الخوف على الأبناء

الخوف على الأبناء غريزة فطرية، لا ترتبط بالبشر وحسب، بل تجدها في خوف الحيوانات على صغارهم، وهي غريزة فطرية لحماية الأبناء والعناية بهم، ولكن الهدف منها هو حماية الأبناء في صغرهم، خاصة في المرحلة التي لا يمكنهم فيها العناية بأنفسهم، ولا يعقل أن يمتد الخوف على الأبناء إلى باقي حياتهم، فيتحول في تلك الحالة إلى قيودا حول أعناقهم، ويتحول الخوف على الابناء من سلوك طيب بهدف الحماية والمساعدة إلى نوع من التسلط وفرض السيطرة، فيكون الأهل بعد ذلك عقبة في حياة الأبناء، ويؤدي الخوف على الابناء إلى هدم الثقة بالنفس لديهم، وبمرور الوقت تجدهم يلجؤون إلى السرية وتكتم الأمور، فتفسد العلاقة بالتبعية، هذا فضلا عما يصنعه الخوف من تأثيرات سلبية في حياتهم، إذ ينتج أشخاصا خائفين جبناء، ولا ينقذهم الخوف من أي مخاطر في النهاية، وأنواع الخوف على الابناء كثيرة، سنتحدث عنها في هذا المقال، وسنناقش أسباب الخوف وأضراره، وسنشرح كيف يمكننا تجاوز الخوف على الابناء حتى لا يصبح وسواسا.

أسباب الخوف على الأبناء

الخوف على الأبناء أسباب الخوف على الأبناء

أسباب الخوف على الأبناء كثيرة ومتنوعة، منها ما هو غريزي ويصعب التحكم فيه، وهو الذي ينشأ بمجرد ولادة الأبناء، فنراهم صغارا يحتاجون إلينا في كل شيء، ونشعر بحجم مسئوليتنا تجاه رعايتهم وحمايتهم، نخاف عليهم من كل شيء، فقد نخاف عليهم من درجة حرارة الغرفة، وقد نخاف وقوعهم من الفراش ليلا، فتلك غريزة فطرية لدينا، ولكنها تمتد في بعض الأحيان بحكم العادة، إذ يكبرون ويظل الخوف على الابناء باقيا في قلوبنا كما هو، ويحدث الخوف على الابناء لأسباب أخرى بخلاف الغريزة، فيرجع السبب إلى طبيعتنا الشخصية الحذرة، ومن الناس من يغلب عليهم التشاؤم بشكل عام، فيميلون إلى افتراض الأسوأ عند التفكير في كل أمر، ويطلقون العنان إلى خيالهم في تلك الأوقات، فيصبح كل شيء مخيفا بالنسبة لهم، ولا حدود لهم في الخوف على الابناء ونتائجه، وأحيانا ما يكون الخوف على الابناء بسبب طبيعة العصر وشيوع بعض الجرائم، وأخيرا قد يأتي بسبب الأبناء وتهورهم وربما ضعف خاص لديهم.

وسواس الخوف على الأبناء

يتجاوز الخوف على الأبناء حدوده الطبيعية في بعض الأحيان، ويتحول إلى شكل من أشكال الهوس، فلا يرتبط هنا بأي أسباب منطقية، فلا يقف عند الخوف من الأمراض الشائعة أو الأماكن غير الآمنة وأخبار الجرائم، بل يمتد ليشمل كل شيء حرفيا، ويصل حينها الخوف على الابناء إلى الرغبة في عدم مغادرتهم المنزل نهائيا، ولا يؤدي الخوف هنا إلى الإجراءات الوقائية المشروعة أو احتياطات الأمان، بل يتحول إلى الحرمان من الحياة، فيتحول الخوف من دافع إلى ممارسة الحياة بدرجات أمان أكبر إلى التوقف عن الحياة تماما، فمجرد عبور الطريق يصبح سببا في الخوف على الابناء من الحوادث، وتلك مأساة كبرى، ولهذا الوسواس الكثير من الأضرار، سنتحدث عنها بمزيد من التفصيل في فقرة مستقلة، ولكن يهمنا هنا الحديث عن تحول الخوف على الابناء إلى الحالة المرضية، إذ يمكننا التخلص من الخوف على الابناء في مراحله العادية، ولكن يقتضي الأمر التدخل الطبي عندما يصل إلى مرحلة الوسواس، ويصبح حالة مرضية.

أضرار الخوف الزائد على الأبناء

الخوف على الأبناء أضرار الخوف الزائد على الأبناء

تحدثنا عن تطور الخوف على الأبناء إلى مرحلة الوسواس، ولكن قبل الوصول إلى تلك المرحلة المرضية شديدة التعقيد يظل هناك أضرار كبرى وخسائر فادحة بسببه، فكل الخوف على الأبناء الذي يحد من مساحتهم ويقيد حركتهم هو ضرر، فلابد للأبناء من ممارسة حياتهم الطبيعية، وليحدث هذا لابد من الخروج إلى العالم، وكثير من الأهالي يورطون أنفسهم في عملية الالتصاق بالأبناء، فيحاولون مشاركتهم كل الأنشطة خوفا عليهم، حتى تجد الرغبة لدى بعض الأمهات في البقاء مع أبنائهم داخل الفصول المدرسية، فمن أضرار الخوف على الابناء تقليل مساحة الحركة، فلا يستطيعون الخروج ولقاء الأصدقاء بسهولة، وهو ما يعود بالسلب على حياتهم الاجتماعية وحالتهم النفسية بالتبعية، كما يؤدي الخوف على الابناء إلى إضعاف ثقتهم بأنفسهم، فنصنع منهم جبناء عاجزين، فهم يحتاجون الدعم والتشجيع لمواجهة الخوف الطبيعي في دواخلهم، والتشجيع هو ما يدفعهم للاستمرار وتكرار المحاولات، ويحرمهم الخوف من تلك الشجاعة والجرأة، فلا يختبرون قدراتهم ولا يمكنهم تطويرها.

الخـوف على الأبناء من المرض

يعد الخوف على الأبناء من المرض أحد أكثر صور الخوف شيوعا، ومن الطبيعي ألا نحب رؤية آلام المرض في وجوه أبنائنا، فالمرض مؤلم بالنسبة لنا، وتصور شعور الأبناء به أكثر إيلاما، ولكن يجب أن نتوقف لنسأل عن حقيقة هذا الخوف، وعن نتائجه أيضا، هل يمكننا تحصين أبنائنا من المرض؟ وإن أمكننا ذلك فهل تصلح تلك التحصينات لكافة أنواع الأمراض؟ بالطبع لا ندعو الناس للاستهتار بالمرض، فيجب توخي الحذر منه على الدوام، ومن المعروف للجميع أن الوقاية خير من العلاج، ولكن أحيانا ما يتخذ الخوف على الابناء من المرض طابعا هستيريا، فيصبح الخوف من البرد سببا في عدم الخروج من المنزل نهائيا وإغلاق النوافذ تماما، كما تشيع المعلومات الخاطئة والمغلوطة في هذا السياق، وبعض الأهالي يلجؤون إلى الدجل والشعوذة بدافع الخوف على الأبناء، كما قد نتسبب لهم في الأمراض من خلال وصفات الأعشاب غير الموثوق بها، والحقيقة أنه يصعب تحصين الأبناء تماما من المرض، فهي أقدار.

الخوف على الأبناء من الموت

تحدثنا عن الخوف على الأبناء من المرض، ولعلك تظن عزيزي القارئ أن هذا الخوف يتشابه مع الخوف عليهم من الموت، ولكني سأفاجئك بوجود عدة فروق، ذلك أن الخوف على الابناء من المرض لا يرى الموت في نهايته، بل هو الخوف على الابناء من مجرد التعب والإرهاق والألم، فمن المعروف أن الإنفلونزا لن تقتل الأبناء، ولكن تجد الأهل يخافون على أبنائهم منها، ويكون الأمر منطقيا بعض الشيء، فقد يخشون العدوى أو البكتيريا أو الطعام العادات الصحية الخاطئة وغيرها من مسببات المرض، لكن عندما يكون الخوف على الابناء من الموت تتغير المعادلة كليا، فلا مجال هنا للتفكير المنطقي، فالساحة مفتوحة للخيالات السيئة والأساطير والهواجس، فبعض الآباء يتوقعون موت أبنائهم بسبب حلم سيء حلموا به، وربما لنبوءة عرافة كاذبة، ويظل هذا الخوف في قلوبهم مدى الحياة، ويصعب إقناعهم باتخاذ تدابير أمنية تجاه ذلك، فمن المعروف إمكانية الموت في أي لحظة، وهم يتجاهلون حقيقة أن الموت ليس بيد أحد.

الخوف على الأبناء من المستقبل

الخوف على الأبناء من المستقبل نوع شائع من الخوف أيضا، وتزيد نسبته كلما كانت أحوال البلاد سيئة، كما تضاعف نسبته لدى أصحاب التجارب الحياتية الصعبة، أقصد هنا من شهدت حياتهم تقلبات حادة عدة مرات، فهم قد اختبروا ذلك الألم بأنفسهم، ربما قضوا أياما في فقر وعوز، وهي تجارب صعبة تؤدي إلى الخوف على الابناء من المستقبل، وتجعل لدينا الرغبة في تأمين مستقبلهم بشتى الطرق، فندخر الأموال لهم تحسبا لأوقات الشدائد، ونشتري العقارات لنضمن لهم مساكن آمنة فيما بعد، ونستثمر في تعليمهم كي يكتسبوا بعض المهارات المطلوبة في سوق العمل، والتي ستدر عليهم دخلا فيما بعد، وهذا الخوف منطقي في النهاية، ولكنه يجب أن يكون دافعا لنا لحسن تربيتهم، فنعلمهم فضيلة الاعتماد على النفس، ونساعدهم على اكتساب التعلم واكتساب المهارات وتحمل المسئولية، فيجب أن يحركنا هذا الخوف إلى الأمام، أما أن يجذب أعناقنا إلى الأرض فتلك مصيبة، وحين يتركنا في هم وحزن فالمصيبة أعظم وأضل سبيلا.

كيف نتخلص من الخوف على الابناء ؟

الخوف على الأبناء كيف نتخلص من الخوف على الأبناء ؟

بوصولك إلى هذه الفقرة تكون مررت بأهم صور الخوف على الابناء وأسبابها، ويصبح لديك معرفة قوية بأضرار الخوف على الأبناء وسلبياته، وهنا نصبح في حاجة ماسة للتخلص من هذا الخوف، فلا داعي لحرمان أبنائنا من الحياة الصحية السليمة تحت مسمى الخوف، كما لا يعقل أن نكون سببا في زيادة الخوف لديهم وإضعاف ثقتهم بأنفسهم، فالجبناء هم أبناء أهل مذعورين، والجبن يعيدنا إلى دائرة الخوف على الابناء مرة أخرى، فيصعب الاطمئنان على ابنك الذي يفتقر إلى الشجاعة، فحتما لن يجيد التصرف، والخوف لا ينقذ الخائفين منذ القدم، بل يعوقهم عن التصرف بحكمة، ولن تجد من يحميه الخوف من أي ضرر، لذا يجب التخلص من الخوف على الابناء قبل أن يصبح وسواسا، والتخلص من الخوف عملية سهلة للغاية، تقوم على الاقتناع العقلي بعدة أمور، أهمها الاقتناع بعدم قدرتنا على حماية الأبناء إلى الأبد، وثانيها الإيمان بحدود قدراتنا، فليس لنا سلطة على المرض والموت والمستقبل، ليس بأيدينا.

سيظل الخوف على الابناء باقيا طوال حياتنا، ولن ينتهي بكبر الأبناء، وهو خوف غريزي ينبع من داخلنا فور ولادتهم، وعادة ما يكون الدافع لحماية الأبناء ورعايتهم، ولكن غاية ما نرجوه في هذا المقال هو تحويل الخوف على الابناء إلى النفع، وذلك بالحفاظ عليه في المعدلات الطبيعية التي لا تحرمهم الحياة، فلا يتحول حينها الخوف على الابناء إلى وسواس قهري، فيصبح دافعا لحمايتهم وتعليمهم وتطوير مهاراتهم وتشجيعهم للاعتماد على ذواتهم، ولا يعود عليهم بالتضييق والتقييد والحرمان، وصور الخوف على الابناء كثيرة ومتنوعة، فمنها ما يتعلق بالخوف من المرض ومنها ما ينشغل بالموت ومنها ما يهتم بالمستقبل، وفي جميع الحالات تشترك صور الخوف على الابناء في عدم حاجتها للمنطق، لذا يجب استثمار الخوف على الابناء نحو الإيجابية، فيدفعنا إلى تعليمهم كل ما يمكنه حمايتهم ومساعدتهم على العيش بصورة أفضل، كما يمكننا التخلص من الخوف بملاحظة أضراره وخسائره، وأخيرا بالتفكير المنطقي ومعرفة حدود قدراتنا على تأمينهم يتقلص الخوف على الابناء إلى المعدلات الطبيعية.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

2 × ثلاثة =