مرتب الشهر

مرتب الشهر ذلك الشيء الذي يُنغص علينا حالنا ومآلنا، فمع بعضنا يكفيهم حد الكفاف، ومع آخرين قد لا يكفي لعشرة أيام فقط، وقليلًا من الناس من يتدبر أموره فيكفيه ويفيض على قلته، والفرق بين أولئك وهؤلاء يكمن ليس إلا في طريقة التعامل معه، ما بين النصائح الواقعية، والمُعادلات الحسابية، نتعرف في هذا المقال على الكيفية المثلى لتعظيم مرتب الشهر دون حاجة إلى التقشف.

المقصود بمرتب الشهر

مرتب الشهر المقصود بمرتب الشهر

مرتب الشهر أو الدخل الشهري، أو الراتب، كلها مُسمياتٍ للمبلغ المالي الذي يتقاضاه الفرد طليعة كل شهر نظير عمله، ومن الناس من تؤمن وظيفته له دخلًا شهريًا ثابت كموظفي القطاعين العام والخاص، ومنهم من تفرض عليه مهنته أجورًا مُتغيرة من شهرٍ لآخر بحسب طبيعة السوق كأصحاب التجارة وأصحاب الحرف اليدوية الحرة مثلًا.

والحاجة الماسَّة لمرتب الشهر هي أنه المبلغ المالي المسئول عن تأمين مصاريف والتزامات الأسرة الأساسية كوسيلة للاكتفاء الذاتي دون حاجة للتقشف أو الاقتراض، ومن هُنا كان على الفرد التنبه لبعض الأشياء الهامة والتي لم يكن يُلقي لها بالًا من قبل، ومنها:

الادخار فضيلة محدودي الدخل

لا يُعول على قلة الدخل الشهري نكران فضيلة الادخار، ذلك لأن أولى الناس بالادخار -ولو قدرٍ يسير من المال محدودي ومتوسطي الدخل، فالحياة فيها الكثير من المخاطر والمُشكلات اليومية التي تحتاج للمال لعلاجها، فيكون الطريق الوحيد هو الاقتراض، وهو ما يُشكل عبئًا كبيرًا على الأسرة والدخول في ضائقة مالية لحين الفراغ من سداد الدين.

وجدير القول أن النظريات المالية قد ربطت بين مقدار المال المُدخر وبين مرتب الشهر بعلاقة طردية، أي إنه كلما زاد مرتب الشهر كلما زادت فرص الادخار، في حين أنها ربطت بينه وبين المصروفات الشهرية بعلاقة عكسية، أي أنه كلما زادت المصروفات الشهرية كلما قلَّت فرص الادخار، والعكس صحيح.

فيم يُصرف مرتب الشهر؟

مرتب الشهر فيم يُصرف مرتب الشهر؟

واقعيًا، إن إجابة هذا السؤال قد قُتلت بحثًا، وصِيغ فيها الكثير من التقسيمات الحسابية النظرية المُغلفة بالخبرات الحياتية العملية، وفي محاولتنا لوضع الإجابة الكافية لهذا السؤال؛ يتضح لنا أولًا أن الإنفاق الشهري العام لكل أسرة من المفترض أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاحتياجات الشهرية، وليس بمُعدل الدخل المالي، وبناءً على ذلك تنقسم الإنفاقان الشهرية لكل البشر إلى:

المصروفات الثابتة

وهي ما يُدفع كل شهر بشكلٍ ثابت ودون قدرة على التملص منها أو تخفيضها، مثل إيجار السكن وفواتير المرافق والخدمات الأساسية ومُخصصات الغذاء.. إلخ، والخلاصة أنها مصروفات البنود التي لا يُمكن الاستغناء عنها نهائيًا مهما كانت الظروف.

المصروفات المتغيرة

وهي بند التكاليف الذي يسهل التحكم فيه نوعًا ما؛ لأنها تكاليف الاحتياجات الغير دائمة، حيث يُمكن دفعها كل شهر أو كل عدة شهور بحسب الرغبة وشدة الحاجة إليها، من أمثلتها مصروفات الترفيه والملابس والأحذية والحلويات والولائم والعزائم وما إلى ذلك من نوعيات تكاليف.

مصروفات الطوارئ

وهي نوع المصروفات الغير متوقع لفجائية حدوث أسبابها، وعلى رأسها المرض مثلًا، فتكاليف العلاج لا يُمكن إدراجها شهريًا تحت بند المصروفات الثابتة، ولا تحت بند المصروفات المُتغيرة، وعليه يُخصص لها بند جديد تحت مُسمى الطوارئ، تُصرف قيمته إن حدث الطارئ، أو أن يُدخر أو يُرحل مبلغه إذا مرَّ الشهر على الأسرة بسلام.

وتجدر الإشارة هنا إلى واحدة من أهم العوامل المتسببة في عدم قدرة مرتب الشهر على الصمود لنهاية الشهر هو عدم وجود ميزانية مالية وقيمة مالية محددة سلفًا لكل بند صرف من البنود المذكورة آنفًا.

كيف يصمد مرتب الشهر حتى نهاية الشهر؟

مرتب الشهر كيف يصمد مرتب الشهر حتى نهاية الشهر؟

بناءً على أنواع المصروفات الشهرية السابقة؛ نستطيع القول بأن التعامل مع مرتب الشهر له ثلاثة مبادئ أساسية هي: لكل نوع مصروفات طريقة خاصة في تحديد قيمته المالية وطريقة التعامل للحد من الإسراف فيه، المصروفات الثابتة هي الأساس المالي الواقعي الذي ستُحدَد عليه القيم المالية للمصروفات الأخرى، القيمة المالية لمصروفات الطوارئ يُمكن اعتبارها المبلغ المالي الشهري الوارد ادخاره بنسبة كبيرة، وطبقًا لهذه المبادئ؛ نجد أن أولى خطوات صمود مرتب الشهر حتى نهاية الشهر هي تحجيم المصروفات الثابتة قدر الإمكان طالما ليس بالمقدور إلغاؤها، ويُمكن فعل ذلك من خلال:

استبدال السلعة بالأقل سعرًا واغتنام فرص العروض والتخفيضات

السلع البديلة الأرخص سعرًا تؤدي الغرض المطلوب وتوفر في النفقات، فطالما أن السلع أساسية للأسرة ولا يُمكن الاستغناء عنها، وطالما أن مُعدلات الجودة متقاربة؛ فإن السلع الأرخص هي الأولى بالاقتناء، ومن ناحية أخرى يمكن اللجوء إلى طريقة شراء السلع ذات العروض التسويقية والتخفيضات السعرية، كما يمكن اللجوء إلى شراء السلع الأساسية بسعر الجملة من خلال تحديد الكميات الشهرية المُستهلكة وشراءها دفعة واحدة، فمع زيادة المشتري يقل السعر مُقارنة بشراء قطعةٍ بقطعة وصنف بصنف.

ترشيد الاستهلاك

توفير الاستهلاك هو السبيل الوحيد لضبط الفواتير الشهرية، وللحد من جنون أسعار المرافق، فببساطة لابد من الحرص على توفير الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي والمُكالمات التليفونية من خلال استعمالهم عند الضرورة المُلحَّة فقط، وبالقدر المعقول.

وحتى يصمد المرتب الشهري نجد أنه لا مجال للإسراف في سلعة أساسيةٍ ما مهما كانت الظروف، لذلك من المهم تحديد الاحتياجات الشهرية من كل سلعة بدقة وحزم، وهو ما يتبعه استخدام كل سلعة حتى نفاذ مخزونها، ومن ثَم لا هادر ولا فائض ولا تواريخ منتهية للصلاحية.

أما من حيث المصروفات المتغيرة؛ فإن التعامل معها أيسر من الناحية الإجرائية، وذلك لأنها بطبيعتها مصروفات كمالية للمرح والسرور، وليست مصروفات أساسية للمعيشة، ومن هُنا يُمكن التحكم فيها من خلال:

تحديد قيمة مالية للمصروفات المتغيرة وفيما تُصرف

  • بعد تمام تلبية الاحتياجات الأساسية وتحديد المصروفات الثابتة، ما يتبقى من مرتب الشهر يمكن اقتطاع جزء منه على سبيل المصروفات المُتغيرة لتحسين جودة الحياة.
  • بعد تحديد القيمة المالية للمصروفات المتغيرة تُحدد لها أوجه إنفاق معتدلة وباعثة على السرور فعلًا.
  • لا يُحبذ شراء هذا النوع من السلع دفعة واحدة كل شهر، بل الأسلم توزيع عمليات الشراء على كامل أيام الشهر وأسابيعه، فعلى سبيل المثال إن أحب الأطفال الشوكولاتة أو أن النفس تشتهي دومًا صنفًا من الحلويات الشرقية؛ فإن الأسلم هو تحديد عدد مرات شراء هذا النوع من السلع كل شهر، ثم توزيع عدد المرات هذا على أسابيع الشهر.
  • كما أن السلع البديلة الأرخص سعرًا بابًا للتوفير في السلع الأساسية، فإنها كذلك في السلع المُتغيرة، حتى إن أبواب الترفيه مُتعددة، وفيها الباهظ الثمن وفيها المُناسب للميزانية، لذا وجب اختيار المُناسب لأن الهدف هو إسعاد النفس وليس التطاحن الضرائي مع الآخرين، فمثلًا قد يُحقق جميع الأهداف المالية والنفسية عند أسرة قطع الشوكولاتة الصغيرة، أو اختيار مواعيد حفلات السينما ذات سعر التذكرة الأرخص، أو اختيار الحذاء العالي الجودة ليُعمر لشهورٍ كنوعٍ من التوفير.. إلخ.

ترويض النفس

  1. النفس البشرية كالطفل الصغير دائمًا ما تتوق إلى كثير أشياء، لذلك فإن ترويض النفس والتوفيق بين الرغبة والقدرة الشرائية من أُسس التحكم في مرتب الشهر ، فالإشباع النفسي لا يُعني كثرة الشراء، ولكنه يُعني الاستمتاع الحقيقي بما يتم شراؤه.
  2. في حالات ارتفاع الأسعار للسلع والخدمات من اللازم الاعتياد على تجنبها لحين انضباط أسعارها، خصوصًا مع السلع الكمالية الخدمات الترفيهية.
  3. أما القيمة المالية للطوارئ فهي من أساسيات الأسرة خصوصًا ذوات الدخل المحدود والمتوسط، وما يبعث على الأمل هنا أن هذا القدر من المال من المُمكن جدًا أن يفوت الشهر دون صرفه، وعليه من المُمكن الاختيار ما بين ضمه على مُرتب الشهر التالي، وبين صرفه على وجه من وجوه الترفيه للأسرة كنوع من الحافز والمكافأة على استقرار الميزانية وصمود المرتب إلى آخر الشهر أو ادخاره.

أُطر الميزانية الشهرية المنضبطة

  1. بقاء مرتب الشهر حتى نهاية الشهر، بل والتوفير منه؛ يعتمد بكل الأشكال والصور على التفكير المنطقي والعملي للشخص، لذلك من الأوجب عند تخطيط الميزانية الشهرية المنطقية وضع أُطر عامة لا يصلح الحيد عنها، وإلا انتفت فائدة التخطيط وأصبحت حبرًا على ورق، ومن أبرز هذه الأُطر ما يلي: ينبغي العلم أن ضبط الميزانية الشهرية قد لا يتحقق من الشهر الأول أو الثاني، لكن تكرار المحاولة مع تصحيح الأخطاء يُعزز فرص النجاح.
  2. عند تخطيط الميزانية لابد من جعلها مُتوافقة مع الحد الأدنى المضمون من الدخل الشهري، وليس التخطيط على دعائم واهية وتخيلات بعيدة المنال، وكذلك لا يصح أن تتحكم فيها الأهواء والرغبات دون أسانيد عملية، والخلاصة أن إشباع المُتطلبات الشهرية ينبغي أن يعتمد على المُمكن وليس المأمول.
  3. من الضروري المُراقبة الدورية لتطورات أوجه الصرف والتوفير، وتشجيع وتعزيز مواضع التوفير ونقاط القوة، وتعديل وتصحيح نقاط الضعف.
  4. سهولة الوصول إلى المال يُسهِّل صرفه، لذلك من الأوجب الخروج من المنزل بالمبلغ الكافي للمراد شراؤه فقط وليس بكل المال المُمتلك، وفي هذا الصدد يا حبذا لو تم عمل حسابًا بنكيًا والسحب منه على قدر الحاجة، ويا حبذا دخول الأسواق بقائمة مُحددة للسلع المراد شراؤها فقط.
  5. مكمن القوة في الميزانية المنطقية هو دقة التفريق بين الاحتياجات الرئيسية والاحتياجات الكمالية.
  6. المُغامرات المالية مثل الديون والقروض البنكية تُربك الميزانيات، وتقهر القدرة الشرائية للأسرة.
  7. ساعات العمل الإضافية المدفوعة الأجر من سبل تعزيز منطقية ميزانية الشهر، كما أنها تُعظم مرتب الشهر .
  8. حديث العلوم المالية عن الإنفاق الشهري للعائلات وضع قاعدة نظرية شديدة الأهمية في طريقة تقسيم الراتب، ومن ثَم تخطيط ميزانية واقعية بناءً على هذا التقسيم، تُعرف هذه القاعدة باسم (50-30-20)، وتعني: 50% من مرتب الشهر للمصروفات الثابتة، 30% للمصروفات المُتغيرة والكماليات، 20% من مرتب الشهر توزع ما بين مصروفات الطوارئ وخطط الادخار.

مرتب الشهر سيصمد إن أردت له ذلك وإن كان كفافًا، وستذروه الرياح إن تحكم فيه الهوى وإن كان علو الجبال.

الكاتب: وفاء السمان

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان × واحد =