تسعة
الرئيسية » صحة وعافية » كيف أصبح مرض يدعى الموت الصغير لغزًا كبيرًا في شرق أفريقيا؟

كيف أصبح مرض يدعى الموت الصغير لغزًا كبيرًا في شرق أفريقيا؟

الموت الصغير الذي ظهر في مرتفعات ماهينغي التابعة لتنزانيا يُعد من أكثر الألغاز الطبية التي لم يتم حلها إلا في الأعوام الأخيرة، ولكن للأسف بعد موت وعذاب الكثير من الأطفال في أدغال أفريقيا على مر السنوات، فتُرى ما قصة هذا المرض؟!

الموت الصغير

تم اكتشاف الموت الصغير في قبيلة وابوغورو التانزانية، وهي منطقة تحتوي على الكثير من الكنوز، وأماكن التنقيب الغنية والحفريات القديمة، ولكن على الرغم من ذلك، سكان هذه القبيلة كانوا يتجنبون الحياة وسط البشر الآخرين، في عزلة مع أنفسهم كاملة، على مرة مئات الأعوام، حتى جاءت طبيبة نرويجية في عام 1959 تدعى “لويس جيلك آل”، وكانت تبلغ من العمر في ذاك الوقت ثمانية وعشرين عامًا، أسست هذه الطبيبة عند هذه القبيلة أول عيادة لعلاج أهل القرية، وما أن شرعت في فحص أهل القرية حتى وجدت العديد من الأعراض المرضية الصعبة والغريبة.

ما هو الموت الصغير ؟

الموت الصغير ما هو الموت الصغير ؟

كلما مر يوم أو يومين يدخل عند هذه الطبيبة طفل يُعاني من نفس الأعراض تقريبًا وهي؛ حروق شديدة على مختلف أنحاء جسد الطفل، ومنهم فتيات انتشرت الحروق حتى على وجهوهن، بل ومات الكثير من الأطفال والبالغين من آثر هذه الجروح ولم تسعفهم الطبيبة، وأحيانًا كانت تجد الطبيبة خريطة من الندوب القديمة على جسد المحروقين، وهو دليل على تكرار عملية الاحتراق على مر الزمن، كل هذه الأعراض أثارت الشكوك في نفس الطبيبة النرويجية، حتى فوجئت بنوع جديد من الأعراض الجنونية تحدث لأطفال القرية وهو أن الأطفال يغرقون دون أي تدخل في النهر، وحينما حاولت الطبيبة أن تسأل وتستفسر عما يحدث من أهل القبيلة، لم يريدوا أن يجاوبوها وخافوا منها، وكل ما علمته حينها أن هذا المرض يدعونه أهل القرية “كيفافا” والتي تعني الموت الصغير باللغة السواحلية.

أعراض مرض الموت الصغير

عندما كشفت الطبيبة النرويجية على هؤلاء الأطفال وبدأت في متابعتهم، لاحظت أن هناك نوبات تشنج شديدة تحدث لهؤلاء الأطفال، وكان الترجيح الأقرب أن عملية الحرق تحدث بسبب تشنج الأطفال والكبار لدرجة أنهم يكونون قريبين من النار ولا يستطيعوا أن يبتعدوا عنها فيحدث الحرق، أيضًا لديهم طريقة مشي غريبة وغير معتادة بالنسبة لبقية أهل القرية، هذا بجانب عملية تكرار الإيماء بالرأس بصورة لا إرادية، حيث تنحني رؤوسهم وتنغلق عيونهم ويكررون عملية الإيماء برأسهم على صدرهم، وكان المرض منتشر وينتهي عادة بموت مبكر للمصابين.

انتشار المرض في أماكن أخرى

لم تكن قبيلة وابوغورو هي فقط التي تعاني من الموت الصغير ، بل كانت هناك أماكن أخرى في العديد من مناطق تنزانيا، خصوصًا قبائل الغابات، بل وتم اكتشاف المرض في مناطق أخرى من شرق أفريقيا، مثل جنوب السودان وأوغندا، وهناك قتل المرض آلاف الأشخاص من جميع الأعمار والفئات، وكانت المشكلة هي أن المرض يظهر دون أي مقدمات، ويختفي أيضًا دون مقدمات، وحتى ذلك الوقت لم يعرف أحد من العلماء السبب الحقيقي خلف هذا المرض الصعب، حيث كان يعتقد فيه العَديد من الأطباء الأوربيون أنه نوع من أنواع الصرع الغير مكتشفة، وحسب أبحاث أخرى قالوا أن هذا المرض يشبه كثيرًا مرض باركنسون وألزهايمر، ولكن لم يتم تحديد المرض بل ما كان يحدث هو استمرار التشنجات وتلف خلايا الدماغ حتى تتضاعف حالات الصرع وتنتهي بالموت.

أول تفسيرات الموت الصغير

في عام 2018 لاحظ بعض الباحثين أول مفتاح علمي قد يفسر ماهية هذا المَرض، حيث كانت الملاحظة أن أدمغة المراهقين المصابين بهذا المرض تحت الأشعة تشبه كثيرًا شكل أدمغة المصابين بمرض باركنسون وألزهايمر المبكر، وقال رئيس فريق الباحثين في جامعة تورنتو وأخصائي علم الأمراض “مايكل بولانين” أنه لاحظ عطب في خلايا الدماغ، ولو تمكنوا من تحديد نوعية التلف سيكون سهل عليهم تحديد سبب هذا التلف، كما أنهم لو اكتشفوا أسباب هذا المرض سيساعدهم هذا الأمر في تحديد أبعاد أخرى لأمراض تتشابه في الأعراض مثل باركنسون وألزهايمر.

المعلومات المتاحة حتى الآن عن المرض

حسب عالم الأعصاب بيتر سبنسر، فإن المرض ليس وراثي، وتلك المعلومة مبنية على الإحصائيات التي وضحت أن المرض ظهر واختفى في شمال أوغندا لمدة خمس سنوات فقط، مما يعني أن هذا المرض لم يأخذ سنوات عديدة حتى يتطور لهذا المستوى من الضرر، كما أن مرض الموت الصغير تشابهت أعراضه مع مرض آخر في مكان بعيد جدًا عن قارة أفريقيا، على جزيرة غوام التي تقع غرب المحيط الهادئ عام 1904، وأطلق عليه الأطباء في ذلك الوقت، الخرف وشلل الرعاش، وكان هذا المرض سبب في العديد من حالات الوفاة في ذلك الوقت.

دلائل مزيفة عن الموت الصغير

بِسبَب غموض هذا المَرض يَظل الأطباء يضعون احتماليات مختلفة لأسباب المرض، وكانت الديدان الطفيلية هي أحد هذه الافتراضات، وذلك لأنه في عام 2002 في جنوب السودان تم اكتشاف وجود نوع من الديدان الطفيلية منتشرة جدًا في أجسام مرضى الموت الصغير ، تدعى “الديدان كلابية الذنب” ويتم انتقال هذه الديدان عن فَم ذبابة على شكل مُنشار بعد غرسها في جلد الإنسان لتضخ الذبابة عدد كبير من البويضات لهذه الديدان، ثم في ظرف عدة أشهر تنتشر الديدان في جميع أعضاء الجسم تقريبًا لتتكاثر وتَنمو وتُخرج ديدان خيطية مجهرية، وما لاحظه الأطباء أيضًا أنه حين تموت أحد هذه الديدان يقوم جلد الإنسان بعمل رد فعل شديد، وكان ظن الأطباء في ذلك الوقت أن الإيماءات التي تحدث أثناء الإصابة بالموت الصغير سببها هذه الديدان، وردة فعل الجسم ناحيتها، ولكن هذه النظرية لم يثبت صحتها بسبب عدم ظهور أعراض الإيماءات على مصابي الديدان في أمريكا اللاتينية.

هل الحرب سببًا في الموت الصغير ؟

منطقة شمال أوغندا لفترة كبيرة من الزمن كانت مقر صراع لحرب أهلية مسلحة، في فترة الثمانينات واستمرت تقريبًا حتى عام 2006، وبسبب هذه الحرب تم نزوح أكثر من مليون شخص تقريبًا من هذه المنطقة، وكانت البيئة المحيطة بهؤلاء الناس هي عبارة عن مخيمات يتم إقامتها للاجئين، هذه المخيمات كانت بيئة تجذب الأمراض والأوبئة مثل الكوليرا والحصبة وغيرهم من الأوبئة شديدة التأثير، وفي أول خمس سنوات في الألفية الجديدة تم عمل مسح لتكون منطقة شمال أوغندا أعلى منطقة تحتوي على مصابين الموت الصغير ، ولذلك كانت الآراء العلمية تتجه نحو فكرة عدم التطعيم ضد الحصبة الألمانية وأن هذا الفيروس هو السبب، حيث تدخل الفيروسات إلى الدماغ لتُحدِث التهابات شديدة في خلايا الدماغ، مما يسبب تدهور مستمر في عمل الدماغ، ولكن عند تحليل أدمغة أطفال ماتوا بسبب الموت الصغير وجدوا كتلًا من بروتين يدعى “تاو” في صورة تجمعات، وهو دليل على مرض الانتكاس العصبي، ولكنهم لم يجدوا أي نوع من الفيروسات أو البكتيريا.

السبب المُكتشف أخيرًا حتى الآن

الموت الصغير السبب المُكتشف أخيرًا حتى الآن

على جزيرة غوام وجد العلماء أعراض لمرض مشابه، كان هذا المرض سببه غذائي، حيث يتناول الشعب في هذه المنطقة بذور لأشجار تدعى السيكاس، وهذه البذور غنية بمادة تدعى “بيتا مثيل أمين ألانين” وهذه المادة سبب رئيسي في أعراض تلف الدماغ، ومن هذا المنطلق وبسبب سوء الأحوال الاقتصادية في بلاد أفريقيا وهذه القبائل الفقيرة، فإنهم يتوجهون لأكل العديد من الأطعمة التي قد تحتوي على مواد سامة أيضًا، وتسبب أعراض الإيماء الخاصة بمرض الموت الصغير ، كما وجدت دراسة تؤكد على وجود علاقة بين أكل نبات الكسافا ومرض كونر وهو مرض عصبي تنكسي يصيب الكثير من الأجيال في أفريقيا، بسبب هذا النبات الذي تعتمد عليه الكثير من القبائل في أكلها، حيث أن هذا النبات يحتوي على كمية كبيرة من السيانيد تنتقل إلى الذي أكلها دون معالجتها بالتقطيع والتنظيف الجيد، ويسبب هذا السيانيد أعراض تصل إلى الإصابة بالشلل الكلي.

أخيرًا مرض الموت الصغير حتى الآن في طور الدراسة وأقرب الأسباب التي اتفق عليها العلماء هي أن أسباب المرض غذائية، وفي هذا الطريق بدأ العلماء أن يوجهوا طاقتهم ودراستهم في كيفية تقليل الأعراض وعلاج الأمراض العصبية عن طريق صناعة مادة كيميائية تحمي خلايا الدماغ من التلف.

ملحوظة: هذا المقال يحتوي على نصائح طبية، برغم من أن هذه النصائح كتبت بواسطة أخصائيين وهي آمنة ولا ضرر من استخدامها بالنسبة لمعظم الأشخاص العاديين، إلا أنها لا تعتبر بديلاً عن نصائح طبيبك الشخصي. استخدمها على مسئوليتك الخاصة.

أيمن سليمان

كاتب وروائي، يعشق منهج التجريب في الكتابة الروائية، فاز ببعض الجوائز المحلية في القصة القصيرة، له ثلاث كتب منشورة، هُم "ألم النبي (رواية)، وإنها أنثى ولا تقتل (رواية)، والكلاب لا تموت (مجموعة قصص)".

أضف تعليق

تسعة − 3 =