ولكن لم يكن من السهل دائمًا التعامل مع هذه الأشياء، لذا كان من الضروري التفكير في شيءٍ يجمع بين المنفعة والبقاء، ولذا ظهرت العملات النقدية، حيث توجه الناس إلى استعمال المعادن، وذلك لما تمتاز به من سهولة الحفظ، وثبات المعيار، وإمكانية نقلها، وتجزئتها.

3العملات الورقية

لم تكن العملة الورقية هي العملة المستخدمة في بادئ الأمر، بل كانت العملة المعدنية، ولكن عندما ظهرت المشاكل المتعلقة بتكلفة التخزين ونقل العملات المعدنية، والتي كان من أهمها الذهب والفضة، تم الاهتداء إلى استخدام الورق كضمان من الجهة المصدرة، ويستطيع حاملها تحويلها إلى نقود معدنية متى أراد ذلك، فقد كان التجار  ومع الوقت أصبحت العملات الورقية تستمد قوتها من نفسها، وليس من قدرتها على أن يتم تحويلها إلى معدن، وأصبحت معتمدة من جهة الحكومات، وأصبحت العملة القانونية. والعملة الورقية هي عبارة عن أوراق، وتحمل فئات نقدية مختلفة، وتستخدم في دفع المبالغ المالية بقيمتها المختلفة.

4نبذة تاريخية عن العملات الورقية

لقد أشرت أن استخدام العملات الورقية في بادئ الأمر كان مجرد ضمان، يستطيع صاحبها أن يأخذ ثمنها نقدًا متى أراد ذلك، فكان التجار عوضًا عن أن يسافروا بعملات معدنية ثقيلة، أمكنهم استبدالها بأوراق تسهل حركة التجارة، وكان حاملها يذهب إلى الرجل الذي أودع عنده المال، ويستلم بتلك الورقة قيمتها، ثم اصبح استعمالها شيئًا عاديًا مع الوقت بين الناس، ليكون المرجع النهائي لحامل الورقة حتى يتسلم ماله هو مركز إيداع الأموال العامة، دون التخصيص بشخصٍ معين يحتفظ بالمال، وأول من قام بطبع العملات الورقية هم الصينيون، وكان ذلك في عهد “سلالة تانغ”، وكان أول مصرف أوروبي يقوم بتصدير العملة الورقية هو مصرف “ستوكهولم” في عام 1660م، ولكنه أفلس في عام 1664م، لأنه لم يستطع دفع قيمة كل ما قام بتصديره من عملات ورقية بالذهب، وفي نفس عام افتتاح مصرف “ستوكهولم” افتتح أول مصرف في أمريكا، وسرعان ما ظهر مصرف آخر في عام 1669م في اسكتلندا، والذي لا يزال موجودًا إلى يومنا هذا، ويقوم بأداء مهمته، ليعد بهذا الأمر المصرفٍ الذي قام بتصدير العملة لأطول فترة في التاريخ، وفي عام 1776م ظهرت عملة الدولار، ولكنها لم تشجع العديد من الأشخاص أن يتعاملوا بها، وذلك لأنها لم تكن مغطاة بالذهب كالنقود القانونية، ولكن عندما اعتبرت الحكومة الدولار العملة الرسمية، ومن لا يتعامل به يعد عدوًا للدولة، صار التعامل به أمرًا لا فرار منه، ولكن بحدوث حرب الاستقلال، صار لزامًا على الحكومة أن تغطي تكاليف الحرب، فقامت بطبع عملات ورقية بكميات هائلة، مما تسبب في حدوث تضخم للدولار، وفقد قيمته حينها، حتى تم ربطه بقيمة الذهب والفضة، وكان هذا الأمر على يد “الكسندر هاملتون” في عام 1789م.

5الدولار الأخضر

قد استمر وضع الدولار بعد أن تم ربطه بالذهب والفضة، إلا أن أجبرت الحكومة مرة أخرى على طبع كميات كبيرة منه، بسبب الحرب الأهلية، ولم تكن حينها العملة الورقية مغطاه بأي من الذهب والفضة كما في السابقة، واكتسب الدولار حينها لونه الأخضر المعروف حتى يومنا هذا، وبسبب التضخم الحاصل مرة أخرى تم إعادة ربط الدولار بالمعادن في عام 1879م، ولكن تم فك هذا الربط مؤقتًا في عام 1933م، على يد الرئيس “فرانكلين روزفلت”، ولكن أعيد ربطه بالذهب مرة أخرى في عام 1934م، ولكن يحق للحكومة فقط أن تستبدل العملة الورقية بالمعدن ذهب أو فضة، ثم قام الرئيس “نيكسون” بفك ارتباط الدولار بالمعدن، واستمر هذا الحال إلى الآن.

6كيف تصنع العملات الورقية ؟

بدايةً لا تصنع العملات الورقية من الورق العادي الذي يتم استخدامه في الكتابة، بل تتم صناعتها من القطن، وهذا يُفسر رائحته المميزة، ومن أسباب اختيار القطن كمادة في صناعة العملات الورقية، وهو أن الورق القطني يتفوق على الورق العادي، الذي قد يتحلل لاحتوائه على نسبة عالية من الأحماض، كما أن بعض الأنواع من ورق القطن قد تظل على حالها مئات الأعوام دون أن تتمزق أو يتغير لونها، ويستخدم في صناعة العملة الورقية مع القطن، الألوان، والأشكال، والرموز التي تميز كل عملة عن غيرها، ولكن حتى يتم إنتاج العملة يمر القطن بعدة مراحل، حيث يتم وضعه في درجة حرارة عالية، وبعدها يتم ضغطه لمدة ساعتين، بسبب الحرارة يتحول القطن إلى عجينة يتم خلطها عدة مرات حتى تصل إلى ملمس النقود العادي، وعندما تصبح العجينة رطبة، يتم تشكيلها حسب مقاسات الورقة النقدية تبعًا للفئات النقدية المتاحة، وبعدها يتم استخدام الألوان ليتم تحديد قيمة العملة، وتأخذ الشكل المعروف في البلد، سواءً كان عليها صورة حاكم، أو شخصية معروفة، أو معلم أثري مهم، وأيضًا يكتب اسم الدولة، وتتم إضافة وسائل أمنية لحماية العملة النقدية حتى لا يتم تزويرها، ومن تلك الوسائل خيوط الأمان الفسفورية، والعلامات المائية، وبعد أن تنتهي هذه الإجراءات تُجفف الورقة في أفران خاصة، وبهذا تكون جاهزة ليتم التعامل بها.

محاولات الإنسان العديدة لاختراع الأشياء التي تناسب احتياجاته، ما هي إلا محاولات منه للتأقلم مع ظروف الحياة، فحاجة الإنسان لفعل شيء تجعله يدرك تلقائيًا كيف يقوم به، فعندما استطاع أن يدرك حاجته لاستعمال نظام المقايضة، أهداه عقله لاستعمال النقود المعدنية، ومن ثم استطاع أن يخترع أمرًا أسهل بكثير وهو استعمال العملات الورقية، وهذا بالفعل أمرٌ عظيم.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثلاثة × أربعة =