السنة النبوية

لا تعد السنة النبوية مجرد قصصًا تُسرد، أو عدة أقوال حكيمة، أو مجرد أفعال عن الرسول –صلي الله عليه وسلم- فقط، إن السنة النبوية تعدَّت كل هذا لتكون منهاجًا تربويًا حكيمًا رائعًا، قد صيغ في قالب يتناسب مع الإنسان وحاجته، مهما تطور الزمن، وتغيرت الأحوال، فالحكمة التي تنبض من هدي السنة النبوية قد جاءت لتخاطب الصغير قبل الكبير، جاءت لتبين ما خفي من الأمور، وتستوضح ما أبهم من القرآن، كما أن حديث رسول الله –صلي الله عليه وسلم- ما هو إلا أبلغ حديث صاغه بشر، لذا فإنه من الواجب علينا أن نتعرف أكثر عن سنة رسولنا الكريم –صلي الله عليه وسلم- وعن كيفية وصولها إلينا.

السنة النبوية الشريفة

لعظمة السنة النبوية الشريفة في كونها منهاجًا تفصيليًا للحياة، تترتب عليها الكثير من الأمور، ولشرفها كونها صدرت عن أعظم بشرٍ، اهتم الصحابة، والتابعين من خلفهم، وتابعين التابعين، بتدوينها، والحرص على التأكد من صحتها، وسندها، فالسنة هي المصدر الثاني للتشريع، وهي أصل من أصول الدين، فكما أن القرآن الكريم وحي من الله –تعالى- إلى رسوله الكريم، باللفظ والمعنى، فإن السنة النبوية هي وحي من الله –تعالى- إلى رسول الله –صلي الله عليه وسلم- بالمعنى، أو قد تكون إقرار من الله لما صدر عن رسوله من قول وعمل. فمصدري التشريع القرآن والسنة، وكلامها وحي، والقرآن هو الوحي المتلو، و السنة النبوية هي الوحي الغير متلو. فهي المصدر المعرفي المكمل للقرآن، ولأن القرآن الكريم جاء بأحكام أشبه بالخطوط العريضة؛ فاحتاج إلى ما يفصله ويبينه للناس، كانت الحاجة للسنة النبوية في غاية الأهمية لتقوم بهذا الأمر.

تعريف السنة النبوية

السنة لغةً: تتعدد معانِ السنة، لتشمل: المنهج، الطريقة، أو السيرة، سواءً حسنة أو سيئة، ولكن عند إطلاق الحديث، فإنه يراد بها السيرة الحسنة. ويختلف تعريف السنة في اصطلاح الفقهاء، عن تعريفها في اصطلاح المحدثين، عن تعريفها عند الأصوليين، أو عن تعريفها عند علماء العقيدة. فالسنة في اصطلاح الفقهاء: ما كل فعل يثاب المرء على فعله، ولا يعاقب المرء على تركه، مثل: صلاة الضحى، فهي ليست من الفروض، إلا أنها سنة يُثاب المرء على أدائها. أما تعريفها عند علماء العقيدة: هي كل ما وافق الكتاب والحديث والإجماع،  وهذا مبني على اهتمامهم بالعبادات المسندة للأدلة الشرعية.

ما هي السنة النبوية

ويُقصد بها هنا تعريفها في اصطلاح المحدثين، وهي في هذه الحالة: كل قول، أو فعل، أو وصف، أو تقرير، أُسند إلى النبي –صلي الله عليه وسلم- فهي تشمل ما ثبت من أقواله، وصفاته الخُلقية، والخَلقية، وسيرته، وغزواته، وغيرها.

السنة النبوية ، مكوناتها، وخصائصها، ومقاصدها

عندما نتحدث عن باب عظيم كباب السنة النبوية الشريفة ، فإنه يجب علينا بالطبع معرفة خصائص، ومقاصد، ومكونات السنة، فمثلًا توجد العديد من الخصائص لـ السنة النبوية ، والتي من بينها: خاصية الشمول، وخاصية التوازن، وخاصية اليسر. فخاصية الشمول تعني أنها شاملة، بحيث تشمل جميع حياة الإنسان منذ البداية حتى النهاية، تشمل جميع المجالات. أما خاصية التوازن فتعني أن السنة تتسم بالوسطية، بحيث لا إفراط، ولا تفريط فيما جاء عن النبي –صلي الله عليه وسلم-، فجاءت لتناسب جميع القدرات، وهذا ما اهتم به الرسول من حديثه عن عدم الغلو، وأمره أصحابه بالوسطية في الأمور. بينما خاصية اليسر لا تختلف كثير عن التوازن الذي يصب في هذه النقطة، فكما أمر النبي –صلي الله عليه وسلم- أمته بالتوازن والوسطية، وعدم الغلو والإسراف في الأمور، فكان يقتضي أن تتسم أوامره بالسهولة واليسر حتى تتناسب مع التوازن المطلوب، فالإسلام دين يسر لا عسر.

مقاصد السنة النبوية

ويُقصد بالمقاصد المهام، أو بمعنى آخر مهام الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وتتلخص هذه المهام أو المقاصد في: تبليغ الوحي وهو القرآن الكريم، وبيان هذا الوحي، وتفصيله، وتوضيحه، التطبيق العملي لما جاء في القرآن الكريم، على يد الرسول –صلى الله عليه وسلم- حتى نحتذي بها من بعده، وأيضًا تهدف السنة النبوية إلى التربية، والتعليم، والإصلاح، الذي يستند على فهم الدين فهمًا صحيحًا، واعيًا.

أنواع السنة النبوية

يقصد بالأنواع، المكونات التي تشتمل عليها السنة النبوية ، وهناك عدة أنواع للسنة النبوية، أولها: السنة القولية، هي حديث الرسول –صلى الله عليه وسلم- الغير مقترن بفعل، والذي ذُكر في المناسبات، أو لمواقف متعددة. وثانيها: السنة الفعلية: وهي ما صدر عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- من فعل، سواء اقترن هذا الفعل بقولٍ أو لا، ويكون على وجه التشريع، وتبليغ، والبيان لما جاء في القرآن الكريم. أما النوع الثالث فهو: السنة التقريرية، وهو ما أقره الرسول –صلى الله عليه وسلم- من فعلٍ لأصحابه، سواء كان هذا الإقرار عن طريق الاستحسان، أو السكوت، وعدم الإنكار.

السنة النبوية ، حجيتها، وتدوينها

توجد العديد من الأدلة والتي تثبت حجية السنة النبوية ، وهذه الأدلة منها ما يوجد في القرآن، ومن السنة، ومنها ما يوجد في الإجماع. فتوجد العديد من الآيات القرآنية التي تُحث على طاعة رسول الله، واتباع أوامره، وأن طاعة رسول الله من طاعة الله تعالى، ومن لوازم الإيمان، كما توجد العديد من الآيات التي تُحذر مخالفة رسولنا الكريم، وأن تلك المخالفة علامة من علامات النفاق، وأن سنة الرسول وأوامره هي مرد كل خلاف يطرأ بين الناس، وغيرها من الأدلة القرآنية. وأيضًا تعد السنة النبوية في ذاتها حجة، إذ أمرنا الرسول –صلى الله عليه وسلم- باتباع سنته في كثير من الأحاديث، كما أن اتباع الصحابة والتابعين للسنة دليل على حجيتها. ومن الأدلة أيضًا على حجية السنة النبوية ، أنه لا يمكن الاكتفاء بفهم الشريعة، وأحكامها، واستبيان تفاصيلها من القرآن الكريم وحده، بل إن السنة النبوية هي مكملة للقرآن الكريم، تستوضح ما خفي من الأمور. وغيرها من الأدلة الكثيرة جدًا على حجية السنة.

تدوين السنة النبوية

لم تكن السنة النبوية محفوظة خلافًا للقرآن الكريم، الذي كان بعيدًا عن التحريف، فكانت السنة معرضة لهذا الأمر، وقابلة للتغيير، والدس، ولهذا كان من الضروري أن توضع قوانين، وضوابط للحديث، على أساس علمي منهجي، وبهذا فإن تدوين السنة النبوية قد مر بعدة مراحل، تبدأ من عهد رسول الله –صلي الله عليه وسلم-، مرورًا بعصور الخلفاء الراشدين، والخلافة الأموية.

تدوين السنة النبوية في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم

كانت أولوية تدوين القرآن الكريم تحتل المرتبة الأولى، فكان الرسول يهتم به كثيرًا، فكان يأمر أصحابه بحفظ القرآن الكريم، وحذف ما سواه مما دونوه عنه، حتى لا يحدث تداخل أو التباس بين آيات الله، وغيرها، كما أن هذا الأمر سيكون شاقًا على صحابة رسول الله، ويحتاج إلى تفرغ، وإلى كتبة، وكان عدد الصحابة ممن يعرفون القراءة والكتابة قليل، فمن لم يكن منهم أميًا أوكلت إليه مهمة حفظ القرآن الكريم وليس السنة. ولكن الصحابة استطاعوا أن يحفظوا كلام رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وأفعاله، وتصرفاته، دون الحاجة إلى تدوينها، وبهذا فإنه في عهد رسول الله لم يكن هناك تدوينًا لـ السنة النبوية ، إلا قلة قليلة سمح لهم الرسول بهذا لأنه كان يأمن عليهم من الالتباس، وكان هذا الأمر لما كثر الوحي، وتتابعت الآيات، وعُلم الفرق بين قول الله، وقول رسوله، فاستطاعت العقول أن تميز بين هذا وذاك.

تدوين السنة النبوية في عهد الخلافة

كان تدوين القرآن الكريم في عهد الخلافة هو الذي يحتل الأولوية أيضًا، فلم يكن هناك تدوينًا للسنة، بل محاولة لحفظ كتاب الله، وتعويضًا لما حدث لحفظته. ولكن مع اتساع الفتوحات، وضعف الحفظ، دعت الحاجة إلى تدوين السنة النبوية .

تدوين السنة النبوية في الخلافة الأموية

مع اتساع الدولة الإسلامية، صارت الحاجة ماسة إلى جمع ما أخذ عن رسول الله، خاصةً عندما ضعف الحفظ بسبب الاختلاط بالأعاجم، فكان الكثير من التابعين ممن يقومون بتدوين الحديث، ولم ينكر ذلك عليهم أحد، وزادت الحاجة إلى هذا التدوين عندما انتشر الوضع والكذب على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلا أن هذا التدوين لم يكن رسميًا قبل أن يقره الخليفة عمر بن عبد العزيز بعد أن ألح عليه الناس بأن يكون التدوين رسميًا تحت إشراف الدولة، فوافق وأوكل مهمة هذا التدوين إلى علماء المسلمين، وكان التدوين يتم في أضيق الحدود. وكان التدوين الرسمي الثاني في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، في الدولة العباسية، حيث طلب الخليفة من الإمام مالك أن يكتب كتابًا يجمع فيه سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وسماه الموطأ، وقد كان تدوين الحديث في هذا الكتاب تبعًا للموضوعات، مزودًا بأقوال الصحابة، واجتهاداته الفقهية في المسائل المختلفة. بينما كان التدوين الرسمي الثالث للسنة، في القرن الثالث الهجري، وقد اختلف التدوين هنا عن أي تدوين آخر، أنه كان يعني بالحديث بتصنيفه على أساس السند، والجوامع، والسنن، واهتمام خاص بالرواة، والرويات، فكانت العناية بالحديث في هذا العصر مختلفة عن سابقيه من العصور الأخرى.

علم الحديث

هو فرع من فروع العلوم الشرعية، وهو من العلوم التي اختصت بها الأم الإسلامية، وهو بحر واسع؛ حيث يشتمل على فروع أخرى من العلوم، مثل: علم مصطلح الحديث، أو علم أصول الحديث، وأيضًا هناك علم الطبقات. وتشتمل دراسة الحديث على دراسة الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث، وشرحه، ومعرفة الناسخ والمنسوخ. والحديث هو ما تم نقله عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من أقوال، أو أفعال، أو تقرير، أو صفات، بينما علم الحديث هو تعني حفظه، وتدوينه، وضبط، ومعرفة السند، ودراسة متن الحديث، وغيرها. وكان الهدف من علم الحديث: حفظ السنة النبوية من الضياع، والتمييز بين الأحاديث الصحيحة، وغيرها من الأحاديث مثل الضعيفة، والموضوعة، وأيضًا تسهيل تفسير الأحاديث وفهمها لاستنباط الأحكام، وتكوين الفكر الناقد، والعقلية الواعية.

أنواع الحديث

هناك العديد من الأنواع من الأحاديث في السنة النبوية ، فيوجد الحديث القدسي، والحديث المرفوع، والحديث الموقوف، والحديث المقطوع، والحديث المنقطع، والحديث الصحيح، والحديث الضعيف، والحديث الموصول، والحديث المرسل. فالحديث القدسي: هو حديث الله تعالى المنسوب إليه على لسان رسوله الكريم، والفارق بينه وبين القرآن، أن القرآن جاء بألفاظ الله تعالى كما هي، بينما الحديث القدسي هو بألفاظ رسول الله – صلى الله عليه وسلم-. الحديث المرفوع: هو ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير، وهو نوعان: تصريحي، وحكمي. ويشمل المتصل، والمنقطع، والمرسل، والضعيف. والحديث الموقوف: هو الحديث المسند إلى صحابي ما، ولكنه توقف عنده، حيث لم يثبت حكمه ليقويه، ويرفعه للنبي. والحديث المقطوع: هو الحديث الذي ورد عن التابعي. الحديث المنقطع: ما سقط من الرواة للحديث واحد قبل الصحابي، أو بعده، بحيث لا يزيد عن راوٍ واحد مفقود. والحديث الصحيح: هو ما كان متصل السند بمصدر موثوق، صحيحًا، وكان خاليًا من أي مانع. الحديث الضعيف: وسمي بهذا الاسم لتعدد طرق روايته مثلًا، أو كون أحد الرواة كاذبًا، وهكذا. والحديث الحسن: هو الحديث الذي عُرف رجاله، ومخرجه. والحديث الموصول: أو المتصل، وهو ما اتصل سنده رفعًا، ووقفًا.

السنة النبوية والإعجاز العلمي

توجد العديد من الأدلة التي توضح إعجاز السنة النبوية ، وحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. ومن هذه الأدلة الإعجازية، ما قاله رسولنا عندما تسقط ذبابة في الإناء، فإنه يجب قبل أن تنزعها، أن تغمسها في الإناء، ومن العظيم اكتشاف الطب ما يؤيد حديث رسول الله، عن كون جناح الذبابة يحتوي بالفعل على مضادات حيوية، ولا تقوم هذه المضادات بعملها إلا بعد أن يتم غمسها في الإناء. ومن الأدلة أيضًا: ما ثبت عن فوائد السواك، والذي اكتشف الطب احتوائه على مضادات ضد البكتيريا التي تتسبب في حدوث التسوس. وهو ما أوصى الرسول –صلى الله عليه وسلم- باستعماله. وأيضًا ما ورد في السنة عن أهمية الختان، أو ما ورد في التحذير من الشراهة في تناول الطعام، وما ثبت عن السمنة من أضرار فيما بعد، وما ورد عن أهمية العزل عند وجود مرضٍ ما، وهو ما وضع أسسًا للحجر الصحي فيما بعد،  أو طابق أسس الحجر الصحي التي وضعت فيما بعد، وغيرها من الأمور التي تثبت الإعجاز العلمي  لـ السنة النبوية ، وحديث رسول الله.

السنة النبوية رؤية تربوية

كما ذكرنا فإن السنة النبوية قد جاءت لتكون عونًا للقرآن الكريم، لإيضاح ما خفي، ولشرح الأحكام والقصص، وغيرها، وكما نعلم فإن القرآن هو دستور الله على الأرض، هو غذاء الروح، ومصدر لجميع التشريعات والقوانين، والأحكام، وهو موطن استنباط وفهم الحياة بطريقة صائبة، ولما كانت السنة النبوية عونًا لكتاب الله، كانت تحتوي أيضًا دستورًا تربويًا رائعًا، ومثالًا لا يسعنا سوى الاحتذاء به، فما يصدر عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، لا يسعنا سوى قول أنه مثالي، وأنه لا يوجد منهجًا تربويًا حكيمًا يلائم كل عصر من العصور، ويناسب جميع الحالات، كما نجد في هدي رسولنا الكريم، فقد استطاعت السنة أن تكون عونًا، ودستورًا تربويًا حكيمًا يعين الإنسان في حياته. وعندما نتحدث عن التربية السليمة، فإننا نتحدث عن حجر أساس من أحجار بناء المجتمع المسلم الصحيح. فإذا صلح هذا الحجر استطعنا أن نبني فوقه ونشيد حضارةً، وإذا فسد انهار البناء قبل أن يُشيد، و السنة النبوية العظيمة هي رؤية تربوية رشيدة تعيننا على بناء فردٍ مسلم، قادر على بناء حضارة إسلامية.

السنة النبوية أعظم تراث عن أعظم بشر، دستورٌ قويم، وبيان مُعجز، لم يقتصر على كونه أفعال، أو صفات، بل استطاع أن يكون منهاجًا تربويًا، نكتشف إعجازه يومًا بعد يوم.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ستة − 3 =