تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » منوعات » كيف تمكنت سنغافورة من تغيير مجرى حياتها في فترة وجيزة؟

كيف تمكنت سنغافورة من تغيير مجرى حياتها في فترة وجيزة؟

في غضون ثلاثة وخمسين عام تقريبًا تمكنت دولة سنغافورة الناشئة من تحويل مجرى حياتها تمامًا، حتى أن الدول القديمة والحضارية لم تتمكن من الوصول لما وصلت إليه هذه البلد الصغير، ويرجع السبب في ذلك إلى رئيس الوزراء لي كوان يو.

سنغافورة

كانت سنغافورة جزيرة صغيرة تتبع دولة ماليزيا وذلك حتى العام الخامس والستين من القرن العشرين، ثم بعدها صرحت الحكومة الماليزية أنها ستقوم بالتخلي عن تلك الجزيرة وإعلان عدم تبعيتها لها نهائيًا، وذلك بسبب فقر مواردها لدرجة أنها تستورد الماء من الخارج، هذا بجانب النزاعات والاختلافات الدينية والفساد وقتها، وبعد الانفصال حاولت الدولة التحسين من حالتها ولكنها لم تقدر على ذلك حتى أن رئيس وزراءها دمعت عينه وبكى في إحدى اللقاءات له على شاشات التلفاز، بسبب عدم مقدرته على تحسين ظروف وأحوال البلد المعيشية، وهنا بدء العمل من كل أطراف الشعب على قدم وساق وفق خطة محكمة من قبل هذا الوزير المحنك، وتحولت دولته من مستنقع للفقر والفساد والإجرام إلى مقصد لكل سائحي العالم، وأصبحت من دول العالم الأول بفضل ما فعلته خلال هذه الفترة الوجيزة، ونحن هنا سوف نقوم بعرض ما قامت به دولة سنغافورة خلال الخمسين عام السالفة، فتابعوا معنا.

سنغافورة ومعركة القضاء على الفساد

كانت سنغافورة عبارة عن وكر للفساد والإجرام فلا يخلو شبر منها إلا وبه عمليات إجرامية من سرقة وقتل وتجارة في الممنوعات مثل المخدرات والأرواح البشرية، وكان هدف رئيس الوزراء لي كوان يو هو القضاء على ذاك الفساد حتى يخلق في مجتمعه حالة من الاستقرار والطمأنينة التي تجعل المستثمرين الأجانب يقبلون على استثمار رؤوس أموالهم داخلها، فبالتالي أصبغ قوانين البلاد بالصرامة والحزم فكان من يتاجر في المخدرات أو يقتل أو يقوم بأي عملية فساد كبرى يتم إعدامه فورًا، وذلك حتى يكون عبرة وعظة لكل من تسول له نفسه أن يقوم بفعل هذه الممنوعات مرة أخرى، وبالفعل كان لهذا الأمر مردود جيد في المجتمع السنغافوري فقد انخفضت معدلات الجريمة فيه بشكل كبير للغاية حتى أصبح بعد عامين فقط خالي من الفساد، وهذا ما شجع المستثمرين الأجانب مثل رجال الأعمال الأمريكان واليابانيين والصينيين يقوم باستثمار أموالهم في سنغافورة.

وبالتالي ازدادت فرص العمل في البلاد وأصبحت نسبة البطالة مع الوقت لا تتجاوز الأربعة بالمائة، وهو رقم ضئيل جدًا بالمقارنة بالكثير من دول العالم، وخير مشجع على استثمار الأموال الأجنبية في سنغافورة هو موقعها المتميز، حيث أنها تقع على مدخل مضيق ملقا الموجود في جنوب شرق آسيا والذي يمر منه أكثر من أربعين بالمائة من التجارة البحرية في العالم، وهذا ما جعلها مكان مناسب للتجارة والتصنيع والنشاط البحري تفكر فيه كل دولة صناعية وتجارية على حد سواء.

الحد من مشكلة البطالة

بعد انفصال سنغافورة عن ماليزيا كان يوجد بها أكثر من ثلاثة ملايين شخص عاطل عن العمل وذلك من أصل لا يتجاوز الأربعة ملايين نسمة، فكانت هذه تعتبر كارثة كبرى لابد من القضاء عليها حتى تنهض البلاد وتتفادى مشكلة انفصالها عن ماليزيا، فجاءت فكرة إلى لي كوان محواها النهوض بالمجال الصناعي بشكل شامل عن طريق الاعتماد على الصناعات التي تحتاج إلى أفراد عمل كثيرين، وذلك لكي يضرب عصفورين بحجر واحد فيقضي على مشكلة البطالة العظمى أولًا ثم ينمي اقتصاده ودخل الفرد ثانيًا، وكانت مشكلة هذا البرنامج هو عدم خبرة الشعب السنغافوري في المجال الصناعي حيث أنهم كانوا مقتصرين على التجارة وخدماتها فقط، بجانب أن الدول المجاورة له مثل ماليزيا وإندونيسيا هي دول معادية له ولا توجد أية علاقات بينهم، وإذا نظرنا إلى السوق المحلي لديه سنجد أنه ضئيل وصغير للغاية.

فلذا كان لزامًا عليه أن يتواصل مع دول العالم الأول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وذلك حتى يخلق سوق دولي بينهم ويقومون بالاستثمار داخل الأراضي السنغافورية، وهذا ما حدث بالفعل وتم تشغيل معظم الشعب السنغافوري والقضاء بصورة شبه كاملة على البطالة، ومع مرور الوقت كانت تزداد نسبة معدل الفرد والناتج المحلي يزداد بصورة متضاعفة سنويًا وخاصة في أول عشرة أعوام من الانفصال عن ماليزيا، وهذا كله بفضل رئيس الوزراء لي كوان يو.

انتشار التعليم في سنغافورة

كما قلنا كانت نسبة البطالة في سنغافورة كبيرة جدًا وهذا كان سبب من أسباب ركودها وضعفها في شتى مجالات الحياة، فحاولت الحكومة القضاء على تلك العقبة الكبيرة قدر الإمكان فقامت بالاستعانة بالشركات الأجنبية في تعليم وتدريب العمال الغير مهرة بها، وذلك في مجال الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات والبتروكيماويات وغيرها من المجالات الأخرى، حتى أتقنوها وأصبحوا ذوي كفاءة عالية في تلك المجالات فعلى سبيل المثال في عام 1977 كانت سنغافورة إحدى الدول المصدرة للإلكترونيات البسيطة والملابس والمنسوجات الكتانية، وهذا بعدما كانت تستورد كل شيء في حياتها فالماء ذاته كانت تستورده من ماليزيا، ثم في عام 1997 أصبحت من رواد هندسة الطيران وتصنيع الرقائق الإلكترونية الخاصة بالحواسيب والهواتف.

ثم مع بداية القرن الحالي أصبحت متعمقة في مجال صناعة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية وتصميم الدوائر الكاملة، وأخيرًا غدت الآن الدولة الثالثة بالعالم في مجال تكرير النفط والبتروكيماويات، كل هذا بفضل العمل على تنمية الموارد البشرية وإنشاء المدارس الفنية وإرسال البعثات التعليمية للخارج، وقد قال لي في إحدى تصريحاته عند سؤاله عن أساس التنمية التي وصلت إليه بلاده فقال إن التعليم والاقتصاد هم الأساس في نهضة البلاد قبل كل شيء.

توفير مياه شرب نقية

قطعت دولة سنغافورة شوطًا كبيرًا في عملية توفير مياه شرب نقية لشعبها، حيث أنه بسبب الطبيعة الجغرافية لا توجد أي أنهار أو بحار داخل الأراضي السنغافورية وبذلك تكون مفتقرة إلى موارد الماء اللازمة لها، فلذا اتجهت الحكومة إلى استيراد المياه من الخارج وتحديدًا من دولة ماليزيا المجاورة وماليزيا ذاك هي من أبعدت سنغافورة عنها وأخرجتها عن السيادة الماليزية كما سبق وأن أشرنا، إلا أن هذا لم يمنع ماليزيا من بيع المياه بمبالغ مالية جيدة للحكومة السنغافورية وبذلك تمكنت سنغافورة من سد حاجتها من المياه لفترة من الوقت قبل أن يبدأ إعصار التقدم السنغافوري، فكما نعلم قد ركبت سنغافورة في قطار التقدم والتنمية منذ انفصالها عن ماليزيا مباشرة بعدما رأت أن الحال سيء للغاية ولو لم يعمل الشعب بأجمعه لماتوا جوعًا، فلذا شرعت الحكومة في تقسيم كمية الماء التي تستهلكها إلى عدة محاور.

الأول كان استيراد ثلاثين بالمائة من استهلاك الشعب من المياه من دولة ماليزيا المجاورة بوساطة الأنابيب التي وصلت بين الدولتين، والمحور الثاني عملت على استغلال كل قطرة ماء تهبط من السماء فوق الأراضي السنغافورية، فأنشئت سبعة عشرة بحيرة صناعية لتجميع مياه الأمطار التي تسقط خلال سنة لإعادة تنقيتها حتى تصلح للشرب وبذلك توفر ثلاثين بالمائة أخرى من حاجتها من المياه، والمحور الثالث وهو استخدام مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها وتكريرها ومرورها بعدة مراحل لكي تصبح نقية وعذبة للغاية، وهذا لا يعني استخدامها كمياه للشرب بل هي جُعلت للأغراض الصناعية والزراعية فقط حتى توفر لنا الثلاثين بالمائة الثالثة.

أحمد حمد

اهوى القراءة والمطالعة عن كل جديد. الإنترنيت اتصفحه لزيادة المعرفة. اكتب في مواضيع عدة وخاصة تلك التي تقدم أرشادات وتعليمات لمساعدة الأخرين

أضف تعليق

13 − إحدى عشر =