يرقة الذباب

إن الحشرات رغم إزعاجها لنا إلا أنها تقوم بدور ضروري للنظام البيئي في أي مكان وتساهم بشكل كبير في استمرار حياتنا اليومية، فالحشرات معظم أنواعها، ومن ضمنها الذباب بالطبع، تعمل كناقلات لحبوب اللقاح بين النباتات وبذلك تضمن استمرار وجودها وتنتج من عملية التلقيح الثمار التي تشكل المصدر الأساسي للغذاء للكثير من الكائنات الحية وتحمل بداخلها البذور لإنبات جيل جديد من النباتات، كما تعمل الحشرات على تخليص البيئة من الفضلات والجثث الميتة، فهي تقوم بدور الكائنات المترممة في كثير من الأنظمة البيئية، سواء أكانت حشرات ناضجة أو يرقات مثل يرقة الذباب ، ناهيك عن كونها غذاء للكثير من أنواع الكائنات الحية التي تنفعنا كبشر ولا نستطيع الاستغناء عنها.

يرقة الذبابة المنزلية

ربما عندما يقرأ أي شخص كلمة (ذبابة) أو يسمعها تأتي على باله صورة تلك الذبابة الرمادية التي يميل لونها للسواد التي نراها دوما في منازلنا وشوارعنا، ورغم كثرة أنواع الذباب وتنوع أشكالها وألوانها وأحجامها إلا أن الذبابة المنزلية هي أكثر الأنواع شيوعا واتصالا بالبشر، اسمها العلمي Musca domestica، ويتراوح عمر تلك الذبابة بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع، ولقصر عمرها فالأنثى تتزاوج في الغالب مرة واحدة فقط وتحمل الحيوانات المنوية للذكر معها لتستخدمها فيما بعد، وعادة ما تضع بيوضها في البراز أو القمامة والمواد المتحللة بشكل عام لتتغذى عليها يرقة الذباب أثناء نموها، وتتحول يرقة الذباب بعد فترة تتراوح من أسبوعين لخمسة أسابيع إلى شرنقة بنية تميل للحمرة.

إن الذبابة لها القدرة على التغذي على المواد السائلة وشبه السائلة، أما المواد الصلبة فتفرز عليها الذبابة لعابها الذي يحتوي على أنزيمات تقوم بجعله شبه سائل ليسهل امتصاصه.

يرقة الذبابة الزرقاء

يرقة الذباب يرقة الذبابة الزرقاء

وكما تقوم يرقة الذبابة المنزلية بالتغذي على الفضلات والقمامة فتخلص البيئة منها، توجد أيضا أنواع من الذباب تتغذى على الجيف والجثث الميتة لتخلص البيئة منها، ومنها الذبابة الزرقاء. تقوم تلك الذبابة بوضع بيوضها في الجثث لتنمو يرقة الذباب وتعتمد على الجثة كغذاء، واشتهرت العلاقة بين وجود الجثة ووجود الذباب الأزرق -لقدرته العالية على العثور على الجثث- حتى ظهرت الجملة التهديدية الشهيرة: “الذباب الأزرق لن يعرف لك طريق” ومعناها أن جثتك سيتم إخفاؤها جيدا وحتى الذباب الأزرق لن يجدها.

كيف يساعد الذباب على حل الجرائم؟

عند موت الإنسان أو أي كائن حي بشكل عام تبدأ عملية تحلل جسده، البكتيريا النافعة التي كانت في جسده -ربما في الجهاز الهضمي– والتي كانت تساعده الآن تتغذى عليه، وتجذب رائحة الجثة الذباب فيأتي ليتغذى هو الآخر ويضع بيوضه، وفي غضون بضعة أيام فقط تتحول الجثة إلى كتلة من العظام فقط، لذلك فإذا حدثت عملية قتل وتأخر طاقم التحقيق في الوصول وحفظ الجثة ستتحلل كثير من الأدلة في الجثة وربما تغلق القضية دون معرفة الجاني، لكن الذباب هنا يقدم لنا العديد من الخدمات.

إن خبير الحشرات يستطيع تحديد مدى نمو يرقة الذباب في الجثة، وبالتالي يستطيع تحديد وقت الجريمة، كما أن الذباب رغم تشابه شكل جميع أنواعه إلا أن هناك بعض الفروقات، فإذا وجدنا جثة في مدينة ما وكانت مستوطنة من قبل حشرات لا تنتمي لهذا المكان، بل تنتمي للريف أو لمدينة أخرى، فنعرف بالتالي أن الجريمة حدثت في مكان آخر، ثم نقلت الجثة إلى هنا. كما يساعدنا مكان وضع البيض كذلك، حيث إن الذباب يضع البيض في الأماكن الطرية بعض الشيء، مثل الجروح، فوجود يرقات الذباب في مكان على جثة يعني أنه كان هناك جرح هنا لكنه ربما تحلل، كما أننا إذا قمنا بتحليل لما أكلته الذبابة سنستطيع معرفة إذا كان الشخص مات بجرعة من سم أو عقار ما، لأنه سيظهر في التحليل.

أساطير حول الذباب و يرقة الذباب

الذباب رفيق للبشر منذ بدء حضارتهم، وتواجد دوما في مدنهم وقراهم، لذلك من البديهي أن نجده قد أثّر في الثقافة البشرية وترك فيها بصمة. وقد تباينت وتنوعت أفكار الناس عن الذباب وانطباعهم عنه، فالمصريون القدماء اعتبروه حافظا للأرواح في العالم الآخر وحارسا لها، وارتبط عندهم بالمحاربين المثاليين، فالذباب يملك صفات المحارب المثالي، صبور ومثابر وشجاع ونشيط، وكانت (الذبابة الذهبية) أو (ذبابة الشرف) وساما يمنح للمتميزين من الرجال والنساء.

بينما في أوروبا في القرون الوسطى ارتبط الذباب بالشيطان نفسه، وكان لقب الشيطان حينها “ملك الذباب” ونجد في كثير من اللوحات التي يظهر فيها يسوع المسيح الشيطان في جانب اللوحة ممثلا على هيئة ذبابة، كما في الأساطير الجرمانية تلعب الذبابة دورا هاما في قصة صنع الأقزام لمطرقة الإله (ثور) إله الرعد، فقد تحوّل (لوكي) المخادع إلى ذبابة ليزعج القزم القائم على صنع المطرقة.

إن الذباب و يرقة الذباب رغم كره الناس له لكنه كائن مهم، تتنوع فوائده من الخدمة البيئية إلى حل القضايا وحتى أنه يستخدم في بعض العلاجات مثل العلاج باليرقات، وتأثر كثيرا وأثّر في ثقافة البشر، فقبل أن ترى ذبابة وتقتلها، توقف وفكر، ماذا لو أن تلك الذبابة تنقل الآن حبوب لقاح لنبات نادر، أو أنها الشاهد الأخير على جريمة قتل استعصى حلها على عقول فريق التحقيق.

الكاتب: أسامة سعد

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

واحد × 3 =