محادثة بناءة

إن إنشاء محادثة بناءة لهو الهدف من أي حوار، فالحوار شكل من أشكال التواصل بين البشر عن طريق الألفاظ والكلمات أو عن طريق الرموز والإيحاءات، وللحوار أشكال عديدة منها ما هو مباشر ويتم هذا الحوار في الغالب بين الأصدقاء، أو أفراد الأسرة، وأحيانا يتطور هذا الحوار ويأخذ طابع الجدية ويكون أثناء مؤتمر، أو مناقشة شخصية هامة، أو حتى حوار في مقابلة عمل، ويوجد أيضا الحوار غير المباشر ويتم في العادة بين فرد ومجموعة من الأفراد مثل: المعلم والتلاميذ، أو في وجود محاضر وحضور، وقد يتخذ هذا الحوار أشكال عديدة أخرى مثل: عمليات الدعاية، والإعلان، ومع بداية الربع قرن الأخير في عصرنا الحالي شهدنا جميع تطور التكنولوجيا التي قلبت حياتنا بشكل كامل، وجعلت معظم أعمالنا تتم عليها، وأصبحت وسيلة التواصل الأشهر هي الكلمة والحوارات الفردية والجماعية، ومن هنا أصبح من المهم أن نتعلم كيف نبني محادثة بناءة لأن فائدتها تزداد يوما بعد يوم.

تعريف المحادثة البناءة

محادثة بناءة تعريف المحادثة البناءة

 

هي شكل من أشكال المحادثة وتتم بهدف الوصول إلى رأي معين أو قرار مهم، وتتخذ أي محادثة بناءة عدة صفات وأشكال تخلو منها في العادة المحادثات الأخرى، وذلك حيث يشترط هنا أن تصل المحادثة إلى نتائج إيجابية، وأن يكون كل أطراف المحادثة على درجة من الحكمة تجعلهم يتشاورون بهدوء دون تحيز، وتتم هذه المحادثة غالبا في الشركات عند اتخاذ قرار مهم قد يغير مستقبل الشركة بأكملها، أو يتم بين مدرب وفريقه بهدف الوصول لخطة لعب معينة، وأحيانا يكون الأمر أكثر بساطة من هذا مثل وجود محادثة بناءة بين عدد من الأصدقاء حول معضلة معينة يمر بها المجتمع؛ وتبدأ هذه المحادثة بعرض كل طرف وجهة النظر الخاصة به، ثم يقدم كل طرف الحجج التي لديه ويتم مناقشتها بين أفراد المحادثة بكل شفافية، وتصل نهاية هذه المحادثة في العادة إلى تنازل أحد الأطراف عن وجهة نظره وتبني فكرة أخرى وجدها أكثر منطقية، وترتكز على مبررات أقوى من التي كانت تدعم فكرته أول المحادثة.

شروط المحادثة البناءة

تعد شروط قيام محادثة بناءة هي المحدد الأساسي لهذا النوع من المحادثات، فعند التخلي عن بعض هذه الشروط قد تجد المحادثة تذهب في اتجاه آخر أبعد ما يكون عن المحادثة البناءة، ويعد أول هذه الشروط هو وجود أرضية مشتركة بين الأطراف المتحاورة كالأفكار واللغة المستخدمة في الحوار، كما يجب أن يكون الطرفين جاهزين للقيام بمحادثة بناءة ويساعد هذا الاستعداد النفسي في التقليل من احتمالية التعصب الذي يذهب الحق بين يديه، كما يجب ألا نوجه الاتهامات إلى الآخرين، ولا نبدأ أي حوار مع وجود أحكام مسبقة على أطراف الحوار، بالإضافة إلى هذا يجب أن نتعلم كيف نتحكم في مشاعرنا وفي درجات التحول بين المشاعر المختلفة، حتى لا نتحول فجأة من حالة التأفف البسيط إلى حالة من الثورة والعصبية؛ خطوات بسيطة لكن عند اتباعها والتمرن عليها ستلاحظ فرق كبير في الحوارات التي ندخلها وزيادة الفائدة التي تعود علينا في النهاية، بالإضافة إلى أننا سنكسب قدر من الاحترام في أنفس الآخرين.

نصائح تجعل محادثتك البناءة أكثر إفادة

بالرغم من أن الهدف الأساسي من أي محادثة بناءة هو التطاحن الإيجابي بين الآراء المختلفة لفوز رأي صحيح في النهاية، إلا أن هذا لا يمنع أن تقوم بعمل محاكاة للمحادثة قبل خوضها، وذلك عن طريق تجميع آرائك المختلفة في ورقة كبير، ثم تكتب الحجج المختلفة التي تدعم هذه الآراء، وتحاول جاهدا أن تضع نفسك مكان خصمك في الحوار وتنظر نظرة نقدية لما تقتنع به، وتحاول هدم هذه الآراء بنفسك، وهنا ستصمد بعض الأفكار، وستثبت بعض الأفكار الأخرى أنها لا تستحق الدعم، وبين هذا وذاك ستجد بعض الأفكار التي تتشكك في أمرها ويصعب عليك تحديد موقف واحد محدد تجاهها، وهنا يمكنك تجميع هذه الأفكار والذهاب إلى الإنترنت، أو أي مصدر مختلف للمعلومات، والبحث عنها بشكل تفصيلي وبالتأكيد ستجد العديد من النقاط الجديدة حولها لم تخطر في رأسك من قبل، وبعد هذه العملية ستجد أن جميع أفكارك مدعومة بأدلة قوية.

تعد الأفكار القوية والقائمة على أساس صحيح خيرا من الأفكار التي تجمع لمجرد تجميل فكرة بعينها لمجرد التعاطف معها أو الخوف من أن تهدم معتقد بداخلنا، وتعتبر الفكرة التي سبق شرحها وهي عملية تدعيم الأفكار والآراء من الصفات الملازمة للمفكرين الكبار، والعلماء، والفلاسفة، وبالطبع كلنا نلاحظ الفرق الشاسع في شعورنا عندما نشاهد حوار بين مفكرين كبيرين كل منهما يحمل أفكار عكس ما يحمل خصمه، وبين الحوارات التي نشاهدها بين عامة الناس، ما أقصده هنا أن التطاحن العقلي القائم على المنطق ومحاولة الوصول للحق هو المفيد دائما مهما كانت النتيجة، ولذلك عند التمحيص والتدقيق في أفكارك قبل البدء في أي محادثة بناءة ستجعل الطرف الآخر يلاحظ مدى قوة فكرك وما تطرحه حتى ولو لم يقتنع بهذه الأطروحات؛ وعندما يتضح لك في الحوار ما لم تكن تراه حول أفكارك فيفضل أن تعترف بهذا وتتنازل عن أفكارك الخاطئة بسهولة، وهذا النوع من المحادثات سيشعر كل الأطراف بالفائدة وأن وقتهم لم يذهب سدى.

قواعد بناء محادثة بناءة ناجحة

محادثة بناءة قواعد بناء محادثة بناءة ناجحة

بجانب الشروط والنصائح التي ذكرناها في المقال توجد عدة قواعد تساهم في زيادة نجاح الحوار، ويعتبر عدم البحث عن الأخطاء وتصيدها من كلام أطراف الحوار أول هذه القواعد وذلك حيث يعتمد الحوار بشكل أساسي على هدف معين نريد الوصول له وليس مجرد وقت نقضيه في السخرية من الآخرين، بدلا من هذا يفضل الاهتمام ببعض الأمور الأخرى مثل الدراسة الجيدة للمغالطات المنطقية التي تساعدنا في رؤية بعض الأفكار المنطقية بشكل جديد يسهل منه ملاحظة الخطأ في هذه الأفكار، كما يمكن قراءة المزيد عن أفكرك وتدعيمها بالقصص المختلفة التي تحكيها لكي يتفاعل الناس مع أفكارك بشكل بصري ويقتنعوا بها، وأخيرا لا تحاول شخصنة الأمور مهما يحدث فهذا لا يقوي حجتك نهائيا، بل سيراك المنافس ضعيف الحجة، وتدافع عن أشياء لمجرد مصلحة شخصية، أو منفعة عاطفية، وإن كنت تقتنع بفكرة بلا أدلة ويصعب عليك تركها فلا يفضل الدخول بها في محادثة بناءة أتركها فقط حتى تجد حلا مناسبا.

وهكذا نكون قد وضحنا لك مختلف النقاط التي تساعدك في الدخول في أي محادثة بناءة بشكل صحيح، كما قمنا بشرح التعريف الاصطلاحي لها، ووضحنا النقاط التي تساهم في تقوية أطروحاتك في المحادثات، وأخيرا يعد الأمر الأهم في هذا الموضوع هو اختيار من تحاوره، ويحتاج هذا القرار إلى الكثير من الحكمة، فالحوار الذي قد يساهم في إثراء فكرك، يمكن أن يكون نفس الحوار الذي يمنع منك منفعة عقلية، وذلك حيث يسهل خداع عقلك من جاهل واثقا في جهله، وعند الرجوع بالزمن نجد أن قدماء البشر حاولوا جميعا التواصل معنا، وذلك عن طريق شرحهم تفاصيل حياتهم وطقوسهم على الجدران والحجارة، تختلف طرق التواصل، ويختلف الأشخاص المتواصلين، ويظل التواصل في النهاية من أعظم الأشياء التي توصلت إليها الكائنات الحية، وكما قلت في بداية المقال نحن لا نحتاج إلا إلى التدرب على كيفية التواصل والتحدث مع الآخرين، حتى لو كانت الطريقة المستخدمة مقال مثل الذي أتحدث معك من خلاله الآن.

الكاتب: أحمد أمين

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

عشرين − عشرة =