تسعة مجهول
مهنة الجلاد
الرئيسية » غرائب » مهنة الجلاد : ما هي هواجس المهنة الأكثر جحيمًا في العالم؟

مهنة الجلاد : ما هي هواجس المهنة الأكثر جحيمًا في العالم؟

مهنة الجلاد واحدة من أكثر المهنة المشروعة المهمة، فأي شخص يعمل بمهنة من المهن قد يذكره التاريخ أو لا، أما الجلاد فهو واجب الذكر.

تُعتبر مهنة الجلاد أحد أكثر المهن دموية وقتلًا، فإذا افترضنا أن الناس يخافون مثلًا من صاحب مهنة الحانوتي لأنه يُغسل الموتى ويلتقي بهم في مراحلهم الأخيرة قبل التواري تحت التراب فإن صاحب مهنة الجلاد هو الذي يُزهق أرواح الناس قبل أن يذهبوا إلى ذلك الحانوتي، وطبعًا تلك المهنة مشروعة وليس هناك أي عيب في العمل بها ما دامت قانونية، لكننا نتحدث هنا عن نظرة الناس والمجتمع لصاحب تلك المهنة، فمع مر العصور وتطور اسم المهنة من جلاد إلى منفذ حكم الإعدام ترك صاحب تلك المهنة، أيًّا كان مُسماها، ذكريات ليست جيدة أبدًا مع الناس، فطبعًا أهل القتيل لن يغفرون لمن عذب أو نفذ حكم الإعدام بقريبهم مهما كان غرضه ونيته، وبالتأكيد ثمة بعض الجلدين اللذين استغلوا تلك المهنة في فعل أشياء تفوق نطاق العمل بكثير، عمومًا، في السطور القادمة سوف نتعرف سويًا على مهنة الجلاد وأهم الكوابيس المتعلقة بها وأيضًا أهم النماذج التي مرت بتاريخ تلك المهنة.

مهنة الجلاد

إن أهم شيء يجب معرفته في البداية عند التحدث عن مهنة الجلاد هو بطلها، ذلك الشخص الذي يُخصص قسطًا من حياته لممارسة الجحيم بأبهى صوره، فهو المسئول عن تعذيب الموتى وتنفيذ أحكام الإعدام بهم، وبالرغم من كون تلك المهنة مشروعة وقانونية إلا أن هذا لا يخلو من الألم، فصاحب المهنة مهما كانت أغراضه وأهدافه فإنه بالتأكيد لن ينام على فراشه بهدوء وهو يعرف أنه قد قتل شخصًا للتو ربما يكون مظلومًا، وحتى لو لم يكن مظلومًا فإن القبول بهذه المهنة من الأساس قبول بالدم ورؤيته، بل وتحمله حسبما يعتقد ضعفاء القلب الذين يعملون في تلك المهنة.

ظهرت مهنة الجلاد مع ظهور البشر وجرائمهم، فعندما ارتضى الإنسان أن يتم حكمه من إنسان آخر يتولى قبل كل شيء رعايته وحمايته رضي كذلك أن يتم معاقبته في حالة الخطأ، ذلك العقاب قد يصل إلى حد الموت إذا الخطأ الذي ارتكبه كبيرًا، وبالتأكيد كي تقتل شخصًا فإنك في حاجة إلى شخص آخر يمتلك الشروط والمواصفات التي تجعله مؤهلًا للقيام بهذه المهمة بأبهى صورة ممكنة، فما هي يا تُرى تلك الشروط والمواصفات؟

الشروط الواجب توافرها في الجلاد

أول شيء من البديهي أن يتوفر في أي جلاد مهما كانت طبيعة عمله أن يكون قويًا مفتول العضلات، فالقتل يحتاج بالطبع إلى القوة كي تتم السيطرة على الشخص الذي سيتم تنفيذ حكم الإعدام به، وكذلك التعذيب يحتاج إلى القوة الكافية للقيام به، وأيضًا من ضمن شروط ومواصفات الجلد أن يكون سليل لجلاد آخر أو من فرعه، وهذا الشرط كان يتوافر قديمًا، وتحديدًا في بريطانيا، حيث لم يكن بإمكان أي شخص شغل تلك المهنة دون أن يكون والده أو أحد أفراد عائلته جلدًا قديمًا، اعتقادًا بأن عمل ذلك الشخص سوف يكون أسهل وأكثر قابلية، لكن ذلك الشرط قد اختفى فيما بعد.

من ضمن الشروط الواجب توافرها كذلك أن يكون المتقدم لوظيفة الجلاد لا يُعاني من أي أمراض وخاصةً الضعف في القلب، وكذلك يجب أن يخفي أسرار المهنة عن أقرب الناس إليه، ويُفضل ألا يعرف أحد، بخلاف عائلته الصغيرة، بعمله في تلك المهنة، وذلك حتى لا يتسبب ذلك في الأذى له، فبالطبع أول شيء يُفكر به ذوي القتيل الذي نُفذ حكم الإعدام به هو الانتقام من الشخص الذي قام بقتل قريبهم، أي الجلاد، أما الشرط الأخير في هذه المهنة فهو عدم وجود سجل إجرامي أو أي أحكام جنائية على المتقدم للوظيفة، فليس من المعقول أبدًا أن يكون منفذ الأحكام في الناس مجرمًا!

مهام مهنة الجلاد

عندما تذهب للعمل في مهنة الجلاد فلا تتوقع أنك ستعمل في مهمة عادية على الإطلاق، فما ينتظرك هناك هو كل شيء يكره أي شخص فعله في حياته، أي شخص طبيعي بالتأكيد، فمثلًا، على رأس تلك الأشياء التي سيتوجب عليك فعلها، ونحن هنا نتحدث عن مهنة الجلاد قديمًا، أن تقوم بتعذيب الناس والامتثال للأوامر دون أي تفكير، تخيل أنك شخص سوي ثم يأتي من يطلب منك تعذيب إنسان آخر أنت لا تعرف هل هو مذنب ويستحق ذلك التعذيب أم لا، وعادة ما يأخذ الشخص وقتًا طويلًا حتى يتأقلم مع ذلك الأمر ويُصبح بإمكانه تقبل فكرة تعذيب إنسان آخر، حيث وقتها يكون الوضع المُسيطر هو شعوره بأنه يفعل الصواب ويُعذب البعض كي ينعم البقية.

المهمة الثانية من مهام الجلاد، والتي كانت في البداية مهمة منفصلة يُنتدب شخص معين للقيام بها، هي مهمة القتل، أو بمعنى أدق، تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق المذنبين، وهذا بالطبع يُمثل تطور أكبر من التعذيب، ففي الحالة الأولى أنت مطالب بمجرد التعذيب الجسدي الذي يترك أثرًا بسيطًا، لكن في هذه الحالة أنت تأخذ روح الشخص، وهو أمر لا تراجع فيه، وبذلك يتضح السبب الذي جعل التاريخ يُولي اهتمامًا كبيرًا لتلك المهنة والعاملين بها.

نماذج من مهنة الجلاد

في الحقيقة أن تناول أي موضوع مهما كان يجب أن يتم من خلال عدة معايير وشروط، أهمها أن يتم إعطاء نموذج توضيحي يوضح ذلك الموضوع، وبتطبيق ذلك في مهنة الجلاد نجد أنفسنا مُطالبين بذكر بعض النماذج التي يُمكن من خلالها إدراك طبيعة مهنة الجلاد وما مرت به من ثغرات وغفلات، ولتكن البداية مثلًا بشخصية هامة جدًا من الشخصيات التي مرت بتلك المهنة، وهي الشخصية الأشهر في لندن جاك كيتش.

جاك كيتش، أكثر الجلادين رعبًا

مهما حاولت مهنة الجلاد بأن تضخ أسوأ شيء فيها فلن يكون هناك ما هو أسوأ من جاك كيتش، والذي كان سفاحًا شرعيًا في صورة رجل الإعدام، وقد جعل من لندن مكانًا شهيرًا به فقط، ولكم أن تتخيلوا مثلًا أن الآباء والأمهات كانوا عندما يرغبون في تخويف أطفالهم وبث الرعب في نفوسهم فإنهم على الفور يُذكرونهم بجاك كيتش، ويقولون لهم أنهم إذا لم يسمعوا لهم فسوف يأتون بذلك السفاح، ببساطة شديدة، لم يكن ذلك الرجل مصدرًا للرعب، بل كان الرعب نفسه، وقد حدث كل ذلك في القرن السابع عشر، وتحديدًا في منتصفه.

في عام 1663 بدأ جاك ممارسة مهنة الجلاد، كانت فترة مضطربة في تاريخ إنجلترا، ولهذا كانت الجرائم التي تستحق الموت كثيرة ومتعددة، وهذا بالطبع ما كان يمنح ذلك الرجل فرصة أكبر لتنفيذ أكبر قدر من جرائم الإعدام، ونقول جريمة لأن جاك كان يرتكب الكثير من الأخطاء أثناء تنفيذ الحكم، أخطاء كانت كفيلة بأن تجعل ذلك الشخص المحكوم عليه بالإعدام أن يُعاني الأمرين، ونتيجة لذلك كانت الأحكام التي يشرف جاك على تنفيذها هي الأكثر جمهورًا، حيث كان الناس يتجمعون لرؤية جاك وهو ينفذ الحكم بطريقته المثيرة، ولا يشغلهم حتى من الذي سيتم إعدامه ولماذا.

كيف ينفذ جاك كيتش الأحكام؟

من الأمور التي قد تبدو مثيرة في مهنة الجلاد عمومًا هي الكيفية التي يتم من خلالها تنفيذ كل حكم، والحقيقة أنه فيما يتعلق بجاك كيتش فقد كان يمتلك قدرة غريبة على جذب الأنظار إليه للدرجة التي تجعل الناس يتجمعون من أجل رؤية مشهد تنفيذه للحكم، فهو لم يكن يرأف بالضحية مهما كانت، وإنما يتعمد تعذيبها من خلال ادعاء الخطأ في كل مرة يُنفذ بها الحكم، كان يضرب بالفأس في أماكن خاطئة فتؤلم الضحية لكن لا تقتلها، لدرجة أن بعض الضحايا كانوا يعرضون عليه القطع الذهبية من أجل فقط الرأفة بهم أثناء التنفيذ وإراحته سريعًا، وللغرابة، كانت نهاية جاك بسبب خطأه في تنفيذ واحدة من الأحكام، ليتم سجنه ويستمر في محبسه حتى الموت، وذلك بعد أن سجل نفسه كأحد أشهر جلادي التاريخ.

هاينريش شميت، من حطاب إلى جلاد

بداية هاينريش شميت في مهنة الجلاد كانت أغرب بداية يُمكن أن يمر بها شخص في حياته، ففي يوم من الأيام ذهب ذلك الرجل المسكين إلى أحد الأماكن من أجل مشاهدة تنفيذ حكم من الأحكام بالإعدام مثله مثل بقية أهل القرية الألمانية الذي تجمعوا في ذلك اليوم من القرن السادس عشر، كان العالم كله عبارة عن دولة فاشية، وألمانيا بالذات كانت خير برهان على ذلك، المهم أن هاينريش عند وقوفه لمشاهدة حكم الإعدام حدث في نفس الوقت ما يُشبه المعجزة، وهو أنه قد تحول من حطاب بسيط يقف من أجل مشاهدة تنفيذ حكم الإعدام إلى الجلاد الذي نفذ حكم الإعدام بنفسه.

بدأ الأمر عندما تم الإمساك بثلاث لصوص وقُرر إعدامهم، لكن في تلك اللحظة اكتُشف أن الجلاد غير موجود، وفي تلك اللحظة قرر الحاكم قرارًا غريبًا، وهو أن يتم تنفيذ حكم الإعدام على يد أحد المتفرجين، وقد كان هاينريش هو سيء الحظ الذي وقع عليه الاختيار من أجل القيام بهذه المهمة، وطبعًا لم تُجدي اعتراضاته وتوسلاته وتذكيره للحاكم بأنه مجرد حطاب بسيط لا يقدر حتى على قتل دجاجة، فقد كان الأمر قد نفذ، وبالفعل قام هاينريش بتنفيذ الحكم، ومنذ هذه اللحظة أصبح متفننًا في القتل، حيث أن الناس قد ابتعدوا عن شراء الحطب منه بسبب ما فعله، فلم يكن أمامه سوى تلك المهنة.

أنتول ديبلي، الرجل الذي امتهن الموت

طبعًا مع بداية القرن العشرين كان العالم قد شهد تطورًا كبيرًا في كل شيء، بما في ذلك المعدات التي تُستخدم في الإعدام، فلم تعد الفأس موجودة، وإنما ظهرت المقصلة وأخذت مساحة كبيرة في العالم، وخاصةً في فرنسا، والذي كان أنتول ديبلي هو الرجل المتعهد بتنفيذ أحكام الإعدام بها، أو بمعنى أدق، الرجل الذي يأخذ المحكوم عليهم بالإعدام إلى الجحيم، وذلك من خلال ما كان يفعله خلال تنفيذ الحكم، والذي تكرر معه أكثر من أربعمائة مرة!

شهرة أنتول في مهنة الجلاد وصلت إلينا نحن العرب من خلال مشاركته في إعدام العديد من الجزائريين خلال احتلال فرنسا للجزائر، كما أنه أيضًا كان وسيمًا وذكيًا، وكان هذا أمر من الغريب تواجده في شخص من المفترض أنه يأخذ أرواح الناس، الأغرب من كل ذلك هو الطريقة التي مات بها أنتول، حيث مات وهو في طريقه إلى تنفيذ أحد الأحكام، مات هكذا دون أي مقدمات أو مؤشرات، مات ليكتب واحدة من الغرائب المسجلة في تاريخ أصحاب هذه المهنة!

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

ثمانية + 15 =