أركان الوضوء

هل سألت نفسك عندما تتوضأ إن كنت تُحسن أركان الوضوء لديك؟ أو أن الله يقبل وضوءك أصلًا؟. نحن نتوضأ، ويحسب كثيرٌ منا أنه قد أحسن وضوءه، إلا أنه للأسف لا يفعل، هناك بعض الأخطاء التي قد نفعلها جهلًا منا، أو دون تعمد حتى أصبحت عادةً في وضوئنا، أو في غيرها من العبادات، فالأمر لا تسلم منه عبادة واحدة، لذا ففي هذا المقال سنتطرق إلى أركان الوضوء وسننه، حتى نتأكد جيدًا من صحة وضوئنا، عسى الله أن يتقبلنا، وينفع بنا.

ما معنى الوضوء؟

ولأن لغتنا العربية هي لغة القرآن الكريم؛ فإن المصطلحات الإسلامية التي سميت بها الفرائض كان لها دائمًا أساسًا لغويًا يمس واقع الفريضة أو شيئًا منها. فمثلًا نجد أن مصطلح الوضوء مأخوذ من الوضاءة، أو الضياء، أي البهجة، والحسن، والنظافة، وهو الأمر الذي يُكسبه الوضوء للإنسان المتوضئ، أما الوضوء في معناه الشرعي، فهو شرط الوجوب لصحة أداء الصلاة التي هي فرض من فرائض الإسلام، وواحدة من أركانه الخمسة، التي هي عبارة عن: الشهادة، وأداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. والوضوء في صفته: هو غسل أعضاء معينة، بكيفية مخصوصة، بنية رفع الحدث لأداء الصلاة، وتلك الأعضاء منها ما يُغسل بالماء، ومنها ما يكتفي بالمسح عليه بالماء، ومنها ما يجب مرور الماء عليه سواءً بالغسل، أو المسح، ومنها ما يندب لكون سنة من سنن الوضوء، وهو ما سنتحدث عنه أكثر أثناء حديثنا عن أركان الوضوء ، وقد يُجزئ التيمم عن الوضوء في حالة عدم القدرة على استعمال الماء. وفيه كلمة الوضوء آراء عدة، فيقال أنها بالضم قد تكون الفعل، وقد تكون المصدر، ويقال أنها بالفتح تعني الماء الذي يستخدم للوضوء، أما الميضأة: فهو المكان أو الموضع الذي يكون الوضوء فيه.

متى شُرع الوضوء؟

من المعروف أن الصلاة قد فُرضت في مكة، ولكن اختلف الوقت الذي شُرع فيه الوضوء، هل هو وقت مشروعية الصلاة، أي في مكة أيضًا؟، أو أنه في وقتٍ آخر، أو في مكانٍ آخر، فمنهم من قال أن الوضوء قد شُرع في مكة، أما بالنسبة للآية القرآنية في سورة المائدة، التي نزلت في المدينة تُثبت مشروعية الوضوء؛ فما هي إلا تثبيتًا للحكم، ومنهم من قال أن الوضوء قد شرع في المدينة، أما في مكة فقد كان مندوبًا فقط، ونزلت الآية في المدنية لتغير الحكم من الاستحباب إلى الفرضية.

حكم الوضوء

نعلم أن الوضوء واجب من أجل صحة الصلاة، إلا أن حكم الوضوء قد يختلف من عبادة لأخرى، فقد يأتي الوضوء واجبًا، وقد يأتي مندوبًا مستحبًا، أو قد يأتي مكروهًا، أو قد يأتي محرمًا. فيأتي الوضوء واجبًا في حالة الصلاة، عند إرادة رفع الحدث للقيام بأداء الصلاة، سواءً كانت فرضًا، أو نفلًا، أما الوضوء المندوب أو المستحب، فهو الوضوء الذي يقوم به المرء قبل القيام بالذكر مثلًا، أو قبل النوم، أو لتجديد الوضوء دون رفع الحدث، أي للبقاء على طهارة، أما بالنسبة للوضوء المكروه، هو الوضوء الذي يقوم به المرء بعد وضوئه الأخير مباشرة، أو في نفس الوقت، لأن هذا يعد إسرافًا، أو هدرًا للماء، مما لا يجوز، أو كأن يتوضأ للقيام بشيء لا يندب له الوضوء قبل القيام به، وعلته كما ذكرنا، فهو إسراف لا يجوز، وهذا الحكم مختلف عليه، بمعنى أن بعض الفقهاء ذكروه دون غيرهم. أما الوضوء المحرم، فهو الذي يكون فيه اعتداء على ممتلكات الغير، فمثلًا يتوضأ الرجل بماء غيره، خصوصًا إن لم يكن ماءً جاريًا، أي يتسبب في حدوث أزمة لهم، وهنا قد وجد اختلاف بين الفقهاء في ما إذا كان هذا الماء رافعًا للحدث أو لا، فتراوحت الآراء إلى ما بين رافعٍ للحدث وغير رافع، وفي كل الأحوال فإنه يأثم.

هل توضأ من قبلنا من الأمم؟

تلك من المسائل الخلافية التي وقع فيها الخلاف بين العلماء لكثرة الاجتهادات، فمنهم من قال أن الوضوء قد وُجد في من قبلنا، إلا أن أركانه قد اختلفت، فزاد علينا في أركان الوضوء “الغرة والتحجيل”، ومنهم من قال أن الوضوء صفة خاصة لأمة نبينا محمد –عليه أفضل الصلاة والسلام- “الأمة الإسلامية”، وغيرها من الآراء.

فضل الوضوء

بغض النظر عن أهمية الوضوء التي تشتمل على سببه في الأصل، وهو الصلاة، إلا أن الوضوء يكسب المرء الثواب، والأجر لقيامه بعبادة تترتب عليها عبادة من أفضل العبادات، وركن أساسي من أركان الإسلام، الأمر الذي يكون سببًا في دخول الجنة، كما أن الوضوء يساعد في تكفير ذنوب المسلم، فعند وضوء المرء وضوءًا صحيحًا فإن الله يغفر له من ذنبه، وغيرها من الأمور التي يتحلى بها المؤمن، فإن حلاوة أداء العبادات تكسب المرء حلاوة في القلب من حلاوة الإيمان، يتزين بها الوجه، وتكسبه هالةً ربانية، كأن تنظر في وجه أحدهم،  فيسكن قلبك له، فإن سمة القلب تعلو الوجه، فإما يكون حلوًا، أو ذميمًا بغيضًا –عافانا الله-، ولأن الوضوء يمهد المرء لعبادة من أعظم العبادات وهي الصلاة، وهي عبادة لا يمكن للمرء أن يقدم عليها إلا إن كان طاهرًا، فإن الوضوء يكسب المرء طهارة الجسم، والقلب إن استحضر الوضوء كعبادة بقلبه، واستشعر تساقط ذنوبه ما إن يغسل كل عضو ويطهره من ذنبه. وإن من أفضل ما يقوم به الوضوء أن يجدد نشاطك إن كنت تقوم بالكثير من الأعمال.

أركان الوضوء وسننه

كأي عبادة من عبادات الإسلام فإن لها أركان، وسنن، وكغيرها أيضًا من العبادات فإن أركان الوضوء قد اختلفت في كل مذهب من مذاهب الفقهاء، وقد تبعتها السنن في الاختلاف، فما قد يكون في ركنًا في مذهب أحدهم، قد يكون سنة أو مستحبًا في مذهب الآخر، كعادة الفقهاء. وفي السطور القادمة سنتحدث عن أركان الوضوء في مذاهب الفقهاء.

أركان الوضوء عند المذاهب الأربعة

إن المذاهب الأربعة هي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وفي كل مذهب فإن أركان الوضوء تختلف، إلا أن الأركان في مجملها هي: النية، غسل اليدين إلى المرفقين ثلاث مرات، مضمضة الفم مرة، استنشاق الأنف مرة، غسل الوجه ثلاث مرات، غسل اليدين إلى المرفقين ثلاث مرات في كل يد، ونبدأ باليد اليمنى، المسح على الرأس مرة واحدة، والمسح على الأذنين مرة واحدة، والمسح على الرقبة مرة واحدة، ثم غسل القدمين إلى الكعبين ثلاث مرة للقدم الواحدة، ونبدأ باليمنى.

أركان الوضوء عند الشافعية

إن عدد أركان الوضوء عند الشافعية هو ستة أركان، فهم: النية، غسل الوجه، اليدين، ومسح الرأس، غسل الرجلين، ويزيدون عليها الترتيب بين كل تلك الأركان، بمعنى أن أي خلل يوجد في الترتيب بين أركان الوضوء كما جاءت في مذهب الشافعية فيعد خللًا في صحة الوضوء، فلا يصح هنا، ويجب إعادته. وقد اعتبر الترتيب سنة مؤكدة في مذهب كل من الإمام مالك، والإمام أبو حنيفة. أما الإمام الحنبلي فقد وافق مذهبه المذهب الشافعي في اعتبار الترتيب ركنًا من أركان الوضوء .

أركان الوضوء عند المالكية

أما بالنسبة للمالكية فإن أركان الوضوء عندهم عبارة عن سبعة أركان، وتلك الأركان هي: النية، وغسل الوجه، واليدين، مسح الرأس، غسل الرجلين، التدليك، والموالاة، والموالاة تعنى أن يتبع العضو العضو، بحيث لا يجف الماء على عضو معين قبل أن يمر الماء على الآخر، وأيضًا فإنهم قد زادوا التدليك الذي هو تخليل أصابع اليدين والقدمين، فيما اعتبر جمهور الفقهاء التدليك سنة، أما بالنسبة للموالاة فإن الشافعية والحنفية يرونها سنة، فيما يراها المذهب الحنبلي ركنًا كذلك.

أركان الوضوء عند الأحناف

أما في المذهب الحنفي فإن أركان الوضوء عبارة عن أربعة أركان: غسل الوجه، اليدين، مسح الرأس، غسل الرجلين.

أركان الوضوء عند الحنابلة

وفي مذهب الحنابلة، فإن أركان الوضوء سبعة أركان: النية، غسل الوجه، اليدين، مسح الرأس، غسل الرجلين، الترتيب، الموالاة، فقد وافق مذهب الإمام الحنبلي في أركان الوضوء المذهب الشافعي في وجود الترتيب، والمذهب المالكي في ركن الموالاة.

سنن الوضوء

على الرغم من تفاوت أركان الوضوء في مذاهب الأئمة الأربعة بين ركنٍ أو سنة أو مستحب، بمعنى أن ما يكون ركنًا في مذهبٍ قد يكون سنة في آخر –كما ذكرنا-، إلا أن هناك سننًا للوضوء أخرى، مثل: التمسية في أول الوضوء، المضمضة، الاستنشاق والاستنثار، مسح الأذنين، ومسح كل الرأس، تخليل اللحية، وشعر الوجه، وتخليل الأصابع، والتثليث بمعنى غسل كل عضو ثلاث مرات، السواك، فإنه من المستحب للمتوضئ أن يستخدم السواك في الوضوء، التيامن، أي الابتداء بالعضو الأيمن، وغسل الكفين في أول الوضوء ثلاث مرات، المبالغة في الاستنشاق والمضمضة باستثناء الصائم بالطبع، فإن المبالغة في ذلك قد تؤدي إلى بلع الماء أو استنشاقه، الأمر الذي قد يعرضه للإفطار، وإن كان رغمًا عنه، وإطالة الغرة والتحجيل، بمعنى زيادة حجم العضو الذي يغسل بالماء عن الحد المفروض.

آداب الوضوء

البعض قد عدَّ هذه الأمور من سنن الوضوء، والبعض الآخر قد عدها من الآداب، والتي منها: مسح الرقبة، واستقبال القبلة وقت الوضوء، عدم التكلم لغوًا أو بأي حديث عادي حتى الانتهاء من الوضوء، فقط أن ينشغل المتوضئ بالذكر حينها، حتى يعنيه هذا الأمر أن يجمع بين استحضار نية القلب، وما يفعله اللسان من الذكر، وأيضًا من الآداب أن يسمي الله عند بداية غسل كل عضو، وإدخال الخنصر في الأذن، وتحريك الخاتم حتى يصل إليه الماء، فإن كان الخاتم ضيقًا بحيث لا يمكن الماء من الوصول إلى ما تحته؛ كان تحريكه واجبًا، وأيضًا الاستنشاق والمضمضة باليد اليمنى، والاستنثار باليد اليسرى، وأن يذكر المتوضئ الشهادتين بعد أن يفرغ من الوضوء، وأن يصلي ركعتين في وقت يُسمح فيه بصلاة التطوع، أي في غير أوقات الكراهة.

مبطلات الوضوء

مبطلات الوضوء هي الأمور التي إن حدثت للمرء أنقضت وضوءه أي بطل، ويجب عليه أن يعيده، بأن يتوضأ مرة أخرى، ومن مبطلات الوضوء: ما يخرج من أحد السبيلين، سواءً كان طاهرًا أو نجسًا، وأيضًا ما قد يسيل مثل الدم الكثير، أو القيح، أو الصديد، أو القيء، وهذا كان مذهب أحد الفقهاء، إلا أن جمهور الفقهاء لم يأخذوا بهذا الرأي، لضعف الحديث الذي استدل به أصحاب المذهب القائل بكونه من مبطلات الوضوء، وأيضًا من مبطلاته ذهاب العقل، أو غيابه، مثل: النوم، أو الجنون، أو السكر، أو الإغماء، وأيضًا لمس القبل أو الدبر بغير حائل، أو لمس المرأة في سلامٍ أو غيره، وغسل الميت، والردة عن الإسلام، وفي كل عنصر من تلك العناصر أدلتها من السنة، أو من القرآن الكريم، ولكن الاستفاضة في الحديث عنها ليست مجال حديثنا، فنحن نتحدث عن أركان الوضوء .

إن الوضوء ليس فقط شرطًا للقيام بالصلاة، بل هو عبادة تُجزى لقيامك بها، بل وتحط من سيئاتك أيضًا، فسبحان الذي جعلنا في كل فعلٍ نتقرب به إليه ثواب، وفي كل نيةٍ لله وإن لم نقم بما نوينا به ثواب. سبحان الله!

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

أربعة × 4 =