تعلق الرضيع

تعلق الرضيع بأمه أمر طبيعي ومحمود وفطرة غرزها الله فيه منذ أن كان جنينًا برحم أمه تتطور بشكل ملموس أكثر فور الولادة، فالأم بالنسبة لرضيعها هي مصدر الأمان والحنان وأول ضمّة حتى وإن طلب الرضيع منها هذه الضمّة أحيانًا لأجل مصلحة كالجوع والحاجة للغذاء فعلى قلبها كالعسل كما يقولون. ولكن ماذا عن زاد تعلق الرضيع بأمه عن الحد وأصبح أمرًا مُجهدًا لها يُعيقها عن أداء مهامها المنزلية أو الرعاية بإخوته الصغار أو حتى الذهاب للعمل، حينها لا بد من البحث عن علاج ستجدينه حتمًا معنا خلال المقال.

متى يبدأ تعلق الطفل بأمه؟

تعلق الرضيع متى يبدأ تعلق الطفل بأمه؟

يبدأ تعلق الرضيع بأمه منذ سنته الأولى حسب ما تُشير إليه الدراسات والنظريات النفسية؛ فحسب نظرية التعلق العاطفي للباحثين ماري إينسوورث وجون بولبي والتي ظهرت للنور خلال حقبة الخمسينات، فإن العلاقة الجيدة وتقرُّب الطفل لأمه خلال سنوات عمره الأولى هي التي تُشكّل بنيته النفسية والاجتماعية ومسار علاقاته بالآخرين فيما يتبقى من سنوات عمره. مُشيرين إلى أن هذا التعلق بيولوجي بحت مغروس في كافة المخلوقات الحية دافعه في حالتنا هذه الحاجة إلى الدعم المادي في صورة الغذاء والرعاية الشخصية التي توفرها الأم للرضيع، ومعنوي في صورة اطمئنان الطفل بأمه في اللحظات التي تبدو بالنسبة إليه لحظات خوف وخطر.

وإلى جانب النظرية بريطانية النزعة، أثبتت دراسة أمريكية صادرة عن جامعة فيرجينيا أن ابتعاد الطفل الصغير عن أمه لليلة واحدة خلال الأسبوع كما هو الحال في انفصال الوالدين مثلًا أو ظروفٍ ما تمر بها الأم يُوّلد شعورًا بالخوف وعدم الأمان لدى الطفل ويُضفي توترًا على العلاقة بينه وبين أمه وفقًا لانطباعات 43% من الأطفال الذين شملتهم الدراسة. ولكن ماذا إن كان تعلق الرضيع بأمه مرضيًا يؤثر على شخصيته ككيان مُستقل ذاتيًا كما يؤثر على أداء الأم لمسئولياتها اليومية؟ هل لذلك من أسباب وكيف يُمكن تخليص الطفل وأمه من هذا التعلق المرضي؟ هذا ما سنعرفه خلال الأسطر التالية.

تعلق الرضيع الزائد بأمه

هل رضيعك مُتشبّث بملابسك باستمرار يبكي إن بعدتِ عنه ولو في نفس المنزل يُريد أن تحمليه دومًا بصورة تعوقك عن أداء واجباتك المنزلية، يبكي إن التفتِ لشيءٍ أو شخصٍ غيره أو انشغلتِ مع أحد إخوته، يبكي بشكل هيستيري إن خرجتِ من المنزل ولا يرغب في الجلوس مع أحدٍ سواك حتى ولو كان والده طالما كان ذلك في غير وجودك. أعانك الله فجميعها علامات وأعراض التعلق الزائد لطفلكِ بكِ، ولكن هل سألتِ نفسك يومًا عن السبب؟

أسباب تعلق الرضيع الزائد بأمه

هناك بضعة أسباب قد لا تنتبه الأم لها وتغفل عنها تُحوّل علاقة طفلها بها من تعلق طبيعي إلى تعلق مرضي:

شعور الرضيع بقسوة الأب أو أنه غير قريب منه كأمه، لا يُقبّله عند النوم أو الاستيقاظ أو العودة من العمل، لا يلعب ويلهو معه كأمه، لا يهتم بحمله، أو قد يكون الأب عصبي صعب المراس يغضب ويصرخ باستمرار بشكل يُخيف الطفل فيلجأ لأمه مصدر أمانه الوحيد الذي يعرفه. تهديد الأم للطفل في لحظات غضبها أمام سوء تصرفه بأنها سوف تتركه وترحل، وبينما هي تُهدد فحسب يأخذه الطفل تهديدها على محمل الجد فيزداد تعلقه المرضي بها.

الدلال الزائد من الأم لرضيعها وتلبيتها لجميع رغباته بغض النظر عن كونها في مصلحته أم لا، يبدأ التعلق المرضي من الرضيع بأمه أحيانًا من تعلق الأم وخوفها الزائد الذي يجعلها لا تُريده أن يذهب لأي مكان بعيدًا عنها لتبدأ الشكوى بمرور الوقت، سفر الأب للعمل لفترات طويلة تُعزّز تعلق المريض بأمه فهو لا يرى سواها أمامه خلال سنوات عمره الأولى، أو ربما سفر الأم أيضًا أو مرضها أو انفصالها لفترة عن الأب فيتشبث الرضيع بها خوفًا من أن تتركه مرة أخرى. وهو ما أثبتته دراسة أمريكية أخرى تمت على مرحلتين على أطفال في فئة العام ثم 3 أعوام، حيث وجدت أن 69% من الأطفال الذين شهدوا طلاق آبائهم في عمر العام يقضون 6 أيام بالأسبوع مع أمهاتهم في مُقابل ليلة واحدة مع الأب.

حل مشكلة تعلق الرضيع الرضيع بأمه

تعلق الرضيع حل مشكلة تعلق الرضيع الرضيع بأمه

والآن هل سئمت من زيادة تعلق رضيعك بكِ وتبحثين عن حل؟ ستجدينه ببساطة خلال السطور التالية من خلال إتباعك لهذه النصائح المُجرّبة:

  • انظري لعلاقتك بطفلك فإن كان طابعها الدلال الزائد وتلبية طلباته دون تفكير، فتدبري وكوني أم وسطية لا صارمة ولا نيئة لا تُلبي أي طلب منه يكون مُقابله البكاء أو التمارض، لا تُجيبي على تعلق الرضيع المرضي بكِ بالصراخ والتعنيف فذلك من شأنه أن يُزيد الأمور سوءًا إما بنفوره منكِ أو بمزيد من التعلق بكِ، فأنتِ مصدر أمانه الوحيد في عز خوفه حتى وإن كنتِ نفسك ذات مرة مصدر هذا الخوف، لذا حاولي أن تغمري صغيرك بالحب والحنان دون أن يتحول حبك وحنانك لدلال زائد.
  • حاولي تعويد طفلك شيئًا فشيئًا أن يخرج في نزهات قصيرة مع غيرك كالأب أو الأخوال والخالات حتى ولو كانت النزهة لمحل البقالة القريب يُمكن أن تطول لمكان أبعد مع الوقت كي يعتاد أن له حياة مُستقلة بعض الشيء عنكِ وأن العالم به أشخاص وأشياء أخرى يُمكنه فعلها بدلًا من تعلقه المرضي بكِ، ولكن احرصي لأمان طفلك أن يكون مُرافقه في هذه النزهة شخص أمين قادر على الانتباه والتركيز مع طفل صغير كثير الحركة.
  • لا تحملي رضيعك بمجرد بكائه فإنها حيلة يتبعها ليُجبرك بالبقاء بجانبه طوال الوقت، يُمكنك تركه مع بعض الألعاب الآمنة التي يُحبها مع تأمين موضع جلوسه والأجواء حوله، دعيه تحت نظرك وترقّبيه من وقت لآخر ومارسي أعمالك المنزلية بحرية والأفضل أن تجعلي الأنشطة والألعاب التي يُمارسها طفلك مُنظمة وفق جدول.
  • اجعلي طفلك يندمج ويلعب مع من في مثل سنه من أطفال الأقارب والجيران والأصدقاء، فهي طريقة مُثلى لإلهائه عنكِ بعض الشيء، وتُعد حضانات ما قبل المدرسة خيارًا مثاليًا لكِ لتحقيق ذلك، إن كان تعلق الرضيع بكِ أمر مُستجد لم يظهر فيما مضى ولا تنطبق عليكِ أو على مناخ الأسرة الأسباب التي سبق ذكرها تحدثي معه بطريقة بسيطة تُناسب عمره وحاولي الاستطلاع عن أي مُشكلة قد واجهته أو لا زالت تُواجهه وسبّبت له هذه الحالة من التعلق واعملي على حلها وطمأنته.
  • لا تُهددي طفلك بتركه أو الرحيل عنه مهما كان فعله، بل طمأنيه بأن بُعدك عنه داخل المنزل أو خارجه مؤقت قصير وسيمر دون تأخرك، واحرصي على توديعه وتقبيله مع عبارات مُطمئنة قبل خروجك، حددي بضعة ساعات يومية وكذلك أسبوعية لكِ ولوالده معه كُلٍ على حده ثم سويًا، واجعلي هذه الساعات مليئة بالأنشطة المُفيدة والمرحة التي تُزيد من مستوى التواصل بينكم خاصةً بين الطفل ووالده الذي يغيب عنه ساعات طويلة بحكم عمله.

ختامًا، إن تعلق الرضيع بأمه أمر غريزي طبيعي فهي مصدر أمانه وأول من رآه ولمسه وأول من احتواه، ولكن عليكِ الانتباه عزيزتي أن ارتباطك بطفلك قد يتخذ منكِ منحى خاطئ غير مقصود فيتحول لتعلق مرضي يُؤذي كليكما، فحاولي أن تضعي علاقتك به دومًا تحت الميكروسكوب لإصلاح ما يتطلّب الإصلاح.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

13 − 1 =