الميتافيزيقا والعلم

تمثل الميتافيزيقا مبحثًا هامًا وأساسيًا في الفلسفة، فطوال تاريخ الفكر الفلسفي سنجد حجر الأساس بالنسبة للفلسفة هو الميتافيزيقا وأسئلتها المحورية الخاصة بقضايا الوجود والموضوعات المجاوزة للعالم الحسي والتجريبي الملموس. وقد مرت الميتافيزيقا بمراحل تاريخية عديدة فكانت في العصور القديمة تمثل الملكة المتوجة للعلوم جميعها، بل هي الحكمة ذاتها. لذلك سوف نجدها مختلطة بالعلم قديمًا فقد كان العلماء فلاسفة أيضًا، فمجردة نظرة إلى الوراء سنجد أن أسماء فلاسفة مشهورين مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد ومن قبلهم أفلاطون وأرسطو، كانوا جميعهم علماء في مجالات مختلفة. لكن مع بزوغ العصر الحديث وبداية استقلال العلوم المختلفة عن الفلسفة من خلال اصطناع منهج علمي تجريبيي جديد غير المنهج الفلسفي التقليدي الذي يعتمد على التأمل والبرهان العقلي فقط؛ فقد بدأ منذ ذلك الوقت الصراع بين الميتافيزيقا والعلم وتعرضت الميتافيزيقا بمنهجها التأملي الخالص إلى النقد والهجوم في العصر الحديث. وسوف نركز في هذا المقال على مناقشة تلك القضية الشائكة لتوضيح تلك العلاقة التي يمكن أن تقوم بين مجالين معرفيين مثل الميتافيزيقا والعلم الحديث كما هو متعارف عليه اليوم بمنهجه التجريبي، مع بعض العناصر التمهيدية التي توضح تعريف الميتافيزيقا ومفهومها ومكانتها داخل التفكير الفلسفي.

ما هو علم الميتافيزيقا؟

إن كلمة ميتافيزيقا في أصلها المشتق من اللغة اليونانية القديمة، تعني بشكل حرفي (ما بعد الطبيعة). والحقيقة أن كلمة ميتافيزيقا قد وضعت خلال استخدامها لأول مرة، من أجل الدلالة على مجموعة معينة من المؤلفات الفلسفية للفيلسوف اليوناني “أرسطو”. وكانت تلك المؤلفات موجودة في شكل مقالات تم تسميتها بالحروف اليونانية. لكن الكلمة نفسها لم تكن من وضع أرسطو، بل نشأت هذه الكلمة في القرن الأول قبل الميلاد نتيجة لقيام “أندرونيقوس الروديسي” بترتيب مؤلفات أرسطو. فقد كان علم الطبيعة أو الفيزيقا (وهي الفلسفة الثانية) موجودة في آخر ترتيب العلوم، ثم بقيت بعد ذلك مجموعة مقالات سماها أرسطو (الفلسفة الأولى)، ووجد أندرونيقوس أنها لا تدخل في أي من العلوم السابقة فقام بوضعها في آخر القائمة؛ ومن ثمّ جاء ترتيبها بعد علم الطبيعة. وبناء على ذلك تم تسميتها بمبحث (ما بعد الطبيعة)، أي المبحث الذي يأتي في ترتيبه بعد علم الطبيعة في قائمة مؤلفات أرسطو الفلسفية. لذلك فإن الكلمة من حيث النشأة، لا تمثل اسمًا لعلم من العلوم بقدر ما هي اسم لكتاب. لكنها تطورت بعد ذلك وأصبحت تدل على موضوع للبحث وليس مجرد ترتيب أو دلالة على كتاب.

ويمكن تعريف الميتافيزيقا، والتي يمكن تسميتها أيضًا بالأنطولوجيا (مبحث الوجود)، من خلال طرح السؤال التالي: ما الذي يوجد؟ أو بصيغة أخرى: ما هو الوجود؟ وعلى الرغم من بساطة السؤال لكنه يتسم بالجوهرية والشمول في تاريخ الفكر البشري، لأنه يقيم تقابلًا بين المظهر والواقع في هذا العالم الذي نحياه. ومع أننا نستمد تصوراتنا عن الواقع من خلال العلوم الحديثة، لكننا لا نضمن أن كل ما هو حقيقي في هذا الوجود يمكن أن يعود إلى علم من العلوم. فالعلم سيظل واقفًا مكتوف الأيدي أمام نوعية معينة من التساؤلات البشرية مثل الله أو النفس أو الخلود؛ لذلك يبدو لنا بشكل مبدئي من ناحية حدود كل من الميتافيزيقا والعلم أنهما لا يتصارعان بقدر ما يبدأ أحدهم عندما ينتهي الآخر.

الميتافيزيقا في الفلسفة

يعد هذا المبحث المسمى بما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا، أحد المباحث الفلسفية التي يتم تصنيفها إلى ثلاثة مباحث كبرى:

  • أولاً: مبحث الوجود أو الأنطولوجيا، وهو يهتم بالبحث في طبيعة الوجود بصفة عامة وفي حقيقته، وهل هو كثير أم واحد، ثابت أم متغير، مادي أم روحي.
  • ثانيًا: مبحث المعرفة أو الإبستمولوجيا، ويهتم بالبحث في عملية المعرفة البشرية من حيث إمكان قيامها ومصدرها وطبيعتها وحدودها.
  • ثالثًا: مبحث القيم أو الأكسيولوجيا، ويهتم بالبحث في القيم الإنسانية التي تشتمل على ثلاثة مجالات هي الحق والخير والجمال (أي المنطق والأخلاق وعلم الجمال).

وهناك مؤرخين يطلقون على مبحثي الوجود والمعرفة معًا اسم الميتافيزيقا على أساس أن البحث في الوجود ما هو إلا بحث في معرفتنا به.

الميتافيزيقا عند أرسطو

إن الميتافيزيقا عند أرسطو تتميز بأنها بمثابة العلم الأعم أو الأشمل في العلوم لأنها تبحث وتكشف عن العلل والأسباب الأولي. وبما أنها تبحث في المبادئ والعلل الأولى والتي تمثل أعلى الأشياء في درجة يقينها، فإن الميتافيزيقا تعتبر أكثر العلوم يقينًا لديه. وتتميز الميتافيزيقا أيضًا بأنها أكثر العلوم تجريدًا نتيجة لابتعادها عن الواقع المحسوس. وهي أيضًا أشرف العلوم لأن موضوعها يرتبط بأشرف الموضوعات وهو (الله)، حيث نجد أنه كان يسميها بالعلم الإلهي. وأخيرًا سوف نجد أن الميتافيزيقا عند أرسطو ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفيزيقا أو الطبيعة، لأن فهم الفيزياء عنده يعتبر بمثابة مدخل حقيقي لفهم ما بعد الطبيعة؛ بطريقة تجعل ما بعد الطبيعة مجرد امتداد للطبيعة ، بل إن بعض المؤرخين يذهب إلى أن الميتافيزيقا عند أرسطو هي نفسها نوع من الفيزيقا وليست امتداد لها. وهذا الأمر يشير لنا بشكل مبدئي إلى أن الارتباط بين الميتافيزيقا والعلم أمر قديم منذ نشأة الفلسفة في الحضارة اليونانية. وسوف نعرض هذا الأمر بشيء من التفصيل في بقية موضوع المقال.

العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم

إذا حاولنا أن نفهم أولًا الشروط التي ينبغي على أي مجال معرفي أن تتوافر فيه، لكي نطلق عليه مسمى (العلم)، فسوف نجد شرطين أساسيين هما: أولاً وجود طريقة مرتبة ونسقية للتفكير وهو ما يسمى المنهج. ثانيًا وجود موضوع محدد وواضح يدور حوله هذا التفكير.

وعندما ننظر إلى الميتافيزيقا باعتبار أنها تبحث في الوجود المجرد الخالص، فهل يمكن أن نسمي الميتافيزيقا بهذا المعنى، علمًا؟ أي علم الوجود الخالص؟ الحقيقة أن الشرط الأول يتحقق أي استخدام منهج، لكن الشرط الثاني الخاص بوجود موضوع محدد يدور حوله الفكر لا يتحقق. فيوجد لأي علم موضوع يبحث فيه ويكون متميزًا عن موضوعات البحث الخاصة بالعلوم الأخرى، وبدون هذا التميز والاختلاف لا يمكن التفرقة بين علم وآخر.

وفي المقابل سوف نجد أن (الوجود الخالص) بوصفه موضوعًا للميتافيزيقا، يفتقر إلى أي تحديد ويخلو من من أي تمييز له عن أي شئ آخر. وبالتالي فإن الميتافيزيقا لا يمكن أن نطلق عليها علمًا من العلوم كما نصطلح على تلك التسمية المعتادة اليوم. ويظهر أمامنا إذًا أن مجاليّ الميتافيزيقا والعلم يمثلان مجالين معرفيين منفصلين عن بعض، يتحرك كل منهما في طريقه ومن خلال أدواته الخاصة بشكل مستقبل لكنهم في حقيقة الحال يكمل بعضهم البعض دون تطابق أو تضاد.

وسنجد الميتافيزيقا تختلف وتتمايز أيضًا بشكل ما عن الفلسفة نفسها بالرغم من تصنيفها كمبحث من مباحث الفلسفة الكبرى. فالفلسفة كما يشير معناها القديم أي حب الحكمة أو البحث عنها، فإن أرسطو يسمي الميتافيزيقا نفسها باسم (الحكمة) أو الفلسفة الأولى كما أشرنا. إذن يمكن القول بأن الميتافيزيقا ليست علمًا وكذلك ليست فلسفة، بل إنها هي ما يفترضه العلم افتراضًا مسبقًا وهي كذلك الهدف الأخير السامي الذي تهدف الفلسفة إلى تحقيقه والوصول إليه. وسوف نفصل هذه النقطة الخاصة بطبيعة الارتباط بين الميتافيزيقا والعلم في العناصر التالية.

العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم في العصر القديم

إن العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم كانت موجودة بشكل وثيق على مدار التاريخ، منذ الحضارة اليونانية القديمة وحتى يومنا الراهن. ففي الفلسفة اليونانية لم يكن هناك تمييز بين الفيلسوف وبين العالم، سواء كان العلم الطبيعي مثل طاليس وأرسطو، أو كان العلم الرياضي مثل فيثاغورس وأفلاطون. وظهرت التفرقة لأول مرة في تصنيف أرسطو بين العلوم الفلسفية النظرية التي احتوت على (الطبيعيات، والرياضيات، والإلهيات والميتافيزيقا)، وبين العلوم العملية التي احتوت على (الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة). ومع ذلك فإن الارتباط بين الميتافيزيقا والعلم في تصنيف أرسطو كان واضحًا،ن فهما ممن العلوم النظرية التي تستخدم أداة مشتركة واحدة وهي العقل، ويهدفان إلى الوصول لهدف واحد وهو: الحقيقة.

ويمكننا أن نرى ارتباط الميتافيزيقا والعلم الطبيعي في تعريف أرسطو لها بوصفها (علم العلل الأولى)، وهو الأمر الذي يعني أن هناك علل أخرى هي العلل الثانية؛ وبالتالي تصبح الميتافيزيقا هي امتداد للفيزيقا التي تمثل مجال العلل الثانية. ولذلك فإن الفيلسوف الألماني “مارتن هايدجر” يؤكد على أن الميتافيزيقا في الفلسفة القديمة عمومًا وفي فلسفة أرسطو تحديداً، ما هي إلا امتداد لعلم الطبيعة، حيث تدرس الخصائص العامة لهذه الموجودات الطبيعية بما هي موجود. ومع نهايات العصور الوسطى وخلال الانتقال من الفكر الوسيط إلى الفكر والفلسفة الحديثة، سنجد تأكيدًا جديدًا يعطي أهمية كبرى للتجربة في العلم، والتقليل من أهمية البرهان المنطقي. فالبرهان الذي ينتمي إلى الاستنتاج ويجعلنا نتفق معه، لا يقضي على الشك بطريقة حاسمة لكي يتقبل العقل النتائج ويرى الحقيقة؛ لذلك يظل الإنسان في حاجة إلى طريق التجربة الحسية لكي يكتشف هذه الحقيقة.

ومع بدايات الفلسفة الحديثة لدي الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت”، سنجد عودة الارتباط بين الميتافيزيقا والعلم . فقد قدم ديكارت العلم بوصفه وحدة كلية لا تتجزأ، وهذا العلم يتم تقسيمه إلى ثلاثة أقسام هي: الميتافيزيقا التي تتضمن مبادئ المعرفة، والفيزيقا التي تعني بالمبادئ الصحيحة للأشياء المادية، والعلوم الأخرى التي فيها منفعة. ويرى ديكارت الفلسفة على أنها شجرة حيث تكون الميتافيزيقا بمثابة الجذور الأولى التي يتم بناء العلم عليها، ثم تأتي الفيزيقا التي تمثل جذع الشجرة، وأخيراً تأتي الفروع والتي تشتمل على العلوم الأخرى (كالطب والميكانيكا والأخلاق). ولكننا سنجد تعرض الميتافيزيقا تتعرض للنقد والهجوم مع بداية ظهور العلم في القرن السابع عشر.

العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم في العصر الحديث

لقد واجهت الميتافيزيقا في العصر الحديث هجومًا عنيفًا وانتقادات كثيرة من قبل أناس اعتقدوا أنهم بذلك يدافعون عن المنهج العلمي المتمثل في الاستقراء، وبذلك يبتعد العلم عن التأمل النظري والعقلي الذي اعتاد فلاسفة الميتافيزيقا أن يتبعوه. وهذا المنهج التأملي العقلي هو ما سوف يضر بتقدم العلم ومسيرته السريعة. فقد أصبح العلم لدى هؤلاء الأشخاص بمثابة المصدر الوحيد القادر على إعطاءنا تفسيرات وفهم أفضل لكل شئ في هذا العالم، فضلاً عن معرفة أسباب الظواهر المختلفة التي سعى وراء فهمها الميتافيزيقيين بالعقل المجرد فقط. فنتذكر في هذا السياق الفيلسوف الإنجليزي “ديفيد هيوم” الذي اعتبر المشكلات الميتافيزيقية بلا معنى وأن الاهتمام بها ومناقشة قضاياها لن يسفر على شئ سوى أوهام ولغو فارغ.

ثم جاء الفيلسوف الألماني الشهير “إيمانويل كانط” بفلسفته النقدية في العصر الحديث، لتتخذ العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم أبعادًا جديدة، حيث أنه قام بتقديم إصلاحات حاسمة وهامة في التفكير الميتافيزيقي. فقد حصره في ثلاثة موضوعات وهي الله والحرية والخلود، وتلك الموضوعات لا يمكن للبشر أن يتجاهلوها. لذلك فليست القضية هي أن نتخلص من الميتافيزيقا بل يجب أن نقوم بتحسينها وإصلاحها. والحقيقة أننا لو تأملنا مفكري عصر التنوير في القرن الثامن عشر الذين هاجموا الميتافيزيقا، فسوف نجدهم في حقيقة الحال يهاجمون أسس المعرفة البشرية كلها، وبالتالي فقد أصبحوا هم أيضًا دون أن يدروا مجرد أعداء للعلم الذي ادعوا أنهم يدافعون عنه. فعندما كتب “كانط” كتابه الشهير (نقد العقل الخالص)، فإنه أراد أن يوضح السبيل أمام ميتافيزيقا مستقبلية سوف تتشكل من خلال نقد الأخطاء التي وقعت فيها الميتافيزيقا التقليدية القديمة.

الأصول الميتافيزيقية للعلم

إن العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم شديدة الارتباط حتى في العصر الحديث، لأننا سنجد في حقيقة الأمر أن العلم الحديث ذاته يقوم بناءه على أصول ميتافيزيقية لا يمكنه أن يستمر يوجد إلا عليها وبها. وتظهر تلك الأسس الميتافيزيقية في أربعة أمور يمكن توضيحها كما في النقاط التالية.

التصورات والفرضيات المسبقة التي تدخل في تفسير الكون

لقد كان العالم القديم يقوم بتفسير الظواهر الطبيعية والمادية من خلال مفاهيم ومقولات مثل الجوهر والماهية والكم والكيف، على اعتبار أن كل ما في العالم الطبيعي يتكون من جواهر وماهيات تحمل أعراضًا. والجواهر هو الشيء الثابت الدائم على عكس الأعراض التي تمثل التغير والأمور الزائلة. وقد انتشر في العصر القديم تلك النظرة الهرمية للعالم وفقًا للترتيب التصاعدي للأشياء، في التفسير والفهم العلمي للظواهر، وهي رؤية ميتافيزيقية بشكل أساسي. ففي هذا الترتيب نجد أن ما هو أدنى موجود لصالح ما هو أعلى منه. وما هو أعلى إنما يكون كذلك لسبب واحد فقط وهو المبدأ العقلي الذي يوجد فيه. فالجماد مثلًا أقل المراتب في الوجود يقوم على خدمة النباتات وهي بدورها توجد لصالح الحيوان والذي يوجد بدوره لصالح الإنسان وهكذا. وبذلك نجد أنه يوجد مجموعة من التصورات والمفاهيم الميتافيزيقية التي حكمت العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم ، بحيث تمثل البنية التحتية للعلم في العالم القديم، وقد استمرت تلك التصورات في العصور الوسطى إلى حد كبير، حتى حل محلها مفاهيم ميتافيزيقية جديدة في العصر الحديث.

العلاقة بين الإنسان والعالم الطبيعي في عملية المعرفة

لقد كان المعتقد السائد في وقت ما، بشأن الطريقة التي يعرف بها الإنسان الكون، هي أن الإنسان يمثل الجانب الإيجابي النشط في عملية المعرفة، بينما تمثل الطبيعة الجانب السلبي الخامل. فعملية الرؤية على سبيل المثال تتم من خلال خروج شعاع من الشخص العارف أي الإنسان، تجاه العالم الطبيعي المادي أي موضوع المعرفة، وبالتالي لا يحدث العكس أي من الموضوع (الشيء) تجاه الذات العارفة (الإنسان). ويتم اعتبار الأشياء المختلفة كالنار والماء والهواء مثلاً، بوصفها جواهر مختلفة. ومع ذلك كان هناك أمر محير بشأن الماء البارد والماء الساخن في فيزياء العصور الوسطى؛ فكيف يمكن لنفس الشيء (الماء) أن يكون له خواص الحرارة والبرودة معًا، بالرغم من أن الحرارة والبرودة يمثلان جوهران منفصلان؟ فإذا كانت الحواس قادرة على التفرقة بينهم، فإن تلك الخصائص تمثل كيفيات مستقلة ومنفصلة، وتكون كل منها حقيقة قائمة بذاتها.

التفسير الغائي ورؤية الأشياء من منظور الأغراض البشرية

إن العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم تتجلى أيضًا في مفهوم التفسير الغائي، الذي ساد تاريخ الفلسفة فترة طويلة وكان يعد تفسيرًا حقيقيًا وأكثر أهمية من التفسير السببي الذي يربط الأشياء بعضها ببعض بعلاقة سببية. فقد كان الناس يعتقدون أن المطر يأتي من أجل القمح الذي يزرعه الإنسان، وهذا التفسير صحيح تمامًا مثل صحة التفسير الخاص بأن المطر يسقط بسبب اصطدام السحب بمناطق باردة. وبذلك فقد تم توظيف التشبيهات والتماثلات القادمة من النشاط الغرضي للإنسان بطريقة واسعة ودون حدود. وكل تلك الأمور تؤكد على أن العلم في العصر القديم والوسيط تحديدًا، كان يتم بناءه على فرضيات مسبقة وتصورات ميتافيزيقية، بحيث تشير عمومًا إلى أن الإنسان بوسائل معرفته وأغراضه، هو العنصر والجزء الأهم في هذا الكون والعالم الطبيعي.

ومع ذلك فإن الميتافيزيقا والعلم لم ينفصلا تمامًا في العصر الحديث عندما تم التخلي عن فكرة الغائية الميتافيزيقية، بل على العكس من ذلك فقد جاءت تصورات ميتافيزيقية جديدة لتحل محل القديم. فقد استبدل العلم مفهوم ميتافيزيقي بمفهوم آخر، عندما اعتقد أن الطبيعة لا تنطوي على أي شئ من الغاية أو الغرض، بل تسيطر عليه الرؤية اللاحتمية والعبثية. وكانت هذه هي رؤية العلم الحديث للعالم الطبيعي.

رؤية العالم بين العصر الوسيط والعصر الحديث

نريد الآن أن نعقد مقارنة بين تصور العالم كما كان سائدًا في العصور الوسطى وبين هذا التصور الذي ساد في العصر الحديث، وهذه الرؤية أو الصورة كانت في العصرين معًا الوسيط والحديث، بمثابة الأساس الميتافيزيقي الذي يقوم عليه العلم في هذا العصر أو ذاك، وهو الأمر الذي يؤكد طبيعة العلاقة المتداخلة بين الميتافيزيقا والعلم .

فرؤية العالم في العصر الوسيط قد تلخصت في أن:

  • الأرض تمثل مركز الكون، بحيث تدور حولها الشمس والقمر وكافة الكواكب الأخرى.
  • اعتقد الناس أن الله قد خلق هذا العالم مثلما جاء في سفر التكوين حوالي عام 4004 ق. م. وهذا التاريخ يأتي نتيجة جمع أعمار بني آدم مثلما حكاها الكتاب المقدس.
  • اعتقد الناس أيضًا أن نهاية الكون سوف تكون في عام 4004 بعد الميلاد، من أجل أن يكون تاريخ العالم متناسقًا مع حياة المسيح الواقعة في المنتصف وهو مركز الزمان.
  • إن هذا الكون يتحرك وفقًا لخطة وحكمة إلهية صارمة، فلا شئ في هذا العالم يسير بدون غرض أو هدف أو غاية، بل إن المعنى يغمر كل شئ سواء كان شيئًا ضئيلًا أم شيئًا عظيمًا. ولا يمكن لعقل الإنسان المحدود أن يكتشف كل أسرار هذه الخطة والحكمة الإلهية.

وإذا تأملنا العصر الحديث وكيفية استمرار تلك العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم ، حيث تغيرت تلك الرؤية القديمة برؤية وتفسير علمي أو ميكانيكي جديد، يقوم بفهم وتفسير العالم من خلال فهم أسبابها وعللها وليس أغراضها. وهذا التفسير أو المنهج العلمي ما هو إلا فهم للظواهر من خلال القوانين الطبيعية، حيث يعتبر تفسير القوانين هو تفسيرًا بالأسباب. وقد انعكس هذا المنهج العلمي الجديد في رؤية العالم، على القيم الإنسانية وإعادة فهمها وتفسيرها بشكل جديد. فالأخلاق وكذلك الجمال، بدأت تتخذ بعدًا ذاتيًا ونسبيًا وابتعدت عن الموضوعية؛ ومن ثمّ تغيرت الرؤية التقليدية التي كانت سائدة بشأن القيم الأخلاقية والجمالية. ومع ذلك فإن الرؤية الميتافيزيقية للعالم التي تكونت في العصر الحديث لم تعد مرضية أو مقنعة لكي يقوم عليها العلم في الحقبة المعاصرة. لذلك بدأت العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم المعاصر تتخذ شكلاً جديدًا مع احتفاظهما بنوع من الترابط والتكامل المستمر.

العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم في الحقبة المعاصرة

إن العلم يشترك مع خبرتنا اليومية العادية، في أنه يخلق مشكلات تتميز بسمة رئيسية مشتركة، وهي رؤية التناقض بين الظاهر والحقيقة؛ وهذا الأمر سيجعلنا نقترب تمامًا من الميتافيزيقا. والحقيقة أن العلم كلما زاد تقدمه خلال القرون السابقة، فإن هذا التناقض بين ظاهر الأشياء وحقيقتها يزداد وضوحًا وقوة دون أن يقل، فلم يتمكن العلم من سد تلك الفجوة بين ما يكتشفه العلم من حقائق وبين ما يظهر في حياتنا اليومية المعتادة.

معرفة ظاهر الأشياء لا حقيقتها في الرؤية العلمية المعاصرة

وإذا ما تأملنا تصور العلماء بشأن (طبيعة المادة) الذي تم تشكيله طوال فترات التاريخ، فسوف نلاحظ بوضوح عملية الانتقال بين الميتافيزيقا والعلم من خلال موقف علماء الطبيعة المعاصرين، الذي يبعدنا عن حقل العلم، لينتقل بنا إلى الميتافيزيقا. وقد مرت مشكلة طبيعة المادة بمراحل متعددة، انتهت إلى نتيجة وصل إليها علماء فيزياء الكوانتم والنظرية النسبية؛ بحيث يرون أننا نجهل حقيقة الأشياء ولا نعلم منها إلا ظاهرها فقط. وقد بنى العلماء هذه النتيجة الغريبة على الأسس التالية:

  • أولاً: العالم المادي الخارجي الذي نشاهده يوميًا ويوجد بشكل منفصل ومستقل عن إدراكنا له، لا يتطابق مع العالم الذي ندرسه ونحاول كشف أسراره وفهم قوانينه التي تحركه.
  • ثانيًا: لقد تحولت المادة التي ندرسها في هذا العالم إلى مجرد مجموعة من المعادلات والقوانين الرياضية، دون أن يكون لها علاقة بالمادة التي نشاهدها ونختبرها بشكل يومي في حياتنا العادية.
  • ثالثاً: لقد بدأ العلماء إجراء أبحاثهم عن طريق التجربة لكنهم انتهوا إلى موقف فلسفي بحت، لا يمكن إثباته أو إنكاره من خلال التجربة؛ وذلك عندما تحول هذا المنهج العلمي التجريبي إلى مجموعة من المعادلات والقوانين الرياضية الخالصة.

المعرفة التجريبية المعاصرة هي مشروع أكثر منها منهج

إن المعرفة العلمية المعاصرة قد بنت العلاقة الجديدة بين الميتافيزيقا والعلم ، عن طريق الإعلان بأنها تقف أمام مشروع تجريبي وليس مجرد منهج تجريبي؛ حيث أن المنهج يتسم بأنه مرسوم ومحدد المعالم ومغلق، بينما المشروع يتميز بأنه منفتح دون التقيد بحدود وخطوات مرسومة مسبقًا ودون أن يتحرك في اتجاه أحادي كما في المنهج، بل ينتشر في اتجاهات عديدة. ويعتمد المشروع على التواجد بين العقل والواقع، بين الفكر والطبيعة، بين الأدوات التجريبية وبين المعادلات الرياضية. فكثيراً ما نجد العلماء المعاصرين، وقد انتهوا إلى مواقف ورؤى ميتافيزيقية خالصة تقترب أحيانًا من الرؤى المثالية. فالعالم الذي يفسره ويعرفه العلماء يصبح من خلق الذات العارفة، وليس عالمًا موضوعيًا يوجد بشكل مستقل ومنفصل عن إدراك الإنسان أو الذات العارفة عنه، أي العالم كما يظهر لنا وليس كما هو في حقيقته، وبذلك يحدث التداخل بين الميتافيزيقا والعلم .

بنية المفاهيم الفلسفية والتحيزات المسبقة في عقل العلماء

لم يعد مقبولاً لدى الكثيرين الآن أن ينظروا إلى العلماء بوصفهم عقول موضوعية خالية من أي تحيزات أو أفكار أو أحكام مسبقة، أثناء ممارساتهم العلمية. بل إن الرؤية السائدة هي التأكيد على أن هناك مفاهيم وتصورات فلسفية مسبقة تحكم عقل العلماء في تفسيراتهم العلمية. لقد أصبح العالم الذي يدرسه العلماء عالم ذاتي يقومون بالتدخل فيه بتجاربهم وفرضياتهم المسبقة وأدواتهم وليس مجرد ذهن خال من أي تحيزات كما كان التصور التقليدي عما ينبغي عليه أن يكون ذهن العالم. ويؤكد فيلسوف العلم المعاصر “جاستون باشللار” هذا التداخل بين الميتافيزيقا والعلم ، حيث أن لكل عالم فلسفته الخاصة وبنيته العقلية الخاصة، فلا يوجد عقل بلا بنية مسبقة. والتجربة في العلوم الطبيعية ليست مغلقة على نفسها بل يوجد شئ آخر وراءها ويتجاوزها. لقد أراد باشللار أن يقيم حواراً وجسراً من التواصل المستمر بين الفيلسوف والعالم، وبالتالي تلتقي الميتافيزيقا والعلم على جانب واحد مشترك؛ فنقوم باستبدال الميتافيزيقا التخمينية والحدسية المباشرة، بأخرى مقالية مصححة بطريقة موضوعية.

خاتمة

إن الدرس الختامي الذي يمكن أن نتعلمه من هذا المقال، هو أن الميتافيزيقا والعلم يلتقيان، حيث نجد في أحيان كثيرة أن العلماء يتحركون بعيدًا عن مجال بحوثهم وتجاربهم العلمية، نحو بعض المشكلات الفلسفية والميتافيزيقية البحتة؛ ثم يشرعون في بناء وتكوين رؤى فلسفية تتسق وتتآلف مع النتائج التي توصلوا إليها في أبحاثهم العلمية، بالإضافة إلى شوقهم المعرفي الدائم للتراث الفلسفي. وعلى صعيد آخر سنجد اهتمام الفلاسفة بمتابعة الأبحاث العلمية ونتائجها، وهو اهتمام كبير حيث أن الفلسفة تبدأ من حيث ينتهي العلم ولا يمكنه التحرك بعد ذلك. لا يمكن إقرار شئ إذاً في خاتمة المقال سوى التأكيد على ذلك التكامل بين الميتافيزيقا والعلم بالرغم من ذلك الصراع والهجوم الذي حدث عليها في العصر الحديث.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثلاثة × ثلاثة =