تسعة مجهول
الهستيريا
الرئيسية » ظواهر » الهستيريا : كيف يحيل مرض الهستيريا ضحاياه إلى مجانين؟!

الهستيريا : كيف يحيل مرض الهستيريا ضحاياه إلى مجانين؟!

الهستيريا ذلك المرض المخيف أكثر من الطاعون، إذا أصابت قوم لن تتركه وحاله، تعرف معنا في هذا المقال على أخطر الأمراض الغريبة جداً.

تُعتبر الهستيريا واحدة من أغرب الأمراض التي يُصاب بها الإنسان، بل وأكثر تأثيرًا عليها، فأي مرض آخر يُمكن التعرّف على أسبابه وكيفية علاجه والحد من انتشاره، إلا أن الهستيريا إذا حلّت في مكانٍ ما فإنه لا تُبقى ولا تذر، وتكون نتائجها أشبه بكارثية، حيث تُصبح ردة فعل العقل الوحيدة حولها هي الاستيعاب، ولا دليل على ذلك أكبر مما حدث في فرنسا مطلع القرن التاسع عشر، حيث حدثت أكبر حادثة هيستيريا جماعية في التاريخ، ولم ينتهي الأمر عند ذلك الحد، بل استمر وطال الكثير من الأشخاص في الكثير من الأماكن، حتى أصبحت الهستيريا تُخيف الناس أكثر من الطاعون، لذلك دعونا نتعرف في السطور الآتية على وباء الهستيريا وأهم أسبابه وكوارثه على المجتمع.

كيف تكون الهستيريا سببًا في قتل الملايين؟

ماهية الهستيريا

التعريف العلمي لمرض الهستيريا يقول أنه عندما يُصبح الشخص غير قادر على السيطرة يُصبح شخص هيستيري، والمقصود بالسيطرة هنا هي كل الأشياء الحسية والمعنوية، سواء كانت العواطف أو الخِصال أو الجسد، فعندما يكون الشخص سليم جسديًا ويقول أنه مثلًا مُصاب بالعمى أو الصمم بالرغم من كون الطب ينفي ذلك فهو إذًا شخص مصاب بالهستيريا، لأنه يتخيل أشياء ليست موجودة فيها، وغالبًا ما تكون هذه الأشياء سببًا في نهايته، لأن الهستيريا كما أشرنا يمكن أن تقتل مثل الطاعون والجدري والأمراض العظيمة التي أرعبت البشرية على مدار تاريخها.

أسباب الهستيريا

حتى الآن لم يستطع أحد التوصل إلى أسباب مؤكدة للهستيريا يُمكن الأخذ بها وإقرارها، إلا أن العلماء قالوا عدة مبررات منها مثلًا حدوث خلل جسدي أو عقلي لدى الشخص فينتج عن ذلك الخلل إصابته بالهستيريا، أو حتى مجرد وجود تذبذب في عواطفه يُمكن أن يُخلّف فيه بذرة لهذا المرض، والذي يأخذ في الانتشار بسرعة فائقة مجنونة، ويُصبح داءً مُعديًا بمجرد الرؤية، والدليل على ذلك هو تلك الحادثة التي وقعت في فرنسا مطلع القرن السادس عشر المسماة بحادثة الرقص الوبائي، والتي قيل أنها أشهر واقعة على الهستيريا في التاريخ.

واقعة الرقص الوبائي

1518، كان هذا العام شاهدًا على أغرب واقعة لمرض الهستيريا في التاريخ، حيث أقدمت امرأة في أحد أيام شهر ديسمبر من هذا العام على الذهاب إلى منطقة فسيحة بشمال فرنسا، ثم بدأت فجأة وبلا أي مقدمات في الرقص الهيستيري المجنون، والذي كان للغرابة لا يستند على موسيقى أو سبب منطقي، فلم يكن هناك مثلًا احتفال ما أو ذكرى شهيرة، لم يكن هناك شيء فعلًا سوى الجنون الذي أصاب هذه المرأة، لكن ذلك الجنون تزايد للغاية بعد ساعات قليلة من بداية الهستيريا، حيث أخذ المُتفرجين دورًا آخر مُختلف.

المرض ينتشر

ساعات قليلة وكانت تلك المنطقة الفسيحة قد تكدست بأشخاص آخرين انضموا إلى المرأة الراقصة المجنونة، ثم بدؤوا في تقليد حركات رقصها والاندماج معها حتى شكلوا فرقة مُنسجمة بدت وكأنها تتدرب على هذا العرض منذ فترة طويلة، لكن هذا الأمر في الحقيقة لم يكن صحيحًا، وإنما ما حدث ببساطة أن المرض قد انتشر.

المُنضمون للمرأة المجنونة لم يكونوا أقل جنونًا بها، وبالرغم من أن الأعداد قد بدأت تتزايد بشدة إلا أن كل ذلك لم يمنع من تدخل العقلاء، والذي رأوا بأعينهم حالة هيستيريا غير مسبوقة، لكن هذا الأمر لم يفلح أيضًا.

استمرار وباء الرقص

ظن البعض أن هذه الهستيريا قد تستمر لدقائق أو ساعات، لكن، صدق أو لا تُصدق، لقد استمرت حالة الهستيريا أكثر من أسبوع، حتى إن بعض ممن يقومون بالرقص سقطوا موتى من شدة التعب، وبالرغم من ذلك، لم يتوقف البقية حتى انتهى الأمر بمأساة ومات أكثر من نصفهم، أما البقية فقد تم تفريقهم بالقوة عن طريق المياه والضرب في بعض الأحيان، لكن كل الحضور لاحظوا أمرًا هامًا بخلاف كل ذلك، وهو أن هؤلاء المُصابين كانوا يزدادون جنونًا كلما شاهدوا شيء أحمر أمامهم، وهذا ما فتح بابًا أمام عدة تفسيرات غريبة بعض الشيء.

تفسيرات ونظريات

ذكر المؤرخون أن الشعب الفرنسي عند وقوع حادثة الهستيريا هذه لم يأخذ وقتًا كبيرًا حتى خرج ببعض التفسيرات، والتي أغلبها بالطبع يتعلق بالسحر والشعوذة، وهو ما يتناسب مع أوروبا بأكملها هذا الوقت، حيث قالوا أن ما يحدث من رقص لا إرادي ناتج غالبًا عن لعنة سوداء حلت بالمرأة التي بدأت الرقص وانضمت لبعض المارة، والذين أصبحوا تابعين إليها، وبالفعل لم يكن هذا التفسير منطقي لدى المسئولين، والذين كانوا يبحثون عن حل سريع للأزمة، لذلك قرروا اللجوء إلى أهل الاختصاص.

رأي الأطباء

برر الأطباء تلك الحالات الجماعية من الهستيريا بتفسير منطقي بعض الشيء، حيث قالوا إن نسبة الدم الفاسد الموجودة في الجسم قد ارتفعت في أجساد هؤلاء بصورة كبيرة، وأن الحل الوحيد لهذا الأمر هو مُسايرتهم حتى يخمدوا من أنفسهم، وبالفعل قام مجلس المدينة باستدعاء فِرق موسيقية وعمل حفلات لهؤلاء الراقصين استغلالًا لحالتهم، حيث ظنوا أن الأمر سينتهي بنهاية الدم كما يقول الأطباء، لكن ما حدث كما ذكرنا أنهم بدئوا في التساقط إما قتلى أو فاقدين الوعي.

هيستيريا الضحك بتنزانيا

كما أسلفنا، تأخذ الهستيريا عدة أشكال، وقد شهدت تنزانيا مُنتصف القرن الماضي إحدى هذه الأشكال عندما ألقت طالبة في مدرسة ما نُكتة عادية جدًا، فضحكت صديقتها على تلك النكتة، لكن الغير عادي بالمرة هو المدة التي استغرقتها الفتاة في الضحك على نكتة صديقتها، حيث ظلت على هذا الحال أيام وأسابيع، مما أثار جنون الأهالي، والذين لاحظوا أن الضحك بدأ ينتشر بين كل أطفال المدينة حتى أصبح أمر شبه مُستحيل السيطرة عليه وانتهى بإغلاق المدارس والجامعات وتعليق الدراسة بهما إلى أجل غير مُسمى.

نهاية الهستيريا

استمرت هيستيريا الضحك في تنزانيا أكثر من ثمانية أشهر، وقد لاحظ الجميع أن تلك الهستيريا لم تكن تُصيب سوى الأشخاص الذين يتراوح أعمارهم من الخامسة عشر حتى الثامنة عشر، أما الأطباء النفسيين فقد رجحوا أن تكون تلك الهستيريا ناتجة عن كبت شديد تعرض له الطلبة من ذويهم عند الاستقلال، حيث كانت هناك ضائقة مالية كبيرة لدى الجميع أدت إلى حرمان البعض أبنائهم من أشياء كانوا قد اعتادوا عليه، لذلك شهدت لحظة إلقاء النكتة من قبل تلك الطالبة لصديقتها انفجار كل الأطفال ودخولهم في هذه الحالة الهيستيرية.

أهم أنواع الهستيريا

إضافةً إلى هيستيريا الضحك وهيستيريا الرقص هناك أنواع أخرى من الهستيريا أثبتت تواجدها وتأثيرها على مر تاريخ، وذلك مثل هيستيريا الخوف وهيستيريا الجنون وهيستيريا المرض، فكل هذه أنواع عانى منها العالم في فترات كثيرة وكانت سببًا مُباشرًا في القضاء على أشخاص بعينهم، الغالب أنهم الأكثر تأثرًا نفسيًا في هذا الوقت، وربما لهذا يُقال أن الأشخاص المُتذبذبين نفسيًا هم الأكثر عرضة للإصابة بالهستيريا، والتي يُقال أيضًا أنها تنتقل بمجرد التنفس، لذلك سُجل في بعض الوقائع أنه كان يتم فصل مرضى الهستيريا أو المُشتبه في إصابتهم بها عن باقي المجتمع، فهي في الحقيقة لا تقل خطورة عن الجدري والطاعون.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

سبعة + خمسة =