انفصال باكستان

لم يكن انفصال باكستان عن الهند بالشيء المفاجئ أبدًا فقد كانت الحكومة الهندية أو حزب المؤتمر يعرفون أن ذلك سيحدث ولكنهم أصروا على ما يريدونه، حيث قابلوا جميع طلبات المسلمين البسيطة بكل عنف ووحشية، فجرت الكثير من الصراعات بين الطرفين فأصيب الكثير من المسلمين وقتل عدد لا بأس به جراء هذا العنف والتعذيب، مما نتج عنه تمسك المسلمين بانفصالهم عن الهند وتأسيسي دولة جديدة ستسمى باكستان، وكلمة باكستان لها تفسيران الأول تعني فيه أرض الأطهار والثاني هو تجميع لرموز المقاطعات التي كانت فيها أغلبية مسلمة قبيل الانفصال عن الهند، ويعتبر أساس انفصال باكستان عن الهند هو القائد محمد علي جناج الذي نفذ سياسته في الهند بعدما رفض حزب المؤتمر إعطاء المسلمين حقوقهم في البلاد، ولذلك تعد الحكومة الهندية ورؤساء حزب المؤتمر هم شبه مسئولين عن ذلك الانفصال، فلو أنهم تعاملوا مع الوضح بكل مصداقية وعدل وكفلوا للمسلمين الحريات الدينية وضمنوا لهم مقاعد في الحكومة والوزارة، لما حدث كل ذلك وظلت باكستان جزء لا يتجزأ من دولة الهند الكبيرة.

سبب انفصال باكستان عن الهند

انفصال باكستان سبب انفصال باكستان عن الهند

هناك الكثير من الأسباب التي جعلت المسلمون يطالبون بانفصالهم عن الهند وتأسيس دولة جديدة تسمى باكستان، وكان قائد عملية انفصال باكستان عن الهند هو محمد علي جناح الذي ذاع صيته في هذه الفترة كثيرًا حتى أصبح الجهة الممثلة للمسلمين في شبه القارة الهندية، وأولى هذه الأسباب هي نظرة المسلمين للمؤتمر الهندي على أنه مؤتمر تسلطي على المسلمين من قبل الهندوس، فبعدما كان مؤتمرًا مشتركًا بين الهندوس والمسلمين بغية إخراج الاحتلال البريطاني من دولة الهند، خرج المسلمون يسعون لتأسيس جبهة أو هيئة لهم تدافع عنهم ضد الهندوس والبريطانيون على حد سواء.

ولذلك أنشؤوا ما تسمى بالرابطة الإسلامية ولكن لم يكن محمد على جناح في هذه الرابطة عند تأسيسها ولفترة قصيرة، حيث أنه أنضم في العام الثالث عشر من القرن العشري معلنًا زيادة قوة الرابطة ومجابهتها للمؤتمر الهندي، ثانيًا السخط الكبير الذي تلقاه المسلمون من الهندوس بعد إنشاء الجامعة الإسلامية في مدينة دكا، ثالثًا تعاون الهندوس الممثلين في المؤتمر الهندي مع البريطانيون لوضع دستور ذو طابع هندوسي يقضي على حرية المسلمين وحقهم في الهند، رابعًا المذابح والحروب التي شنها الهندوس على المسلمين للعدول عن فكرتهم في إنشاء دولة إسلامية مستقلة.

متى تم انفصال باكستان عن الهند ؟

حدث انفصال باكستان عن الهند في شهر أغسطس من العام السابع والأربعين من القرن العشرين، ولكنه لم يأتي هكذا مرة واحده بل سبقته بعض الصراعات من قبل المسلمين ضد الهندوس، وتعد فترة الحرب العالمية الثانية وما تلتها من أعوام هي أوج تلك الصراعات، فقد كان محمد علي جناح يرى أن حكم الهندوس للمسلمين وهم كثرة يعني فناء المسلمين تحت سخط وعنت الهندوس، ولذلك لابد من تأسيس دولة باكستان حتى لو استنزفت الكثير من الدماء لأجل ذلك، وذكر أيضًا أن المناطق الإسلامية سيحكمها المسلمون بنفسهم والمناطق الهندوسية سيحكمها الهندوس بنفسهم، مع الاحتفاظ بوجود أقليات من الفريقين في كلتا الأرضين لحفظ التوازن بينهم، ونظرًا لتفكير محمد علي جناح هذا ظهرت في أثناء الحرب فكرتين الأولى تنادي بهند موحدة والثانية تنادي بهند مقسمة.

ومن أجل هذا شن الهندوس حروب دامية على المسلمون بدؤوها أولًا بالمفاوضات معهم ومع الإنجليز، وبعدها استخدموا العنف والإرهاب كسلاح لردع المسلمين للعدول عن فكرتهم، ومن الأساليب التي استخدموها مع المسلمين أن قاموا بمحاولة نشب الفتنة بين المسلمين بتحريض الشيعة والإسماعيليين ضد السنة بقيادة محمد علي جناح،، ولكنه وبقدرته العالية تمكن من كسب معظم هؤلاء إلى جانبه حتى أصبح قوي جدًا في وجه الهندوس، ولما لم تنفع فكرة العنف مع المسلمين انتهت فكرة الهند الموحدة وأصبح لزامًا على الهندوس الموافقة على إنشاء دولة باكستان المستقلة، فظهرت باكستان للعلن في النصف الثاني من عام 1947.

مبادئ محمد علي جناح قبل انفصال باكستان عن الهند

قبل أن تظهر فكرة التقسيم تلك كتب محمد علي جناح أربعة عشرة مبدأ يجب العمل بهم في دولة الهند حتى لا يحدث انفصال أو انقسام، فهذه المبادئ سوف تكفل للأقلية المسلمة في الهند حرية الدين والفكر وكل شيء، هذا بجانب إعطاء المسلمين حقهم في دولتهم حيث سيكون لهم مقاعد في البرلمان وما إلى ذلك، وأولى هذه المبادئ هي وجوب مراعاة حقوق الأقليات الموجودة في مقاطعات الهند مع حمايتهم من عنف أو بطش الأكثرية، ثانيًا سن دستور جديد يكون أساسي في البلاد يمنح كل مقاطعة من مقاطعات الهند حق الحكم المباشر، ثالثًا أن يتواجد المسلمون في مقاعد الوزارة والحكومة وتكون نسبتهم الثلث تقريبًا، رابعًا أن يكون المجلس النيابي متنوع من حيث المقاعد ويجب أن يكون تمثيل المسلمين فيه بنسبة لا تقل عن الربع.

خامسًا تخصيص مبلغ من المال لكل ولاية تأخذه سنويًا للإنفاق على شئونها الإسلامية، سادسًا استقلال انتخاب ممثلي جميع الطوائف، سابعًا ضمان الدستور للحرية الدينية المطلقة لجميع الديانات الموجودة في دولة الهند فلا يتعرض أحد لعبادتهم ولا لأماكنهم المقدسة ولا التعليم ولا اللغة، ثامنًا ترك الحقوق التي يتمتع بها المسلمين في مقاطعات البنغال والبنجاب كما هي بدون المساس فيها، وغيرها من المبادئ التي كانت تهدف إلى حفظ الحقوق الإسلامية حيث كان المسلمون بالنسبة للهندوس أقلية بالرغم من كونهم عدة ملايين، ولكن كما نعلم تعتبر الهند ثاني أكبر دولة من حيث التعداد السكني في العالم، فعدد سكانها الآن يتجاوز المليار والربع تقريبًا ولذلك ملايين المسلمين لن تكون إلا مجرد أقليات بالنسبة لذلك العدد الكبير.

رد حزب المؤتمر على تلك المبادئ

انفصال باكستان رد حزب المؤتمر على تلك المبادئ

للأسف كان الرد المعاكس لحزب المؤتمر وزعماءه هو النواة الحقيقية لبدء انفصال باكستان عن الهند ، حيث أنهم لم يوافقوا على تلك المبادئ بل وتجاهلوها تمامًا وقرروا السير في طريقهم وحركتهم الوطنية من دون محمد علي ورابطته الإسلامية، وهناك رجال مسلمون قد شاركوا مع حزب المؤتمر وتعاونوا معه في حركتهم الوطنية، ولكن هذا لم يكن خيانة لمحمد علي وللمسلمين بل حدث ذلك لأنهم كانوا يفضلون وحدة الهند كلها، ولم تمض عدة أعوام حتى أصدرت السلطات البريطانية دستور عام 1935، وصدور الدستور الجديد من دون وضع المسلمين في الاعتبار يعني الضرب بمبادئ محمد علي في عرض الحائط.

زد على ذلك أن البلاد كانت على وشك حدوث انتخابات عامة بعيدة عن المذهب الديني، وبذلك لن يكون للمسلمين إلا تمثيل ضئيل جدًا نظرًا لقلة عددهم في الهند، ولم يكتفي حزب المؤتمر بذلك بل قام بمقابلة عدم رضاء المسلمين عن تلك التحركات بكل عنف ووحشية، فحدثت الكثير من المذابح واستخدم الحزب وسائل إرهابية لردع المسلمين بالتعاون مع الحكومة البريطانية، ولكن هذا لم يجدي أي نفع وتمسك المسلمون بفكرتهم وانقسامهم عن الهند مما دفع الهندوس إلى الموافقة على هذا، وبالفعل حدث الانقسام وظهرت دولة باكستان الإسلامية للعلن في أغسطس من عام 1947.

المشاكل التي واجهت الدولة الجديدة

بعد انفصال باكستان عن الهند واجهت الدولة الجديدة بعض المشكلات الصعبة التي كانت تؤذي بها وهي لا تزال في مرحلة التكوين والنمو، وأهم هذه المشكلات هي عدم اتحاد أراضي دولة باكستان الجديدة، حيث أنها كانت مقسمة إلى قسمين أو شطرين بينهما بعض من أراضي دولة الهند التي تبلغ ألف ميل تقريبًا، والسبب في هذا الانقسام هو أن التوزيع الجغرافي للمسلمين كان يتطلب ذلك فهناك أكثرية للمسلمين في كلا المنطقتين، ولذلك كان السبيل الوحيد للتواصل مع جزئي هذه الدولة هو بالدوران حول دولة الهند وهو أمر طويل وصعب بكل تأكيد، وهكذا كانت الدولة غير موحدة تمامًا ليس بسبب بُعد أراضيها فقط بل لوجود بعض الاختلافات الأخرى بين جزئي الدولة، فلم يكن يوجد أي شيء متشابه بينهم سوى الدين فقط وعدد السكان تقريبًا.

ولكن عدد المسلمين الموجودين في باكستان الغربية يتخطى السبعة وتسعين بالمائة تقريبًا، في حين أن عدد المسلمين في باكستان الشرقية لا يتجاوز الخمسة وسبعين بالمائة، وهذا ما أدى إلى اعتبار باكستان الغربية هي مركز الحكم في الدولة، ومن ناحية أخرى كانت باكستان الشرقية تحوي بداخلها عدد سكان أكبر من باكستان الغربية، وأيضًا مساحة أراضيها أقل ولذلك كان لديها ازدحام سكاني في حين كانت باكستان الغربية لديها متسع لجميع شعبها، فأراضي غرب باكستان أكبر وعدد سكانها أقل ولذلك كان هناك اختلاف واضح بين شطري الدولة الجديدة، ولا ننسى أن عدد سكان أكبر يعني إنتاجية اقتصادية ومساهمة أكبر وهذا ما كان يحدث في شرق باكستان فعلًا، ولذلك ازدادت العلاقات بين شطري الدولة توترًا وحدثت اختلافات كثيرة، نتج عنها انفصال في الدولة الجديدة بمساعدة دولة الهند حيث تأسست دولة أجدد في شرق باكستان سميت باسم بنجلاديش أو بنغلاديش.

مشكلة كشمير

انفصال باكستان مشكلة كشمير

لم تكن مشكلة شرق باكستان وانفصالها عن غربها هي المشكلة الوحيدة التي ظهرت بعد انفصال باكستان عن الهند ، بل كانت بمثابة المشكلة الأكثر أهمية وحساسية فور الانفصال الجديد وبعدها مباشرة ظهرت مشكلة أخرى ألا وهي مشكلة كشمير، وللأسف لا تزال هذه المشكلة موجودة حتى يومنا هذا، فمنطقة كشمير كانت تحوي بداخلها وقت ظهور المشكلة حوالي سبعة ملايين مسلم ينظرون إلى باكستان على أنها وطنهم الأساسي، وذلك لكون كشمير تضم منابع مياه الري التي تمد باكستان بالمياه وطبيعيًا لابد من ضمها لباكستان، ولكن ما حدث وقت تقسيم شبه القارة الهندية هو أن حاكم مقاطعة كشمير قرر الانضمام للهند، وهذا حقه حيث أن التقسيم كان مبني على قرار حاكم المقاطعة فمن أراد الانضمام للهند انضم ومن أراد الانضمام لباكستان انضم، وبما أن حاكم كشمير كان هندي هندوسي فقرر الانضمام للهند.

ولكن كشمير تابعة جغرافية لباكستان وتعد من أملاكها ولا يمكن فصلها عنها، وهذا ما أدى إلى ظهور مشكلة لم يتم حلها حتى يومنا هذا فباكستان تستند للحق في تلك الأرض، والهند تستند للجانب القانوني الذي أكسبها حق ضم تلك الأراضي إلى باقي أراضيها، وبالرغم من انقسام كشمير إلى شطرين الأول للهند والثاني لباكستان إلا أنه وإلى الآن لا تزال توجد صراعات خفية بين الدولتين، فكل منهما تدبر للأخرى هجمات سرية بعيدة عن الرسمية أو الاعتراف الدولي.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

أربعة عشر − تسعة =