الذائقة الشعرية

السعي إلى امتلاك الذائقة الشعرية أمر رائع بالتأكيد، خاصةً وأننا الآن قد أصبحنا في عصر تُقال فيه الكثير من القصائد وكل شخص بات بإمكانه وصف نفسه بالشاعر أو أنه يمتلك الموهبة في حين أنه ليس كذلك بالفعل، والحقيقة أن الضحية الفعلية للشعراء هم الذين لا يمتلكون الذائقة الشعرية، وذلك لأنهم لا يستطيعون التفرقة بين الشعر الجيد والسيئ مما يؤدي إلى تعود آذانهم على الشعر العادي، وأكثر ما يُمكن مُلاحظته ويدل على هذا الأمر هو ما يحدث لبعض المُحدثين الذين يُطالعون شعر القدامى مثل المتنبي أو بن ثابت أو بن نواس أو أي شاعر عربي قديم، حيث تجدهم يصفون ذلك الشعر بالسيئ، فلماذا يا تُرى يحدث ذلك؟ هذا السؤال ما سنحاول التعرف عليه من خلال السطور الآتية، حيث تعلم امتلاك الذائقة الشعرية واستخدامها في التعرف على أفضل القصائد الصالحة للاستماع أو القراءة.

ما هو الشعر؟

قبل أن نتعرف على الذائقة الشعرية وما يتعلق بها علينا أولًا التعرف على الشعر نفسه، والحقيقة أنه لا أحد تقريبًا يجهل تعريف الشعر وأنه أفضل الفنون الأدبية وأعرقها بلا جدال، فالعالم قد عرف الشعر منذ أن جلس يبحث عن طرق قضاء الوقت وتسلية نفسه، أجل، فالشعر هو نوع من أنواع الترفيه، لكنه يتميز بكونه يحتوي على جماليات وصور بلاغية ومُوسيقى جميلة تبعث في الأذهان عدة معان، وتأخذ النفس إلى رحلة من التحليق في فضاء المتعة والتأنق.

اختراع الشعر، إن كان يُمكن وصفه بالاختراع، جاء مع اختراع الإنسان للكلام، فقد وجد نفسه أحيانًا يتحدث بكلام موزون مُقفى يُثير الإعجاب ويخطف الألباب، ولذلك عكف على ترديده بصورة دائمة وسماه بالشعر، لأن أول ما يُحركه بالطبع هو الشعور، لكن ثمة سؤال مهم يجب الإجابة عليه قبل التعمق أكثر في الذائقة الشعرية، وهو من يكتب الشعر؟

من يكتب الشعر؟

سؤال مهم جدًا يجب علينا أولًا العثور على إجابة له قبل التحدث عن الذائقة الشعرية، فليس كل شخص بإمكانه كتابة الشعر، ولو كان الأمر بهذه البساطة لكان عدد الشعر أكبر بكثير من عدد الذين يستمعون للشعر، فكل شخص يُريد أن يُصبح متميزًا في هذا المجال من أجل ما يحصل عليه من شهرة ونجاح، ومن أراد حقًا أن يكتب الشعر ويتفوق فيه يجب أن يكون أولًا مالكًا للشيء الأهم، وهو الموهبة، فتلك الموهبة هي التي تُرسل له الصورة الشعرية وتجعله قادر على استخدام التشبيهات البلاغية بسلاسة، كما أنها متى تفجرت في شخص منحتها تلألأ وتميز غير طبيعيين، ولذلك فإن الشيء الأهم هو الموهبة، بعدها يأتي كل شيء آخر يُمكننا التحدث عنه.

من ضمن الشروط أو الصفات التي تتوافر في الشاعر على وجه التحديد، أو الشخص الذي يُمكننا القول إنه شاعر، حسن الاطلاع والقراءة الكثيرة وأيضًا اللباقة في الكلام، فهذه الأمور التي ذكرناها بشكل متتالي مُرتبطة ببعضها ارتباطًا وثيقًا، ليس بوسعنا أن نفعل أحدها دون الآخر ثم نُوصف بالشعراء، عمومًا دعونا نترك الحديث عن الشعراء لأنهم ليسوا موضوعنا، من يعنونا الآن هم الذين يتذوقون ذلك الشعر ويستمتعون به، والسؤال الآن، كيف يمتلكون الذائقة الشعرية؟

كيف تمتلك الذائقة الشعرية ؟

مما لا شك فيه إن امتلاك الذائقة أمر معنوي بحت، بمعنى أنك لن تذهب إلى أحد المحلات ثم تشتري منه ذائقة شعرية وتُصبح بعدها مُمتلكًا لقدرة تذوق الشعر والكلمات، وإنما ما يحدث ببساطة هو أنك تكتسبها من خلال بعض الأمور، والتي سنذكر أهمها في السطور القادمة كي يُصبح الجميع متذوقًا لما يقرأ، وعلى رأس تلك الأمور طبعًا القراءة الكثيرة.

القراءة بشكل مُكثف

أول طُرقك لاكتساب الذائقة الشعرية أن تقرأ كثيرًا وبشكل مُكثف، وطبعًا هذه القراءة أكثرها يجب أن يكون في الشعر، ففي بداية الأمر، وعندما تكون غير قادر على التفريق بين الجيد والرديء، فأنت ستقرأ كل ما يقع أمامك من شعر، قديم حديث، مصري، سعودي، عراقي، يمني، سوري، كل كلام مُقفى موزون يُمكننا أن نُطلق عليه اسم الشهر أنت مُطالب بقراءته في البداية، والحقيقة أن تلك القراءة الكثيرة سوف تجعل لديك مخزون كبير من الأبيات، ذلك المخزون سوف يُفيد جدًا في الخطوة أو الطريقة التالية من طرق اكتساب الذائقة الشعرية، وهي طريقة الفلترة.

فلترة ما تم قراءته

الخطوة الثانية من خطوات اكتساب الذائقة الشعرية بعد أن تقوم بالقراءة بشكل مكثف أن تقوم أيضًا بفلترة ما قمت بقراءته، فأنت مثلًا قد قمت بقراءة ألف قصيدة، عليك أن ترجع إلى الآخرين وتعرف كذلك ما الذي يقوله التاريخ والجمهور عن القصائد الألف التي قرأتها، فقد يكون هذا الكلام متوافق مع رؤيتك الخاصة وقد يكون الأمر خلاف ذلك تمامًا، بمعنى أنك مثلًا قد تُحب قصيدة بعينها حبًا كبيرًا وتُجذم في قرارة نفسك أنها أفضل ما كُتب في الشعر على الاطلاق، ثم تكتشف بعد ذلك أنها مجرد قصيدة عادية أو أقل من العادية، والحقيقة أن تلك الفلترة لن تقوم كما ذكرنا بفعلها بنفسك، وإنما يُمكنك الاستعانة فيها بعظماء قراءة الأدب وإنتاجاتهم، أو بمعنى أدق، كُتب النقد.

قراءة كُتب النقد

الأهم من قراءة الشعر حال رغبتك في اكتساب الذائقة الشعرية أن تقرأ في كتب النقد لذلك الشعر، والحقيقة أن كُتب النقد ليست بالصورة التي تأخذها في ذهنك عنها، فهي ليست موضوعة من أجل أن يقوم المتخصصون في القراءة بتقطيع الشعراء وأعمالهم حقدًا عليهم، وإنما تلك الكتب هي عبارة عن رؤية وقراءة نقدية في أعمالهم، تُفيد هؤلاء الشعراء إذا كانوا على قيد الحياة وتُفيد القراء في المقام الأول بكل زمان ومكان، والإفادة هنا مثل تمامًا أن تكون في طريق مُظلم ثم يأتي أحدهم ويُضيء لك الطريق بمصباح معه، هذا المصباح في الحقيقة هو كتب النقد التي نتحدث عنها، وطبعًا الشعر بالذات له أمهات كُتب النقد وليس مجرد عدد قليل، وهو ما يُدل على إقدام الناس على الشعر، قديمًا على الأقل.

النظر إلى الدهاليز

المشكلة الكبرى فيمن يُسموا بالقراء السطحيين أنهم لا ينظرون إلى الدهاليز، هم فقط يستمعون إلى العمل أو يقرؤونه مُستمتعين بالموسيقى الشعرية التي يُخلفها في الأذن، والتي يُمكن بالمناسبة أن تنتج عن كل كلام مُقفى موزون مهما كان المعنى، المهم بالنسبة لهم أن يخطف الكلام أذنهم، لا عقولهم وقلوبهم كما هو مطلوب في مجال الشعر، والحقيقة أن دهاليز الشعر التي نعنيها ليس مقصود بها أبدًا أن يتم قراءة القصيدة قراءة ممعنة مُفصلة، وإن كان هذا مطلوب، لكن في نفس الوقت فإنه على الأقل مطلوب عدم الاستهتار بالشعر وقيمته إلى الحد الذي يجعل من أي كلام موزون مُقفى شعرًا دون أن نعرف الهدف من ذلك الكلام وهل وصل إليك فعلًا أم أن الشاعر قد فشل في ذلك، هذه هي الدهاليز المقصودة.

معرفة بعض المعلومات عن الشاعر

لكي تمتلك ذائقة شعرية بهذا يعني أنك سوف تقرأ النص الشعري بمكنوناتك وجوارحك، عقلك وقلبك، وسوف يكون اللسان الذي تتلفظ به أبياتك آخر شيء يتم التفكير به، ولهذا، ولكي تقوم بما ذكرناه الآن، فأنت في حاجة ماسة إلى معرفة كل شيء عن الشاعر لتعرف أكثر عن مشروعه الشعري وهل هو أصلًا شاعر مُحترف صاحب مشروع أم أنه مجرد هاوٍ، وهل هو كاتب مُخضرم في الشعر، وهل لفت النظر للدرجة التي جعلت بعض النقاد يتحدثون عنه ويكتبون بعض الدراسات النقدية في أعماله أم أن كل ذلك مجرد تقضية وقت يقوم بها أو محاولة لكبح جماحه الشعري، كل هذا وأكثر ستعرفه من خلال جمعك للمعلومات، وسوف يُفيد جدًا عند قراءة القصيدة، وذلك لأن الشاعر يكتب نفسه بنفسه.

معرفة بعض المعلومات عن القصيدة

أمر آخر لا يقل أهمية عن سابقه حالة إذا أردنا أن نُصبح متذوقين للشعر حقًا، هذا الأمر في الحقيقة يتعلق بمعلومات القصيدة والحالة التي كُتبت بها، وربما يعتبر البعض أن هذا مجرد أمر تافه عادي لكنه في الحقيقة ليس كذلك أبدًا، إذا أن موضوع القصيدة وتحديد هدفها سيجعلك تُدرك إلى أين يقودك الشاعر، وهل نجح أم لا، فإذا لم ينجح ستتمكن من خلال معرفة بعض المعلومات عن القصيدة أن تتوقع إلى أين كان من المفترض أن يقودك ذلك الشاعر، كما أن معرفة المعلومات سوف يُهيئك لكي تكون في الحالة المناسبة عند القراءة، وهذه هي الذائقة الشعرية في أبهى صورها.

حضور الندوات الشعرية

من أفضل الطرق التي يُمكن من خلالها الحصول على الذائقة الشعرية أن يتم حضور الندوات التي تُقام من أجل الشعر، فتلك الندوات غالبًا ما يكون هناك في تلك الندوة نقاد وأدباء كبار، وطبعًا لن يكون الشعر الموجود في حشد مهيب كهذا مجرد شعر عادي، وإنما شعر ثقيل من شأنه أن يرفع من شدة التذوق الشعري لديك، وربما يلاحظ البعض أنه في وقت من الأوقات يظن أن الشاعر فلان هو أفضل شاعر في المجرة، لكن ما أن يذهب إلى ندوة من الندوات ويستمع للشعر الموجود بها فإن فكرته تتغير تمامًا، وتتغير أكثر عندما يذهب إلى الكثير من الندوات ويستمع إلى شعر أكثر وأكثر.

فائدة تذوق الشعر

كل ما مضى كان محاولة منا للتعريف بالطرق التي يُمكن من خلالها امتلاك ذائقة شعرية، لكن ثمة أمر هام جدًا يجب التعرف عليه كي يكون كل ما نفعله على نور، وهو البحث عن الفائدة الحقيقية من وراء تذوق الشعر، وهل هو مجرد إضاعة للوقت في حالة إذا ما كان يُمكننا الاكتفاء بمجرد سماعه أو قراءته، أم أنه حالة من المبالغة أو التهويل في الأمر، والحقيقة أن الإجابة على استفسار مثل هذا تكمن في سؤال واحد، هل فاقد الإحساس بتذوق الطعام مثل الذي يمتلكه؟

جميعنا يعرف بالطبع عن مرض فقد التذوق، ذلك المرض الذي يجعل من الشخص الذي يُعاني منه لا يعرف مذاق أي طعام يأكله، كل شيء بالنسبة له مجرد ماء يقوم بشرابه، وهكذا الأمر بالنسبة لتذوق الشعر، فهو يجعلك تُفرق بين الجيد والسيئ من الشعر، وما هو جدير بالقراءة وما ليس جدير بذلك، إنها عملية فصل الشوائب واختيار الزبد، ولو تم حقًا القيام بهذه العملية بالصورة الصحيحة فإن القريحة والمذاق العام سوف يرتقيان، وسيُصبح الإنتاج الشعري عمومًا أفضل.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

2 × 5 =