نهضة اليابان

قبيل الحديث عن نهضة اليابان علينا أن نتعرف على أحوال اليابان قبل الحرب وبعدها مباشرة، فقد كانت اليابان دولة قوية جدًا ولها ثقلها السياسي والتجاري حتى أنها كانت تصنف ضمن قائمة الدول العظمى في العالم، ولكن بعدما دخلت الحرب قامت قوات الحلفاء بتدمير اليابان بشكل هائل حتى أنها ألقت على أرضيها قنبلتين نوويتين، فتسببت هذه القنابل في تدمير مدينتين بأسرهم فمات من فيهم وهلك كل شيء فوق أرضها، فكانت نهاية الحرب مذلة لهم وخسائرهم كبيرة للغاية ولا يمكن تعويضها، فسكنت اليابان نسبيًا بعد انتهاء الحرب مباشرة ولكنها ما لبثت أن بدأت في برنامج نهضة اليابان الكبيرة، وقد شملت هذه النهضة جميع مجالات الحياة بلا استثناء فكريًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا وعلميًا وصناعيًا وطبيًا وغيرهم، واستمرت هذه النهضة تسير وفق الطريق المحدد لها لعدة أعوام حتى انتقلت اليابان من أسفل القاع إلى أعلى القاع بشكل سريع ومفاجئ، فقد ظن العالم بأسره أن اليابان انتهت ولن تقوم لها قيامة أخرى وستظل ضمن دول العالم الثالث، ولكن بعزيمة وإرادة الشعب الياباني نهضت البلاد وعادت إلى مكانتها الطبيعية بين الدول العظمى.

نهضة اليابان بعد الحرب مباشرة

نهضة اليابان نهضة اليابان بعد الحرب مباشرة

شاركت اليابان في الحرب العالمية الثانية ولكنها مُنيت بهزيمة قاسية شتت أوصالها وجعلتها بلد فقير جدًا ليس لديه عزم للنهوض أو التقدم، فقد نظر إلى اليابان نظرة دول العالم الثالث الفقير فكل شيء بها تالف أو لا يصلح للعمل، ويذكر أنه قبل دخول الحرب العالمية الثانية كانت اليابان من أغنى دول العالم وأكثرها تقدمًا ولكن الهزيمة قضت على كل ذلك، فازداد معدل التضخم في اليابان حتى تدهورت الحالة الاقتصادية بشكل شبه كامل، ونظرًا لذلك التدهور الاقتصادي الرهيب قامت اليابان بالاستعانة بجوزيف دودج المصرفي الأمريكي الذي غير شأن الاقتصاد في اليابان ومن قبلها ألمانيا، فكان هذا الرجل من أسس نهضة اليابان التي اسند إليه أهم ركن من أركان النهضة وهو الاقتصاد، واستمر العمل في نهضة اليابان تلك لمدة عقدين أصبحت فيهم البلاد في مكانة أخرى ولها شأن مختلف تمامًا عما بعد الحرب مباشرة، فقد عادت اليابان إلى القمة سريعًا بعزيمة وهمة وإرادة الشعب الياباني المكافح، حتى أطلق على هذه البقعة من الأرض كوكب اليابان.

تجديد وتغيير كل شيء

نعلم جميعًا أن اليابان قد دمرت بشكل شبه كامل في الحرب العالمة الثانية وخاصة المدينتين التي سقطت عليهما القنابل النووية، فبعد انتهاء الحرب ورؤية هذا الدمار الكبير أصبح لدى الشعب الياباني عزيمة وإرادة لكي يبدأ من مرحلة الصفر وهو يعتبر بداية نهضة اليابان، فتم النظر إلى منشآت الدولة بأكملها وعملوا تجديدها وإعادة بناءها من جديد، فتغيرت أساليب الإدارة ومناهجها وتم إيقاف التقنيات القديمة مع إيجاد أخرى حديثة بديلة لما توقف، وحاولت الحكومة اليابانية توفير أكبر قدر من المواد الخام اللازمة للصناعة بأقل التكاليف، بجانب توفير بعض من التكنولوجيا الحديثة بأقل التكاليف أيضًا والتي أخذت وتم تطوريها من قبل الرجال اليابانيون حتى صارت اليابان اليوم تمتلك أحد أكثر التكنولوجيات تقدمًا في العالم، فكل هذه الأشياء التي تغيرت جعلت الشركات اليابانية تسعى للتطوير من ذاتها بشكل دائم وهذا بالطبع في مصلحة الشعب بأكمله.

نهضة اليابان ومحاكاة التطور الغربي

بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية نظر اليابانيون إلى الغرب الذي انتصر عليهم نظرة انبهار بتلك التكنولوجيا المتقدمة التي لديه، فهو يصنع وينتج ويبتكر في حين أن اليابان لم تصل قدراتها إلى هذا الحد من التقدم، فأصبح لدى اليابانيون عزيمة وإرادة لمجاراة ومحاكاة التطور والتقدم الغربي، فاستعانت اليابان بالكثير من الرجال الغربيون لكي يأخذوا من خبراتهم في التطور الهائل لديهم، وكان أكثر هؤلاء الرجال من الولايات المتحدة الأمريكية التي ساعدت اليابان بعد انتهاء الحرب العالمية كثيرًا، فمن سبل نهضة اليابان أنها استبدلت نظم التكنولوجيا القديمة لديها بأخرى حديثة ومتطورة، وطورت من المصانع والمنشآت الحربية والعسكرية لديها فجددت ما يصلح وأغلقت الغير صالح مع إنشاء أخرى جديدة.

هذا بجانب استخدام الأساليب الحديثة في المجال الاقتصادي وهو الأمر الذي جعل الشركات اليابانية المدرجة ضمن القطاع الخاص إلى توسيع نطاقها العملي في البلاد، ومن أشكال التغيير الصناعي والاقتصادي الذي جرى في اليابان هو تحويل مصنع الأسلحة البصرية إلى مصنع لإنتاج المناظير والكاميرات، وتحويل بعض مصانع الأسلحة اليدوية مثل البنادق والرشاشات إلى مصانع لإنتاج ماكينات الخياطة، والهدف من الأخير هو تشغيل أكبر عدد من الشباب الياباني مع حدوث اكتفاء ذاتي من الملابس وتصدير الباقي إلى الدول الأخرى.

المساعدات والمساهمات الأمريكية

نهضة اليابان المساعدات والمساهمات الأمريكية

لم تحدث نهضة اليابان باعتمادها على نفسها فقط بل كان هناك عامل أخر شارك في تلك النهضة ألا وهي المساعدات والمساهمات الأمريكية، فقد دخلت أمريكا اليابان وقدمت مساعدات رهيبة في شتى المجالات وهذا لم يكن بدون مقابل، فالمقابل كان منع تدخل الاتحاد السوفيتي إلى الأراضي اليابانية مع منع الشيوعية والسياسة العسكرية من دخول هذه البلاد مرة أخرى، فقد نظر القائد الأعلى لقوات التحالف إلى التعاون الاقتصادي على أنه سيبعد نظر الشعب الياباني عن التفكير في الشيوعية مرة أخرى، فسوف تتحقق الديموقراطية وتنهض اليابان مرة أخرى بشكل جديد ومتغير عما سبق، ولذلك حدث تبادل خبرات كبير بين البلدين حتى تقدمت اليابان في المجال التكنولوجي بشكل كبير، هذا بجانب المساعدات الأمريكية في الصناعة والتجارة والثقافة والعلمية والحكومية.

ففي الصناعة شارك الكثير من رجال الأعمال في تطوير صناعة البلاد بفتح مصانع وشركات خاصة، مع ظهور بعض المستثمرين الأمريكيون في اليابان، ولا ننسى دور رجال الاقتصاد في تعزيز نمو اقتصاد البلاد وعلى رأسهم جوزيف دودج، أما عن المجال التجاري فقد تعمق كثيرًا وأصبح الموضوع أكثر سهولة وأرسلت الكثير من البضائع التجارية الأمريكية إلى اليابان، وفي المجال العلمي أرسلت بعثات من الأساتذة والدكاترة الأمريكيون في الكثير من المجالات للتدريس في الجامعات اليابانية، وأكثرهم من سافر للتدريس في كليات الطب والهندسة والعلوم والتكنولوجيا، وأيضًا كان لحكومات البلدين نصيب في تلك المساعدات والإسهامات فكان هناك تخاطب كبير فيما بينهم ساعد في تحسين أوضاع البلاد التي ساءت بعد انتهاء الحرب مباشرة.

استغلال الفائض عن الحاجة

من الأمور التي عمل بها في نهضة اليابان هي استغلال الفائض عن حاجة الشعب في أمور جديدة تفيد الشعب، بمعنى أن الشعب الياباني شعب موفر بطبعه واستهلاكه منخفض نسبيًا في حين أن الإنتاج لديها كان كثير نوعًا ما، وبالتالي فكر اليابانيون في استغلال هذه الزيادة بتصديرها عالميًا واستغلال رؤوس أموالها في شيء ما جديد، وهذا بالطبع ما أدى إلى إنعاش اقتصاد اليابان وزيادة نموه سريعًا، فقد تم إنشاء عدة مصانع جديدة لاستغلال الأيدي العاملة الكبيرة في البلاد مع دعم البنية الصناعية الجديدة، واستخدام جزء من هذه الأموال في الجانب المالي عن طريق القروض المصرفية، وبالرغم من كثرة هذه المدخرات إلا أن الشعب الياباني لا زال يعمل إلى الآن بروح وعزيمة كبيرة، فالحياة لديهم تتركز بشكل رئيسي على العمل وليس العمل العادي بل لعدة ساعات تفوق الكثير من البلدان الأخرى، شأنها شأن جارتها الصين فهما يقدسان العمل لعدة ساعات ومن الصباح الباكر.

المساواة بين جميع طبقات الشعب من أساسيات نهضة اليابان

كان ولا يزال النظام الهرمي هو أحد أهم أسباب عدم تقدم الشعوب أو إصلاح حياتها وهذا ما يحدث للأسف في الوطن العربي، ولذا لا يوجد أي إصلاح أو تقدم في أغلب الدول العربية إن لم يكن كلها ولكن اليابان لم تفعل ذلك، بل قامت الحكومة اليابانية بإلغاء النظام الهرمي وتطبيق مبدأ المساواة بين جميع طبقات وأطياف الشعب بلا استثناء، فأصبحت العدالة والهوية مشتركة بين جميع سكان الأراضي اليابانية، وما يدل على تلك المساواة والعدالة هو أن الحكومة اليابانية شجعت الأسر على إدخال أطفالهم إلى المدارس فور وصولهم للسن المحدد، وأصبح التعليم مجاني للجميع طوال المرحلة التمهيدية والابتدائية حتى يقضون على الجهل برمته، وبالفعل الآن نسبة الجهل والأمية في اليابان لا تتعدى الواحد بالمائة إن كانت تتواجد من الأساس، وأيضًا قامت الحكومة بإلزام جميع الشباب بالانضمام إلى الجيش الياباني لأداء الخدمة العسكرية.

زرع العمل في نفوس اليابانيين

لا تمتلك اليابان أية مقومات طبيعية ويوجد جزء كبير من أراضيها يصل إلى الخمس غير صالح للسكن أو الزراعة، وباقي أراضيها قليلة نوعًا ما ولا تستوعب التعداد السكاني الياباني الكبير، ولكن بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية بدأ الشعب يعمل يد بيد حتى بدأت نهضة اليابان الكبيرة، حيث قاموا باستصلاح الأراضي الزراعية حتى توفر لهم كوت يومهم فينتجوا المحاصيل الزراعية الكافية للشعب، وهذا العمل والاستصلاح الكبير جعل لدى الشعب الياباني رغبة كبيرة في العمل والجد والاجتهاد، فعملوا كثيرًا حتى تعودوا على العمل الشاق والمتعب وأصبح الأمر لديهم سهل ويمكن إنجازه مهما كان.

وقد ترتب على ذلك زرع العمل في نفوس اليابانيون بأكملهم منذ ولادتهم فأزداد نشاطهم وإبداعهم وتقدمهم، وبالرغم من كل ذلك لم يفقدوا حسن المعاملة مع بعضهم البعض ومع الأجانب، فبيعهم وتجارتهم وصناعتهم شريفة جدًا وخالية من الكذب أو الخيانة أو الغش، وهذا ما نراه في يومنا هذا فحالات السرقة لديهم تكاد تكون منعدمة، والشعب لا يخاف على نفسه أو أمواله مهما سار وأينما ذهب.

تطوير التعليم في اليابان

نهضة اليابان تطوير التعليم في اليابان

يعد التطور الكبير في التعليم الياباني هو أحد أشكال نهضة اليابان وذلك بسبب التغيير الجذري المقصود بعد الحرب، فقد سعت الحكومة اليابانية على تطوير النظام التعليمي في البلاد بإدخال اللامنهجية مع المنهجية في التعليم، وهذا ما أدى اختراع وابتكار العديد من الأشياء المختلفة من قبل الطلاب، فكل ما هو جديد تجده في اليابان فهم أصحاب أهم روبرت في العالم ويعد هذا نقلة كبيرة في التكنولوجيا والتقدم العلمي، ففي البداية قد حاكى اليابانيون الغرب في تعليمهم وتقدمهم حتى تعلموا كل ما لديهم، ثم بدؤوا في تطوير أنفسهم حتى تقدموا على الغرب وأصبحوا يلقبون بكوب اليابان، وأيضًا لا ننسى دور المعلم الياباني في نهضة اليابان فقد أحتل المعلم مكانة مرموقة في الدولة، فقدرته وأعطته مرتب مناسب جدًا لكي يقضي على أي مشاكل لديه فيتفرغ للتدريس بصدر رحب، هذا بجانب توفير كامل الرعاية الصحية والاجتماعية للمعلم حتى لا يعول هم أي شيء أخر غير التعليم.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

عشرة − 8 =