الذرة

عند تتبع تاريخ الذرة ومتى بدأ الإنسان يفكر لأول مرة في ماهية الأشياء التي حوله، سنجد أن أمبيدوكليس الفيلسوف اليوناني هو أول من قدم فكرة لبناء المواد حيث كان يرى أن جميع المواد في الكون تتكون من أربعة مواد رئيسية وهم الأرض، والماء، والنار، والهواء، وباختلاف نسب هذه المكونات تختلف المادة وخواصها الطبيعية والكيميائية، وبعد أمبيدوكليس ظهر ديموقريطس والذي ظهر على يده مصطلح Atom (الذرة)، واعتقد ديموقريطس أن كل المواد تتكون من ذرة صغيرة صلبة غير قابلة للانقسام أو الانضغاط، وكان يظن أيضا أن مشاعرنا مرتبطة بهذه الذرات حيث نشعر بالآلام بسبب ذرات شريرة وهكذا، وبعد هذه الفترة ظهرت قوانين مهمة في تاريخ العلم مثل: قانون النسب الثابتة، قانون بقاء الكتلة، قانون النسب المتعددة، وهنا لم يعد العلم يستمع إلى تفسيرات من هوى صاحبها، بل أصبح يأخذ النظرية التي يدعمها الدليل العلمي فقط، وهنا ظهرت أقوى النماذج التي تفسر تركيب الذرة.

نموذج دالتون في بنية الذرة

الذرة نموذج دالتون في بنية الذرة

في بداية القرن التاسع عشر ومع ظهور العديد من القوانين الطبيعية التي ذكرناها سابقا، ظهر لنا تفسير دالتون لتركيب الأجسام المادية، ونص تفسير دالتون على أن جميع المواد تتكون من أجسام صغيرة جدا وغير قابلة للتجزئة وهي الذرات، وأوضح أن هذه الذرة الصغيرة هي جسم مصمت، وقال بأن ذرات العنصر الواحد متشابهة في الخواص الطبيعية والكيميائية مثل: الكتلة والحجم، وتختلف هذه الخواص من عنصر لأخر، ومن هنا تظهر الأشكال المختلفة للمواد، وكان يرى أن ذرات العناصر المختلفة تتحد مع بعضها لتكون العديد والعديد من المواد المختلفة، ويعتبر التفسير الذي وجده للتفاعلات الكيميائية هو أن هذه الذرات تتبدل أثناء التفاعل الكيميائي وتتحد الذرات مع بعضها في شكل جديد، وبالتالي خواص جديدة، وقال أن الذرة عبارة عن جسم دائري مضغوط لا يمكن اختراقه بأي وسيلة، ولقى نموذج دالتون استحسان وحفاوة كبيرة بين العلماء، وذلك حيث فسر الكثير من الأمور الغير واضحة في عصره، بل ساعد النموذج الذي قدمه في ظهور العديد من القوانين الأخرى.

نموذج طومسون في بنية الذرة

في عام 1896م قام العالم طومسون بإجراء بعض التجارب الخاصة بالتحليل الكهربي، والتي كان يستعمل فيها أنبوبة قريبة في التركيب من أنبوبة العالم كروكس، وأثناء دراسته لأشعة الكاثود في الأنبوبة توصل إلى أن هذه الأشعة أصغر بكثير من الذرة وأطلق عليها إلكترونات، وهنا انقلب المجتمع العلمي على رأسه، حيث أنه لأول مرة ظهرت فكرة وجود أجسام أصغر من الذرة، أو بمنطق أخر يمكن تقسيم الذرة، ولم يمضي سوى عام واحد حتى أطلق لفظ إلكترون على هذا الجسيم المكون لأشعة الكاثود وتم التأكد من أن هذا الجسيم سالب الشحنة، وترك الأمر العديد والعديد من علامات الاستفهام وذلك حيث كانت كل الأبحاث تشير إلا أن الذرة متعادلة كهربيا، وظلت هذه المشكلة قائمة حوالي 10 سنوات، وظلت خلال هذه الفترة النماذج والاقتراحات تتقدم لحل هذه المشكلة، حتى قدم طومسون النموذج الخاص به في تركيب الذَّرة وينص النموذج على أن الذَّرة عبارة عن كرة مصمتة موجبة الشحنة يتخللها الإلكترونات السالبة، ويكون مجموع هذه الشحنات الموجبة والسالبة هو تعادل الذَّرة وهنا قال طومسون أن الذَّرة جسيم مستقر، وإذا تغير موضع الإلكترون لأي سبب فسرعان ما يعود إلى مكانه مرة أخرى، وبالطبع أعجب المجتمع العلمي كثيرا بهذا النموذج ،وانطلقت على أساسه العديد من النظريات والأبحاث الخاصة بتركيب الذرة.

نموذج رذرفورد في بنية الذرة

الذرة نموذج رذرفورد في بنية الذرة

قام رذرفورد أيضا بتقديم نموذج عن الذرة، ويعتبر النموذج الخاص به من النماذج المميزة عن الذرة، وذلك حيث قام بعمل تجربة علمية غيرت الكثير من مفهومنا عن الذرة، وهذه التجربة هي تجربة رقائق الذهب، وسمح فيها رذرفورد لشعاع من جسيمات ألفا القادم من عنصر مشع محفوظ داخل مجال خاص أن يمر خلال صفيحة من الذهب رقيقة جدا وقام باستقبال هذه الأشعة على لوح من كبريتيد الخارصين والذي سيضيء عندما تلامسه مع أشعة ألفا وبالتالي يستطيع دراسة مسار الأشعة داخل الذرة، وكانت نتائج التجربة هي مرور معظم الأشعة في خط مستقيم وانحراف جزء صغير من هذه الأشعة في حين ارتد بعض الأشعة ولم تصل للوح كبريتيد الخارصين، وحيث كانت شحنة أشعة ألفا معروفة وشحنة الإلكترون والنواة معروفة بالتالي كان من السهل التنبؤ بمعظم الذي حدث داخل الذرة، وعليه قدم رذرفورد النموذج الذري الخاص به، وينص نموذج رذرفورد على أن الذرة تشبه المجموعة الشمسية، الشمس هي النواة والكواكب هم الإلكترونات وتدور الإلكترونات على مسافات متباعدة من النواة، وبم أن حجم هذه النواة صغير مقارنة بحجم الذرة إذا الذَّرة معظمها فراغ، كما تتركز كتلة الذرة وشحنتها الموجبة في النواة التي تتركز في منتصف الذرة، وتتعادل شحنة هذه النواة مع شحنة الإلكترونات السالبة التي تدور في الذرة، وقال أن هذه الإلكترونات تقع بين قوتين وهم قوة جذب النواة للإلكترونات وقوة الطرد المركزي، وبالطبع غير رذرفورد نظرة العالم عن الذرة، لكن كانت هناك بعض المشاكل التي تواجهه.

نموذج بور في بنية الذرة

عند تطبيق القوانين الميكانيكية التي توصل لها العلماء على الذَّرة التي وضع تركيبها رذرفورد كانت تختلف قوة جذب النواة للإلكترونات والطرد المركزي، وبالتالي يوجد مشكلة في تفسير رذرفورد لأن بتطبيق فكرته ووفقا للقوانين المتعارف عليها فإن الذرة كان لا بد أن تنهار على نفسها وذلك بسبب جذب النواة للإلكترونات، لم يقدم رذرفورد حل لهذه المشكلة، وظلت مجال بحث ودراسة إلى أن توصل العالم(نيلز بور) إلى تفسير علمي، ويلغي تفسيره الفكرة التقليدية للمدرات التي تدور فيها الإلكترونات، وذلك حيث قال أن الإلكترونات توجد في مستويات طاقة محددة وثابتة وعندما يكتسب الإلكترون طاقة من الحرارة أو الكهرباء مثلا فإنه ينتقل من مستوى طاقة إلى مستوى آخر، وبعد مرور جزء من مليون جزء من الثانية يعود إلى مداره الأصلي ويفقد هذه الطاقة على هيئة أطياف ضوئية، وحلت هذه الفكرة العديد من المشاكل التي كانت تواجه العلماء مثل:معرفة التردد، والطول الموجي، والطيف الخطي، وغيرهم من المسائل العلمية، ومن هنا قدم العالم بور النموذج الخاص به وكان ينص على أربعة نقاط وهم، الإلكترونات تدور حول النواة في مستويات محددة وثابتة، مستويات الطاقة تتراوح بين الرقم1 و7، الفراغ الموجود بين المدارات يحرم على الإلكترونات التواجد فيه، لا يفقد الإلكترون أي طاقة أثناء تواجده في مستوى الطاقة الخاص به.

الذرة في عالم الميكانيكا الكمية

عند الدخول إلى عالم الكوانتم سنجد حلول لمعظم المشاكل العلمية في شتى المجالات، ومن هذه المسائل التي تدخلت فيها الكمومية وساهمت في فهمها هو عالم الذرة، ونجد الذَّرة في الميكانيكا الكمية عبارة عن سحابة من الشحنات السالبة حول النواة الموجبة، وعند النظر إلى خصائص الذرة نجد أن الذرة هي أقل جسيم يميز المواد عن بعضها، ولم يتوقف العلم هنا بل أبحر داخل الذَّرة ليكتشف المزيد والمزيد من الجسيمات فالنواة مثلا تتكون من بروتونات ذات شحنة موجبة ونيوترونات متعادلة، وبما أن الذرة أصغر جسم مميز للمادة فإن البروتونات والنيوترونات التي في عنصر الزئبق هي التي في الصوديوم، وتعبر البروتونات عن العدد الذري للذرة وهو الذي يميز الذرة فعند القول الذري=2 فعلينا أن نتيقن أنه للهيدروجين، ولكن من الممكن أن يختلف العدد الكتلي للعنصر الواحد وهو مجموع النيوترونات والبروتونات في النواة وعند اختلاف العدد الكتلي للعنصر الواحد تظهر النظائر والتي نجدها بكثرة في عنصر الكوبلت كمثال، وهكذا نستطيع القول أن الذَّرة يمكن تجزئتها لكنها بهذا تفقد خصائصها، وظل العلماء يدرسون الذرة بقوانين ونظريات العالم الكمي وظل مفهومنا عن الذَّرة يتسع إلى يومنا هذا.

كيف تتكون المواد من الذرات؟

الذرة كيف تتكون المواد من الذرات؟

تميل الذرة إلى الاستقرار ولذلك تقوم بفقد أو اكتساب إلكترونات مشتركة مع ذرة أخرى في ذلك حتى تصل إلى حالة الاستقرار وتكون الذرتين مرتبطتين ببعضهما، وبالرغم من أن الإلكترون من أصغر الجسيمات في الذَّرة إلا أنه يحدد الخواص الكيميائية للذرة، وترتبط ذرة بذرة أخرى لتكوين مادة، عندما تكون قوة شد بين نواة ذرة وذرة أخرى أكبر من قوى الشد بين نواة الذرة نفسها للذرة، ولذلك تكون الذرات التي لها قشرة خارجية غير مكتملة هي الأكثر قدرة على الارتباط والدخول في التفاعلات المختلفة وتكوين العديد من المواد، على عكس العناصر الخاملة التي تكتمل فيها القشرة الخارجية بالإلكترونات وبالتالي لا تدخل في أي تفاعل كيميائي ولا ترتبط بذرات أخرى إلا تحت ظروف معينة تقوم بنزع إلكترون منها، وتعتبر الروابط الكيميائية من الروابط الأساسية التي تقوم بربط الذرات ببعضها مثل: الروابط التساهمية والأيونية، والتعاونية، وأيضا الرابطة الهيدروجينية ورابطة فان ديرفالس، وتختلف هذه الروابط تبعا لنوع العناصر التي تقوم بالربط بينهم فالربط بين كلوريد الصوديوم (ملح الطعام) يختلف عن الربط بين جزيئات الماء، وهكذا ترتبط الذرات والعناصر والمركبات معا وتتكون المواد المادية المختلفة من الذرات، عالم صغير يصنع عالم كبير.

والآن نكون قد وضحنا لكم الجزء الأهم في معرفتنا الخاصة بالذرة وتاريخها وكيف ترتبط هذه الذرات مع بعضها مكونة العالم الخاص بنا، بدأ الأمر كالسحر وهو أننا عبارة عن هواء وماء وأرض وهواء وانتهي سحرا ولكن أكثر غرابة وهو أننا عبارة عن ارتباط جسيمات صغيرة معظمها فراغ، وبالإبحار في عالم الذرة سنجد العديد والعديد من الأبواب التي يشرح كل منها في مئات الأبحاث، كالانشطار الذري والتكافؤ والطرق التي يمكننا من خلالها تحديد مكان وسرعة الإلكترون، والتي كانت مجال تنافس بين العلماء إلى أن ظهر هايزنبرج وقام بتقديم مبدأ عدم التأكد والذي يخبرنا باستحالة معرفة مكان وتاريخ الذَّرة في وقت واحد، ثم ظهور شرودنجر ومعادلته الشهيرة التي يمكنها التنبؤ بمكان وسرعة الإلكترون، وقد ساهمت معرفتنا عن الذرة الآن كثيرا في تطور العديد من المجالات العلمية والصناعية، وهكذا يظل العلم يجاوب على معظم الأسئلة والمعضلات التي نجدها في حياتنا، ويزيد من شغفنا في البحث والمعرفة والتعمق في هذا السحر الذي لا ينتهي.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

16 + خمسة =