التعرض للإهانة

كثيرًا ما نتعرض لمواقف محرجة يتم فيها إهانتنا بسبب أو بدون سبب، ومع ذلك لا نستطيع الرد على تلك الإهانة. يتعرض المرء منا لإهانة من مديره في العمل، أو من جاره في السكن، أو من زميله في العمل، أو حتى عند التعرض لموقف سير في الشارع، أو التعرض للإهانة من سائق السيارة التي تسير بجانبك.

وقد يصل ذلك الأمر عند التعرض للإهانة إلى شد وجذب بينك وبين الطرف الذي أهانك، فما منك إلا أن تصر على مبادلته الإهانة بمثلها، ظنًا منك أنك تقتص لنفسك ولكرامتك. إلا أن محاولة رد الإهانة بمثلها قد يجرّ عليك مشاكل كثيرة أنت في غنى عنها.

هنا إذن، ستعرف ماذا تفعل حين التعرض للإهانة ، دون أن تدخل نفسك في مشادات انت في غنى عنها. ستعرف كيف ترد على الإهانة دون أن ترتكب أخطاء من شأنها أن تودي بك إلى الجحيم، بل وستعرف أيضًا كيف تؤكد للطرف الآخر أن هو من أخطأ في حقك ولست أنت.

للإهانات طرق عدة، يمكن للإهانات أن تكون جسدية، عبر استخدام اللكم والصفع أو البصق، أو يمكن أن تكون لفظية عبر استخدام الكلمات الشفاهية سواء كانت مباشرة كأن يسبك أحدهم، أو أن تكون غير مباشرة، كإطلاق النكات والتعليقات الساخرة، كما يمكن أن تكون حركات الوجه والعين من الإهانات البالغة أيضًا.

برغم كل هذه الأنواع من الإهانات إلا أن السباب هو أكثر أنواع الإهانات شيوعًا، وهو المحفز الرئيسي للمشادات الكلامية والجسدية.

هل يمكنك أن ترد بغضب؟

من الطبيعي عندما تتعرض لإهانة ما من أي شخص مهما كانت درجة قربه أو بعده عنكن أن ترد على الإهانة بمثلها، ومن الطبيعي أن تغضب كثيرًا عندما يتعرض لك هذا الشخص بالإهانة والسخرية، لكن من المعروف أيضًا إن الغضب عند الإهانة هو الطريقة الشائعة للرد على الإهانات، وبالتالي فإنها أضعف استجابة ممكنة، لأنك حين ترد على الإهانة بغضب، فإنه يدل أولًا على أنك تأخذ الإهانة على محمل الجد، ويدل ثانيًا على أنك قد وجدت حقيقة أكيدة في الإهانة تلك، وتكون نتيجتها ثالثًا أن تزعجك تلك الإهانة وتضر بك، وبالتالي تؤدي إلى مزيد من السباب بينكما. ومن الممكن بعد حدوث كل ذلك أن تلك الإهانة أصلًا لا تعدو عن أن تكون مجرد سخرية أطلقها أحدهم ولا يقصد بها كل ما فهمت.

إن الغضب بأي أشكاله يؤدي دائمًا إلى أفعال خارجة على التوقعات، الغضب مثلًا مع المدير في العمل قد يؤدي إلى رفدك من العمل نهائيًا، أو الغضب مع زميلك في المدرسة قد يؤدي إلى طرد أحدكما من المدرسة وبالتالي ضياع مستقبله التعليمي.

على أي حال، درجة استجابتنا للتعرض للإهانة تتوقف على أشياء عديدة، وهنا علينا أن نتوقف ونسأل أنفسنا عدة أسئلة عند التعرض للإهانة . عندما يهيننا شخص ما، يلزمنا النظر في ثلاثة أشياء. هل هذه الإهانة صحيحة أم لا، وإن كانت صحيحة، لماذا هي صحيحة إلى حد كبير، أما إذا لم تكن صحيحة، فلماذا تأثرت وغضبت بسبب إهانة هذا الشخص الذي أمامي.

لماذا نعتني هذا الشخص بتلك الإهانة؟ هل يصدق ذاك الشخص الإهانة الذي وجهها إليّ؟ أم أنه يقول هذا الكلام عرضًا ليخرج أسوأ ما في؟ ستجد أشخاص غير جيدين على الإطلاق، كل ما يحاولونه أن يخرجوا أسوأ ما فيك بالتأكيد. والسؤال الأخير الذي يجب أن توجهه لنفسك، هل الشخص الذي وجه إليك الإهانة هو صديقك، أم شخص لا يعرفك، فإن كان صديقك من الممكن أن الإهانة التي وجهها لك حقيقية، وإن لم يكن صديقك، فهو لا يعرفك وبالتالي لا يمكنه إدراك الصفة التي ضمَنها في إهانته لك.

عند التعرض للإهانة ، يجب أن تدرك بشكل كبير إن كنت تحترم الشخص الذي أهانك أم لا، وإن كنت تحترمه يجب عليك أن تفكر في الإهانة جيدًا وتتعلم بقدر ما تستطيع منها، أما إذا كنت لا تحترم الشخص الذي أمامك، فما عليك إلا أن تعتبر كلامه نباح كلام، وتمضي في طريقك غير آسف ولا مأسوف.

إهانة الذكاء

يجب أن تعلم أن التعرض للإهانة له أنواع عدة، وهناك نوع سيء جدًا وهو إهانة ذكائك، حيث أن التعرض للإهانة بذكائك هو نوع غالي من الإهانة، لأن من يشعر بإهانة ذكائك يظن أن بوسعه أن يشعر بمزيد من التفوق عليك، هناك أشخاص معينين هم من ينحون هذا المنحى، بأن يعرضوك للإهانة في ذكائك، وعادة ما يكونوا هؤلاء الأشخاص هم من يكيدوا لك، أو يغيرون منك.

وهناك عدة أمثلة يمكن أن نتعرض فيها للأشخاص الذين يهينون ذكائك، وفي الوقت نفسه هم من يكنون لك الغيرة، فمثلًا عندما تنجح وتتفوق في حياتك الدراسية، تجد من زملائك من يحاول أن يعرقلك، وأن يقول لك أن ما تفعله ليس جيدًا بما يكفي، أو أن توفيقك في حياتك الدراسية لا لزوم له، أو أنك لم تفعل إنجازًا كبيرًا عندما حصدت درجات عالية في العام الدراسي الحالي.

هنا قد يكون الأمر أن زميلك الذي يظهر أنه يحبك، يكن لك غير ما يظهره، ويهين ذكائك، لكنك عند التعرض لإهانة مثل تلك، لا تدري إن كان يجب عليك أن تفعل شيئًا أم لا. هنا الإهانة غير ملحوظة، والحق أن ذلك الزميل لم يهنك مطلقًا، هو فقط يكن لك الغيرة فيحاول أن يكسر مجاديفك.

لكن ما الرد المناسب الذي يمكن أن ترد به عليه، سواء زميل في مدرستك، أو في عملك، أو حتى صديق لك يجلس معك على المقهى قد ساءه أن يراك مميزًا، فأهان ذكائك، لا يصح فعل شيء سوى أن تظهر له الود والاحترام والحب باستمرار، وأن تجعله يدرك أن نجاحك البالغ في حياتك الدراسية بإمكانه أن يحقق مثله وأكثر، أو أن نجاحك بالعمل ونيلك لشهادات تقدير من مديرك، بإمكانه أن يفعل مثله وأكثر.

الرد على الإهانة

ذكرنا أن الرد على الإهانة يمكن أن يكون بمثلها، حينها سوف ينتهي الموقف. ذلك أن من يوجه الإهانة لك يتوقع بالتالي أن ترد له الإهانة، فعند التعرض للإهانة يهب كل شخص يتعرض للإهانة للرد على الإهانة بمثلها، لكن هل خطر على بالك مرة، أن تكون أكثر قوة في الرد على الإهانة، وههنا سوف نحاول أن نعرف أيضًا ما القوة في الرد على الإهانة، هل القوة أن نرد على السباب بسباب أقذع منه مثلًا، أم أن القوة ههنا تكمن في الرد بذكاء عند تعرضك للإهانة؟.

الحال إن الكثير من علماء النفس قد أقروا أنه حين ترد الإهانة، يجب أن تتحلى بالذكاء، فأولًا يحب أن تتحلى بالذكاء لتختار الوقت الذي يمكنك أن ترد فيه الإهانة، وثانيًا يجب أن لا يظهر الرد وكأنه دفاعًا عن النفس، وهكذا، يمكنك أن ترد الإهانة بشكل اكثر ذكاء، يحفظ لك ماء وجهك، وفي الوقت نفسه ستكون أكثر لباقة من الشخص الذي أهانك.

قد يكون الرد بذكاء مناسبًا هنا، حاول ذات مرة رجل الإساءة إلى امرأة قائلًا امرأة كالحذاء، فردت عليه المرأة قائلة إن المرأة حذاء في عيون الشخص الذي يجد نفسه قدم، وهي ملكة في عيون الشخص الذي يجد نفسه ملكًا.

سؤال.. لا إجابة

عند التعرض للإهانة ، حاول أن تجعل الشخص الذي أمامك يشك في حكمه عليك، أو تقييمه لك، عادة ما يكون الشخص الذي يهينك، يلقي بالأحكام جزافًا، ولا يعلم هل بالفعل ما أهانك به صحيح أم لا؟. لذا، فإن الشك قد يكون سلاحًا ناجعًا في ذلك الوقت.

كيف تجعل الشخص الذي أهانك يشك في تقييمه لك؟، بيد أن السؤال طريقة جيدة لحمل هذا الشخص على التشكيك في حكمه عليك. على سبيل المثال عندما يهينك هذا الشخص، من الممكن أن ترد بأسئلة عدة، مثل، ما الذي يجعلك تقول ذلك؟، أو ما الذي رأيته بي وقد أساءك إلى هذا الحد، أو ما الذي لا توفق عليه فيما أبديته من آراء؟

هنا قد تجد عن التعرض للإهانة أن الشخص الذي أمامك قد خانته تعبيراته، أو أنه لن يستطيع الرد عليك لأنك قد وضعته في موقف لا يستطيع الرد فيه، أو لأنه قد يكون لديه ثأر شخصي معك، وفي حالة إن تحدث سوف يظهر هذا الثأر، وسيضعه في موقف لا يليق به. في النهاية، كل شخص لديه الأسباب التي تجعله يندفع في وجه زملاؤه وأهله وعائلته.

الدبلوماسية مخرجًا

حاول أن تتحكم في رد فعلك قدر الإمكان عند التعرض للإهانة ، وبدلًا من أن تكون مندفعًا ومدافعًا عن موقفك حاول أن تكون دبلوماسيًا في ردك، وتجنب القتال والمشادات، أو اتركها إلى وقت لاحق. حاول أن تتكلم بلباقة واحترام، واشرح وجهة نظرك بهدوء للطرف الآخر، هذا على الرغم من أن الطرف الآخر لم يمنحك نفس المعاملة، ولكن لأنك قررت أن تكون اكثر دبلوماسية، ومن ثم أكثر هدوءًا، وهو ما يجعلك تربح المعركة.

عند الدخول في جدال مع شخص مندفع، لا يتوقف عن إهانتك بين حين وآخر، لا تحاول أن تقول له أن كلامك ليس صحيحًا، لأنه من المؤكد لن يسلم بذلك، لكن من الجيد أن تقول له ما رأيك لو اتفقنا على نقطة من شأنها تقرب بيننا المسافات؟ هنا سوف يفكر الطرف الآخر بالحديث معك، بل ومحاولة الوصول معك إلى نقطة تلاق.

التجاهل

هناك أشخاص يتعاملون بشكل مختلف تمامًا عند التعرض للإهانة ، وهو أنهم يتجاهلون كل ما يصدر عن الطرف الآخر، أو عن الشخص الذي يتعرض له بالإهانة. كأن يكون الشخص الذي يهينه مجرد كلب يعوي.

هذه الطريقة من التعامل مع الناس قد تكون ناجعة لأسباب عدة، ولكن يعيبها أنها قد تفهم على أنها جزء من تعالي الشخص المُهان، عندما يهينك شخص ما وتتركه لحال سبيله، قد يعتقد ذلك الشخص أنك لا تعتد برأيه، وتتجاهل كلامه، ومن الممكن هنا أن يؤدي ذلك لزيادة الإهانة، لأن هذا الشخص يعتقد أن هذا التجاهل هو جزء من الإهانة التي توجهها له ولكن بلا كلام.

من بين كثير من الناس الذين يفضلون هذه الطريقة في الرد على الإهانة، يقول العلماء أن الطريقة المثلى هي الرد الدبلوماسي، وهي الطريقة التي تجعل من أي شخص مندفع ومتعرض لك بالإهانة، يقلل من اندفاعه ذاك، ويقرر بدلًا من ذلك للهدوء ومحاولة التقرب إليك بل واحترامك.

حاول أن تفهم دوافع المعتدي عليك

كثيرًا ما يكون هناك دوافع أخرى غير تلك التي تكون ظاهرة على الشخص الذي يتعرض لك بالإهانة. قد يكون هذا الشخص مثلًا لديه مشكلة كبيرة في حياته الشخصية، قد يكون هذا الشخص فقد عمله صباح اليوم الذي قابلته فيه مثلًا. ليس معنى هذا أن تأخذ وقتًا كبيرًا في البحث عن دوافعه، لكن عليك فقط أن تقدّر وتفهم أنه قد يكون هناك دوافع أخرى تسببت في أن يهينك هذا الشخص.

على سبيل المثال، قد يعتدي عليك شخص لأنه لا يدرك أن لديك مرضًا مزمنًا لا يجعلك قادرًا على التركيز أكثر من أربع ساعات، وهو مرض شهير ولكنه نادر. ومن الممكن أن التعرض للإهانة كذلك بسبب أن زميلك يظن أنك تتلقى راتبًا أعلى منه، والحق أن هذه الزيادة لا تعدو عن أن تكون مكافأة قد قررها لك مديركما لأنه وجدك مجتهدًا في عملك هذا الشهر.

الفكاهة وسيلة للخروج من الموقف

قد يكون استخدام الفكاهة وسيلة قد تخرجك من موقف الإهانة الذي تعرضت له، لأن إن استخدمت الفكاهة، تكون قد رددت على المعتدي عليك بشيء لم يكن ليتوقعه، وهنا يمكن لهذه الاستجابة الفعالة التي استجبتها أن تنشر حالة من التوتر عند المعتدي عليك، وأن تنزع سلاحه، ذلك أنه حين قرر أن يوجه لك الإهانة وجدك تتقبلها بصدر رحب، بل وتطلق النكات حولها، لذلك، من المفيد أن تجعل من الإهانة التي يوجهها إليك أي معتد مزحة طريفة.

وعلى سبيل المثال، إذا كان زميلك قد أشار إلى قميصك عندما ذهبت إلى عملك في الصباح وقال لك، هذا قميص سيء، يمكنك حينها أن ترد له الصاع صاعين عن طريق أن تقول وأنت قميصك كذلك ألوانه لا تناسب العمل، ولكن، وبدلًا من ذلك، من الممكن أن تستقبل الإهانة التي وجهها لك زميلك، بأن تنظر إلى قميصك وتقول، نعم، هذا قميص فظيع، لا اعلم لما اشتريته، أو أن تقول له ملاحظة جيدة، شكرًا لك على مساعدتي على رؤية هذا.

المنهج الإسلامي في التعامل مع التعرض للإهانة

لا شك أن الإسلام قد وضع لكل شيء حل، ولكل موقف رد، حتى أن الإهانة قد علمنا كيف نرد عليها، وذلك عن طريق أخلاق رسولنا الكريم، ذلك أنه حينما كان الرسول الكريم محمد جارًا لشخص يهودي، كان اليهودي يجيء كل يوم عند باب بيت الرسول ويلقي بالقمامة، وقد حدث هذا الأمر مرارًا، وذات يوم لم يجد الرسول القمامة على بابه، فذهب ليسأل عن الرجل قالت له امرأته أنه مريض، فاستأذنها لزيارته، واطمئن عليه بالفعل.

بعد هذا الحادث، لم يرجع الرجل اليهودي لهذا الفعل أبدًا، لكن هناك قد نتعلم شيء عن منهج الإسلام وأخلاق الرسول في التعامل مع الآخرين، وخاصة المعتدين علينا. لم يقم الرسول بأي فعل من شأنه أن يؤثر على الرجل اليهودي، ورغم هذا لم يتوقف الرجل عن فعله، لكن عندما قدّم رسولنا الكريم فعل الخير على فعل الشر، وعندما قام بدور دبلوماسي على القيام بدور اندفاعي، وعندما تجاهل الشخص الذي كان يرمي الزبالة يوميًا عند باب بيته، توقف الرجل فورًا عن أذى الرسول الكريم.

هناك قد نعرف أن الإسلام قد علمنا احترام الغير، وعدم الاندفاع في الشر، ليس فقط مع المسلمين، بل أيضًا مع غير المسلمين، وحتى عندما يقوم الطرف الآخر بالاعتداء علينا، فقط علينا أن نصبر على الأذى، وندعو الله أن يهدي المعتدي، ونعلم أن المعاملة الحسنى هي التي يكون من ورائها الفائدة العظمى

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ستة عشر + عشرين =