ضعف القدرات العقلية

تعتبر مشكلة ضعف القدرات العقلية عند الأطفال من المشاكل المنتشرة نوعا ما. ومن أجل ذلك، فإنه من المهم متابعة الوالدين لطفلهما منذ ولادته؛ حتى إذا كانت هناك مشكلة ما تمكنوا من اكتشافها في وقت باكر وشرعوا في علاجها. ولا يمكن بالطبع اكتشاف أي مشكلة تعترض طريق نمو الطفل الذهني أو الحركي إلا إذا كان المسؤول عن رعايته واع بشكل كاف بكل هذه الأمور. ولمعرفة ما إذا كان الطفل يعاني من مشكلة ضعف القدرات العقلية، لابد من معرفة العلامات التي تدل على ذلك والأسباب التي تؤدي إليه. وفي حال كان الطفل يعاني من مشكلة ما، فإنه بالطبع يحتاج لرعاية خاصة. وفي هذا المقال نورد كل هذا؛ فتابعوا القراءة.

ضعف القدرات العقلية عند الأطفال

نشير بمصطلح ضعف القدرات العقلية إلى وجود خلل ما في وظائف دماغ الطفل؛ والذي يؤدي إلى وجود إعاقة ذهنية تمنعه من التعامل الطبيعي مع العالم المحيط به والتفاعل مع مجتمعه الخارجي. والحقيقة أن هذه المشكلة تحدث لنسبة غير ضئيلة من الأطفال؛ وذلك بسبب قلة الوعي الذي قد يتسبب في تعاطي الأم لبعض الأدوية الممنوعة خلال الحمل أو التعامل بشكل لا يناسب سير الحمل. والحقيقة أن الطفل الذي يعاني من هذه المشكلة لا ينقص أقرانه كثيرا؛ فقد ثبت أن جميع الأطفال، بما فيهم الأطفال ذوي الإعاقات وضعف القدرات العقلية والتأخر العقلي، لديهم مواهب عدة ونقاط معينة يتميزون بها. والواجب على المحيطين بالطفل اكتشاف الجانب الذي يتميز به الطفل وتنميته منذ صغره حتى يتمكن من تجاوز المشكلة والتكيف مع العالم المحيط ومواكبة التغيرات التي تحدث حوله.

علامات ضعف القدرات العقلية عند الأطفال

هناك الكثير من العلامات التي تشير إلى ضعف القدرات العقلية عند الأطفال في سن مبكرة. ومن أهم هذه العلامات قلة معدل الذكاء؛ والذي يظهر من خلال تعامله مع العالم الخارجي وضعف استجابته لما يحدث حوله. كذلك يكون العمر العقلي للطفل الذي يعاني من ضعف القدرات العقلية أقل من عمره الحقيقي؛ وبالتالي فإن مستواه الدراسي يقل عن أقرانه في المدرسة. ومن العلامات التي تشير إلى وجود ضعف في القدرات العقلية عند الطفل في سن مبكر عدم قدرته على التذكر والتفريق بين الأشياء والأشخاص الذين يتعامل معهم والتكيف مع المواقف التي يتعرض لها على مدار اليوم. ولذا فإنه عادة ما يكون هذا الطفل غير قادر على إدراك أن هذا الشكل يختلف عن غيره وهذا الطعم يختلف عن غيره وهذه الرائحة تختلف عن غيرها. وهذا كله يعني أن وجود المؤثرات الحسية حوله لم يؤثر في تعلمه. وأكثر العلامات التي تشير إلى وجود هذه المشكلة هو ضعف الحصيلة اللغوية وقلة عدد المفردات التي ينطقها الطفل عن تلك التي يستطيع أقرانه النطق بها بشكل واضح ملحوظ. وعادة ما يظهر ذلك من خلال التأخر في الكلام أو التأتأة وعدم القدرة على النطق الجيد واستخدام اللغة الطفولية لما بعد السن الذي يفترض أن يبدأ فيه التكلم بلغة الكبار.

ومن علامات ضعف القدرات العقلية التي تظهر في سن مبكر ثم تستمر مع الطفل وتؤثر على مستواه الدراسي هو التشتت وعدم القدرة على التركيز. وهذه السمة تمنعه من وضع تركيزه وتفكيره في نقطة معينة؛ فتجده طوال الوقت ينظر هنا وهناك ولا يركز على أي شيء. ويزداد التأثير السيئ لهذه المشكلة عند بدء الالتحاق بالمدرسة؛ وذلك لأن هذا الطفل لا يجد الصبر على الجلوس لفترات لاستذكار دروسه وعمل واجباته المدرسية. ويعد انخفاض معدل الخيال والتفكير من ضمن أهم العلامات التي تدل على وجود ضعف في قدرات الطفل العقلية؛ فمن الطبيعي أن نجد الطفل واسع الخيال؛ حتى أنه قد يتخيل ما لا يمكن أن يخطر ببالنا؛ يساعده في ذلك بعض المؤثرات الخارجية؛ مثل الأفلام الكرتونية التي تصور صورا خيالية أو غير موجودة في بيئة الطفل القريبة. وإلى جانب المشاكل النفسية والسلوكية، يعاني الطفل ضعيف القدرات العقلية من تعب جسدي دائم وضعف عام وإجهاد في أنحاء جسمه شتى.

أسباب ضعف القدرات العقلية عند الأطفال

تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى ضعف القدرات العقلية عند الأطفال؛ والتي منها وجود تلف في الخلايا الدماغية أو نقصها؛ والذي يؤدي أي منهما إلى بطء في وظائف الدماغ والاستجابة للمؤثرات الخارجية. والحقيقة أن هذا الخلل في خلايا دماغ الطفل قد يحدث أثناء الحمل أو أثناء الولادة؛ فعلى سبيل المثال، قد تصاب الأم بأحد الأمراض المعدية؛ مثل الجدري المائي والإنفلونزا والالتهاب الكبدي الوبائي، فينتقل هذا المرض إلى الجنين؛ الأمر الذي يعيق نمو الخلايا الدماغية بشكل طبيعي أو يوقفها تماما عن النمو. كذلك يتسبب تناول الأم لبعض الأدوية في حدوث خلل في خلايا دماغ الجنين؛ وبالتالي حدوث ضعف في قدراته العقلية. ولهذا السبب يفضل دائما استشارة طبيب النساء والتوليد المتابع لحالة الأم قبل تناول أي دواء خلال فترة الحمل؛ وخاصة في الثلث الأول منه؛ وهو الوقت الذي يحدث فيه نمو خلايا دماغ الجنين. وأما عن حدوث تلف في خلايا دماغ الجنين أثناء الولادة، فإنه عادة ما يحدث بسبب نقص الأكسجين بسبب طول مدة الولادة. ومعلوم أن الولادة الطبيعية تتراوح مدتها ما بين 4 ساعات إلى 24 ساعة. أما لو تجاوزت المدة هذا المعدل بكثير فحتما سيقل الأكسجين الذي يصل إلى الجنين وسيحدث تلف في خلايا دماغه. كذلك يحدث تلف خلايا دماغ الجنين عند الولادة في حال تم إعطاء الأم الكثير من الطلق الصناعي والعقاقير المحفزة لانقباض الرحم؛ الأمر الذي ينتج عنه شدة الانقباضات التي تؤدي إلى اختناق الجنين واعتصار جسده بالكامل. وقد يكون الحبل السري ملتفا على رقبة الجنين بشكل يمنعه من التنفس.

تأثير ضعف القدرات العقلية على العملية التعليمية

بالطبع لا يمكن أن يواكب الطفل الذي يعاني من ضعف القدرات العقلية أقرانه وزملائه؛ فهو يعاني من ضعف في الذاكرة وتشتت كبير وعدم القدرة على استيعاب دروسه. وكل هذه المشاكل تعيق العملية التعليمية وتسبب الكثير من المشاكل النفسية والأسرية. والطفل إذا كان لا يستطيع تذكر الأحداث العادية التي وقعت خلال اليوم، فكيف به يتذكر دروسه ويحفظها باستخدام ذاكرته قصيرة المدى؟

كيفية التعامل مع ضعف القدرات العقلية

يجدر بكل أم وأب متابعة طفلهما منذ الولادة؛ فالطفل يمر بمراحل عمرية كثيرة، يميز كل منها بعض التطورات التي تظهر عليه؛ سواء كانت تطورات في الحركة أو تطورات ذهنية. ولابد من أن تتعلم الأم وتستعين بالطبيب لمعرفة خصائص كل مرحلة؛ حتى يتعين عليها متابعة طفلها والاطمئنان على أن الأمور تسير في مسارها الطبيعي. وفي حال لوحظ وجود أي خلل في قدرات الطفل الذهنية أو الحركية؛ كأن يمر عام مثلا دون أن يلتفت لسماع اسمه أو الانتباه لصوت عال أو أن يكون مفتقرا للرغبة في استكشاف العالم حوله جالسا بمكانه لا يتحرك ولا يفعل ما يفعل الأطفال، في حال حدث ذلك يفضل استشارة الطبيب المختص في وقت باكر حتى يتثنى لهم التعامل الصحيح مع المشكلة؛ حتى لا تتفاقم وتلازم الطفل بقية حياته.

ومن الأخطاء الشائعة التي تقع فيها الأمهات اللاتي يتعاملن من أطفال يعانون من ضعف القدرات العقلية هو إشعار الطفل بأنه ناقص عن غيره وأنه لا يعجبها وأن غيره يفضلونه. وهذا الخطأ قد يصدر من الأم وغيرها؛ كمعلم المدرسة أو الأطفال المحيطين بالطفل أو غيرهم. وهذا له تأثيره السلبي الكبير على المشكلة؛ فإذا كان الطفل الطبيعي يفقد الكثير عند كثرة توبيخه ونقده، فكيف بمن يعاني من مشكلة مثل هذه؟ ويمكن للأم مضاعفة الوقت الذي تجلسه مع طفلها بهدف التعلم؛ على أن لا يكون التعلم هذا يتم بطريقة مملة؛ فالذهاب إلى الخارج واللعب في الأماكن المفتوحة ومخالطة الأطفال وقضاء وقت ممتع يساعد على الأخذ بيد الطفل لتتحسن حالته ويقترب شيئا فشيئا ممن هم في مثل سنه. ويمكن تنمية خيال طفلك ورفع مستوى التفكير لديه عن طريق سرد القصص الخالية ووصفها له ومشاهدة بعض الأفلام الكرتونية؛ على أن تكوني ملازمة له خلال مشاهدة هذه الأفلام حتى تعزز قدرته على التخيل وربط ما يشاهده بالواقع؛ وذلك عن طريق شرح ما يراه بشكل مبسط ومحاولة تطبيق بعض ما يراه على أرض الواقع.

وبعد تعلم الطفل القراءة والكتابة يمكن للأم تنشيط ذاكرته بطريقة مسلية ومكافئة له؛ كأن تطلب منه القيام ببعض الأعمال اليومية، كاستذكار دروسه وتنظيف غرفته وترتيب ملابسه وغير ذلك، ثم كتابة كل هذا في نهاية اليوم وإعطائه نجمة على كل عمل قام به. وفي نهاية الأسبوع أو الشهر تقوم بتجميع النجوم وتقديم هدية له يحبها؛ على حسب عدد النجوم. وهذه الطريقة تحفيزية للغاية؛ فهي تساعد الطفل على التذكر وتحفزه للقيام بواجباته وتشعره بأنه يقوم بأشياء هامة لها قيمة وبأن أمه تثق فيه وفي قدراته. ويمكن دمج الطفل في مجتمعه الخارجي عن طريق اختيار أصدقاء له ومساعدته على ذلك في البداية بأن تجلس الأم بنفسها وتلعب مع الأطفال، وسيقوم هو بتقليدها في البداية، ثم سيعتاد على اللعب معهم بمفرده.

ومن المهم للغاية بذل الكثير من الجهد لجعل الجميع يتقبل الطفل الذي يعاني من ضعف القدرات العقلية ويحبه؛ كأن تحرص الأم على ذهابه لمدرسته بملابس نظيفة مهندمة وتعلميه كيف يأكل بطريقة صحيحة وتدربيه على التعامل مع من حوله بطريقة خلوقة وعلى الحفاظ على كتبه وأدواته المدرسية. وكل هذه الأشياء تجعل من طفلك طفلا مميزا يحبه معلموه ويقترب منه زملائه. ولابد من إمداد الطفل باحتياجاته الجسمانية؛ والتي تشمل الأكل والنوم والحركة؛ فتناول الطعام الصحي الذي يحتوي على جميع العناصر الغذائية التي تساعد على النمو وتقوية الذاكرة وأخذ القسط الكافي من النوم يوميا والتحرك الجيد وإفراغ لطاقة وتوفير المكان الذي يمكن الطفل من ذلك، كل هذه الأمور تساعده على السير في طريق التحسن والتخلص من المشكلة القائمة. ويمكن الاشتراك في نادي رياضي قريب وتشجيع الطفل على ممارسة رياضة ما؛ فالرياضة ترفع من القدرة الجسمانية والعقلية والذهنية للطفل.

تفادي ضعف القدرات العقلية عند الأطفال

لعل جميع الأمهات والآباء يهتمون بمعرفة الطرق التي تمكنهم من تفادي ولادة طفل يعاني من مشكلة ضعف القدرات العقلية أو غيرها. والحقيقة أنه هناك بعض الطرق والإجراءات التي تتم خلال فترة الحمل؛ والتي لها دور كبير في ذلك. ومن أهم الأمور التي ينبغي الاهتمام بها هي متابعة الطبيب والكشف بالموجات الصوتية طيلة فترة الحمل؛ حتى إذا ظهرت أي من المشاكل التي يمكن علاجها خلال الحمل تم ذلك دون المعاناة بعد الولادة. كذلك على الأم أن تهتم جيدا بتغذيتها وأن تختار دائما الطعام الصحي وتبتعد عن كل ما يضر بجنينها؛ ويكون ذلك كله تحت إشراف الطبيب. ومن أهم العناصر الغذائية التي تساعد الجنين على النمو بشكل صحي هو حمض الفوليك الذي تأخذه الأم قبل الحمل. ولابد من مراعاة حالة الأم النفسية وأسلوب حياتها ووضعية نومها التي تساعد على وصول الكميات الكافية من الدم المحمل بالغذاء للجنين. وعند الولادة، يتعين على الطبيب مراعاة الجنين؛ ففي حال كانت قدماه تسبقان رأسه، فلا داعي للمجازفة وتوليده من القدم؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى اختناقه.

وأخيرا أقول لكل أم أن مشكلة ضعف القدرات العقلية عند الأطفال ليست بالمشكلة العويصة التي لا يمكن حلها؛ بل هي مشكلة يعتمد علاجها على الأم في المقام الأول وعلى جميع المحيطين بالطفل. ومن المهم للغاية الحرص على حالة الطفل النفسية؛ حتى لا تؤدي الإساءة إليه إلى تدهور حالته ودخوله في وحل الأمراض النفسية التي يستغرق علاجها وقتا طويلا وجهدا مكثفا.

ملحوظة: هذا المقال يحتوي على نصائح طبية، برغم من أن هذه النصائح كتبت بواسطة أخصائيين وهي آمنة ولا ضرر من استخدامها بالنسبة لمعظم الأشخاص العاديين، إلا أنها لا تعتبر بديلاً عن نصائح طبيبك الشخصي. استخدمها على مسئوليتك الخاصة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثلاثة + 8 =