الحرب الأهلية الإسبانية

الحرب الأهلية الإسبانية أخذت صيتًا ليس بالهين لكونها أبشع الحروب الأهلية الأوروبية الحديثة، حيث كانت هناك معارضة وانقسام بين الحكومة والملكية والشعب، كما أن هذه المعارضة كانت متوازية زمنيًا مع حركة دعم الانفصال الكتالوني، حيث أراد إقليم كتالونيا الانفصال كليًا عن إسبانيا، ليصبح الإقليم دولة مستقلة وعاصمتها برشلونة، وذلك الأمر زاد من أزمة الحكوميين الجمهوريين، الذين أعطوا إقليم كتالونيا في هذا الوقت حريات وإمكانيات جعلتهم يطلبون هذا الطلب، كون الإقليم في حد ذاته غني جدًا وقادر على إدارة نفسه خارج الحكم الملكي المدريدي، وحين أعلنت حركة المعارضة التي كانت تدعى في هذا الوقت “برونونسيامينتو” اعتراضها عن طريق مجموعة قوية من جنرالات الجيش الإسباني تحت قيادة خوسية سانخورخو، ضد اليساريين الجمهوريين المنتخبين في هذا الوقت، تحت قيادة رئيس الجمهورية الإسبانية مانويل أزانيا، بدأت الحرب الأهلية الإسبانية في الاندلاع لتكون واحدة من أسوأ تواريخ الحرب في أوروبا.

تمهيد للحرب الأهلية الإسبانية؟

الحرب الأهلية الإسبانية تمهيد للحرب الأهلية الإسبانية؟

الحرب الأهلية الإسبانية لم تظهر بصورة مفاجِئة، أو بلا أسباب بل كانت لها مقدمات مهمة جدًا، وبدأت هذه المقدمات منذ ظهور الخلافات السياسية بين التيارات السياسية باختلاف توجهاتها في إسبانيا، تحديدًا بين اليمين المتطرف والذي كان يتمثل في التيار الفاشي القادم من إيطاليا على يد موسيليني والذي دعم فيما بعد التيار النازي الألماني على يد هتلر، وبين بقية التيارات السياسية، وكانت أوجه الانقسام في ذلك الوقت متمثلة بين الكنيسة التي كانت تدعم الملكية التي كانت قد اختفت بعد الثورة الإسبانية، والجيش الذي كان ضد الملكية تمامًا، وكانت مقدمات الحرب هي تحرك الجنرال خوسيه سانخورخو ضد الجمهوريين والشيوعيين في الحكومة كمحاولة انقلاب، ولكنها فشلت، لكن في المقابل هذه المحاولة حذرت الجمهوريين والذين كانوا يتخذون المذهب الشيوعي والعمالي في إدارتهم للبلاد، وهم كانوا يدعمون فكرة انفصال كتالونيا عن إسبانيا، كل هذا حدث تقريبًا بعد الثورة الإسبانية مباشرة، وبعد أول انتخابات والتي مكنت الجمهورين والعمال “الاشتراكيين” في التحكم بالكثير من المناصب الحساسة في الجمهورية الإسبانية.

متى بدأت الحرب الأهلية الإسبانية ؟

في عام 1936 كان الصراع بين الاشتراكيين “العماليين” وبين بقية التيارات في أوجها، وبسبب اقتراب الانتخابات الشعبية، وجد الاشتراكيين إنها فرصة عظيمة لتخطي فشلهم الذريع الذي حدث في المرحلة الأولى من الانتخابات عام 1932 حيث لم يستطيعوا تغير أي شيء تقريبًا في سياسات مدريد، عوضًا عن اعتقال العديد من رفاقهم عن طريق الجيش والشرطة، خصوصًا في الوقت الذي تصدر فيه “خوسيه ماريا جيل روبلس” المشهد السياسي، وهو كان يميني متطرف مدعوم من النظام الفاشي، وبالفعل في عام 1936 أعلن عن ترشحه في انتخابات الشعب الإسبانية من أجل إسبانيا والشعب، في المقابل توحد ضده جميع اليساريين بكل أقطابهم، فقط لأنهم كانوا يرون خطورته عليهم جميعهم، وبالفعل في 16 فبراير 1936 فاز اليساريين ووصلوا إلى أغلبية المقاعد في السلطوية، ومن هنا بدأ الأمر في التطور بصورة سريعة وحادة.

بداية العدوان اليميني واليساري

بعد هذه الانتخابات شعر الحزب اليميني بخيبة أمل كبيرة، خصوصًا بعد خروج “خوسيه ماريا جيل روبلس” من المشهد السلطوي، ولذلك فكر اليمينيين في استغلال علاقاتهم في الجيش الإسباني لتدبير انقلاب على السلطة اليسارية، ولكن سرعان ما تفهم اليساريين هذا الأمر وبدؤوا فورًا في نقل جميع هؤلاء الضباط والذي كان أهمهم الجنرال “فرانشيسكو فرانكو” والذي كان يمثل التهديد الأعظم لهم خصوصًا أن لديه القدرة في السيطرة على انتفاضة استورياس، ونقل حينها إلى جزر الكناري.

أيضًا الجنرال “إميليو مولا” تم نقله إلى مدينة بامبلونا ولكن هذا كان الخطأ الذي دفع ثمنه اليساريين فيما بعد، خرجت حينها جماهير الرافضين لهذه القرارات، كما خرج 15 ألف عضو تابعين للحركة اليمينية “جيل روبلس”، وانضم إليهم “حركة الفلانجي” والتي كانت تتبع طريقة الاغتيال لإجبار السلطة السماع إلى مطالبهم، ولذلك لم تكن هذه الحركة ذات شعبية جارفة، ليس هذا فقط بل خرج المزارعين بسبب سوء حالتهم المادية ليستولوا على مزارع مدينة “استرامادورا”، واستولى 60 ألف عامل على 3 آلاف مزرعة وطرد ملاكهم مما أشعل أولى شرارات الحرب الأهلية الإسبانية .

تكوين جيش اليمين في المغرب

الحرب الأهلية الإسبانية تكوين جيش اليمين في المغرب

كان يقود الحكومة الإسبانية في ذلك الوقت اليساري “لارغو كاباييرو” والذي كان معروف باسم “لينن إسبانيا”، وكان سبب هذا الاسم أنه كان يطبق القوانين الشيوعية بطريقة صارمة جدًا، وكان “كابييرو” مكروه جدًا من اليمينيين والجيش معًا، ولذلك قرر أن ينظم مسيرة مضادة للمسيرات اليمينية في 1 مايو 1936، ليخرج فيها جميع الشيوعيين واليساريين ليعلنوا للجيش واليمين المتطرف عن قوتهم وإرادتهم، وليعلن كابييرو نفسه حاكمًا دون منازع لإسبانيا، وفي هذا اليوم كانا طرفي النزاع فعليًا مستعدين للاشتباك، في المقابل كان الجنرال مولا وفرانكو كليهما يخططان بجدية لحركة انقلاب عسكرية جارفة ضد النظام الشيوعي الإسباني، وبالفعل تحرك الجنرال فرانكو من جزر الكناري إلى المغرب، ليبدأ في جمع الجيش الإسباني من هناك، وهذا لأن المغرب في ذلك الوقت كانت من أهم المستعمرات الإسبانية وفي نفس الوقت كانت بعيدة عن حكومة مدريد، بجانب أن الشعب المغربي كان يؤخذ إجبارًا لتكوين جيش إسباني يميني تحت قيادة الجنرال “فرانكو”.

الشرارة التي بدأت الحرب الأهلية الإسبانية

في تاريخ 12 يوليو من عام 1936 قامت المعارضة الإسبانية باغتيال الضابط خوسيه كاستيو، وهو كان ضابط ضمن الحرس الجمهوري الإسباني، اغتيل عن طريق إطلاق النار مباشرة وهو يتوجه صباحًا إلى عمله، مات في الحال، وكان من المعروف بالنسبة للحكومة الإسبانية أن الضابط “خوسية كاستيو” قد تعرض من قبل إلى عدة محاولات اغتيال من حركة اليمين، ولذلك كان منطقي جدًا معرفة من هو المتسبب في هذا الاغتيال، ولذلك تحركت الحكومة الإسبانية في ذلك الوقت، للقبض على زعيم معارضة اليمين “خوسية كالفة سوتيلو”، بعد عدة ساعات من اغتيال الضابط “كاستيو”، لكن سيارة الشرطة التي أخذت زعيم المعارضة لم تذهب إلى قسم الشرطة، بل قتلوه ورموه قتيلًا عند المقبرة الشرقية، وهذا الأمر كان أيضًا عبارة عن عملية اغتيال لرئيس المعارضة من الحكومة الإسبانية التي لم تكن تحتاج لأن تفعل هذا، لأنه كان لديهم بالفعل وكان من الأسهل محاكمته وإعدامه، ولذلك تحملت الحكومة مسئولية قتل زعيم المعارضة الإسبانية.

الساعات الأخيرة قبل بدأ الحرب الأهلية الإسبانية

في 15 يوليو 1936 أي بعد حادثتي الاغتيال قرر الجنرال “مولا” أن يرسل رسالة إلى “الجنرال فرانكو” الذي حشد جيوشه في المغرب، وكانت الرسالة مشفرة بالتالي “ولدت هيلين طفل جميل في 18 يوليو في الخامسة صباحًا”، وكانت الرسالة مكتوبة بصيغة الماضي مع أن التاريخ كان في المستقل، وهذا كان يعني أنها ساعة الصفر، أي في الساعة الخامسة فجرًا 18 يوليو، وبالفعل في 17 يوليو تلقى رئيس وزراء إسبانيا “خوسيه جيرال” تهديدات كثيرة بأن هناك انقلاب شعبي سيحدث، ويجب أن يتم تسليح الشرطة والشعب، وكل من يناصرون القضية الاشتراكية حتى يتصدوا لقوات الجيش الانقلابية، ولكن رئيس الوزراء لم يرى أن الأمر يستحق كل هذه المبالغة، ولكن ما حدث هو أن الحرب بالفعل بدأت كما حُدد لها من قبل الجيش، ونزل الجيش في شوارع إسبانيا، ولذلك قررت الحكومة تسليح الشعب لمواجهة جيش بلاده، واعتقد اليسار أن انقلاب الجيش سيتراجع بسرعة، واعتقد اليمين أن اليسار ضعيف وغير قادر على مجابهة الجيش، لتبدأ الحرب الأهلية الإسبانية .

شكل الحرب الأهلية الإسبانية

كانت هذه الحرب عشوائية دون هدف، ببساطة يمكن وصف المشهد بالرصاص المتناثر الذي لا يعلم وجهته، القتل كان يحدث لمجرد القتل، في مدريد كان الناس يستيقظون على رصاص يدخل نوافذهم ويقتلهم دون أي إنذار أو تحذير، وكان السؤال الذي يسأله الناس بعد تدمير المنزل وقتل من فيه، هل الشخص الذي أطلق النار يمينيًا أم يساريًا، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت التدخلات الأجنبية من الدول المجاورة في تصعيد الأمور بالتوازي مع بدايات الحرب العالمية الثانية، لترسل فرنسا دعمها للجمهوريين، وليرسل الإيطاليين والألمانيين دعمهم للجيش الإسباني اليميني.

لتصير إسبانيا أرض معركة لحرب أوروبية صغيرة لا يميز فيها أحد من القاتل ومن المظلوم، ولتصوير الموقف بشكل حقيقي، قالت الصحافية مارثا جليهورن في كتابها “وجه الحرب”، إن الحرب كانت لا تفرق بين أحد والآخر، المصابين كانوا في كل مكان، كان أمرًا عاديًا أن يموت أحدهم، الموت كان عشوائيًا، حيث كانت موجودة في فندق، وكان حظها الجيد أنها في الصالة من أسفل، حين سمعت قذيفة تدمر إحدى الغُرف في الأعلى، ولم تعرف حينها من القاتل أو من الذي مات.

على ماذا انتهت الحرب الأهلية الإسبانية ؟

الحرب الأهلية الإسبانية على ماذا انتهت الحرب الأهلية الإسبانية ؟

على مدار ثلاث سنوات من القتل العشوائي والمقصود، وتوالي المعارك والصراع، مات تقريبًا نصف مليون شخص في إسبانيا، وشارك في عمليات القتل هذه الكثير من العناصر الداخلية والخارجية للدولة، وكانت جميع حالات القتل هي حالات عنيفة غير رحيمة، تستهدف أي أحد يعتقد أن له دخل في الشأن السياسي الإسباني، وكانت أول نتائج عمليات القتل هذه في أبريل من عام 1939، حيث بدأ اليساريين (الجمهوريين الاشتراكيين)، في الاستسلام تدريجيًا، بسبب العنف الرهيب للجنرال فرانكو الذي كان يمارسه عليهم بفرض سطوته على الجيش الإسباني الذي كان يمتلك التسليح والقوة، مع الدعم الألماني من طائرات ودبابات وأسلحة، وبذلك الأمر لم يكن هناك مرشحًا لقيادة الرئاسة الإسبانية سوى الجنرال فرانكو نفسه، الذي تقريبًا هزم جميع أعدائه، وبالفعل قد كان ومسك هو زمام الأمور، لتدخل بعدها إسبانيا في فترة طويلة من الحكم الديكتاتوري الذي كان له آثار سلبية عديدة على إسبانيا على مدار الأعوام.

في الأخير ضحايا الحرب الأهلية الإسبانية ، كانوا الناس البسطاء، عمليات القتل كانت عشوائية ولا تميز أحد، وفي الصور الأرشيفية لهذه الحرب توجد مشاهد مرعبة لمجموعات البشر المقتولة بدون أي رحمة، والنتيجة الأخيرة لكل هذا كان حكم ديكتاتوري آخر لم تخرج منه إسبانيا سوى بعد سنين طويلة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

4 + 10 =