قواعد الخجل

على قدر ما قد يبدو الترابط الأسري من العلامات الصحية للعائلة إلا أنه يولد مجموعة من قواعد الخجل بين الأبناء والآباء والتي يجب التنبه إليها ومحاولة اختراقها مبكراً كي لا ينشأ الطفل وسط مجموعة من الحواجز التي تمنعه من التواصل مع أبويه. حيث أن طموح جميع الآباء هو أن يصبحوا أصدقاء مع أطفالهم لاسيما عن بلوغهم مرحلة المراهقة لكنهم في نفس الوقت يجدون صعوبة في التعرف إلى سمات هذا الجيل المختلف والخروج من عباءة التحكم والسلطة إلى الصداقة والتساوي معهم؛ ولهذا سوف نحاول تلخيص كيفية كسر قواعد الخجل بين الأب وابنه سواء من جهة الأب أو من جهة الابن.

التخلي عن المثالية أولى مراحل التغلب على قواعد الخجل

في مختلف لغات وثقافات العالم سوف تجد هنالك العديد من العبارات التي تصف كيف يرى الآباء أبنائهم فلا يمكن أن ترى أم تنظر لطفلتها إلا وتراها أجمل فتاة على وجه الأرض ولا يضاهيها جمال والأمر نفسه بالنسبة للابن، وبدافع تربوي بحت يحاول الآباء دائماً دفع أبنائهم بقوة ليصبحوا مثاليين وذلك عبر تجنب الوقوع في أي خطأ صغير كان أو كبير متجاهلين حقيقة أن أي شخص في العالم مهما سمت أخلاقه لابد له وأن يقع في الخطأ ولو مرة واحدة على الأقل طوال حياته؛ ولهذا فيجب على الآباء أن يتخلوا عن شرط المثالية في أبنائهم وأن يتقبلوا حقيقة كونهم مجرد بشر يمرون بتجارب متعددة في الحياة بعضها يصيب وبعضها يخطئ وأن وقوع الابن في الخطأ لا يعني بالضرورة أنه مرتبط بتربية سيئة. أما إن حدث العكس وانتظر كل أب من أبنائه الصورة المثالية الكاملة فبمجرد حدوث خطأ سيشعر بالإحباط ويضطر إلى فرض عقاب ضخم على الابن لا يتناسب مع حجم الخطأ الذي ارتكبه مما يخلق حاجزاً كبيراً من الخجل بين الأب وابنه قد يدوم طوال العمر.

تقبل كافة المشاعر والتقلبات

دائماً ما يسعى الآباء إلى توفير حياة كريمة لأبنائهم بكل ما أتوا من سبل وفي المقابل فهم ينتظرون من أبنائهم أن يظلوا سعيدين طوال الوقت غير مدركين لحقيقة أن هنالك أوجهاً كثيرة في الحياة قد تؤدي إلى الحزن أو إلى التقلبات المزاجية، والأمثلة التربوية على ذلك كثيرة ومتعددة فمثلاً تجد الأب يغضب من ابنه إذا رآه عابساً أو غاضباً وعندما يشعر الابن بهذا الغضب الأبوي ينطوي على نفسه ويقرر عدم البوح بأسباب غضبه ويعتاد بعد ذلك تدريجياً على كتمان مشاعره وعدم البوح بها أمام أبويه. كذلك إن حاول الابن قص الأسباب التي تدفعه للحزن أمام الأبوين ولم يرى منهما اهتماماً بذلك أو استشعرا السخافة فيما يقوله فلن يكرر فعلته مرة أخرى وسيعتاد على كتمان مشاعره وأسراره لنفسه وفقط؛ لذلك يجب على الأبوين تقبل حقيقة أن أبنائهم يحملون كماً متناقضاً من المشاعر الذي قد يظهر على أي وجه في أي وقت ويجب عليهم أيضاً أن يأخذوا كافة تلك المشاعر والأسباب التي تقف ورائها على محمل الجد وإلا فلن ينجحا في كسر قواعد الخجل مع أبنائهم.

عدم إلقاء اللوم على الطرف الآخر

في كثير من العلاقات الاجتماعية تعتاد الأطراف على إلقاء اللوم على بعضها في كل خلاف أو شجار يحدث وهو ما قد يتفاقم ليصل إلى حد الافتراق، ولكن في العلاقة ما بين الآباء والأبناء فإن إلقاء اللوم بشكل مستمر من قبل كل طرف على الآخر لن يصل إلى الفراق وإنما سيؤدي إلى بناء مزيد من حواجز وقواعد الخجل بينهم، فمن ناحية يؤدي إلقاء الآباء اللوم على أبنائهم لفشلهم في الدراسة أو العمل أو لافتقادهم لمهارات معينة إلى شعور الأبناء بالفشل المستمر وأنهم لا يرقوا للمستوى المطلوب الذي يطمح إليه آبائهم بينما من ناحية أخرى يؤدي إلقاء الأبناء اللوم على آبائهم بسبب عدم توافر أي وسائل ترفيهية معينة لهم إلى شعور الآباء بالعجز وعدم القدرة على تلبية احتياجات أبنائهم وكلا الأمرين لن ينجحا إلا في بناء مزيد من قواعد الخجل بين الآباء والأبناء.

تجاوز مرحلة المراهقة

تعتبر مرحلة المراهقة – سواء بالنسبة للصبي أو للفتاة- من أصعب المراحل التي قد يمر بها بالنظر إلى علاقته مع والديه، فحتى وإن تمكن الأبوين من كسر قواعد الخجل مع أبنائهما خلال مرحلة الطفولة فسوف تجدهم يفاجئون من جديد بوجود قواعد خجل أخرى تظهر عند بلوغهم مرحلة المراهقة وهو أمر طبيعي تماماً نظراً للتغيرات الفسيولوجية التي يمرون بها، كما أنه من الطبيعي أن تتكاثر الخلافات والاعتراضات من قبل الأبناء على أسلوب التربية والتحكم الذي يمارسه آبائهم حيث يعتقدون أنهم أصبحوا أكبر سناً من أن يعاملوا بمثل تلك المعاملة؛ ولذلك فالحل الأسلم للتعامل مع تلك المرحلة الحرجة هو توفير قدر من الحرية قليلاً بالمقارنة مع الوضع السابق في الطفولة ولكن في نفس الوقت إحكام سطوة الأبوين كي لا ينجرف المراهقين باتجاه العديد من الانحرافات التي قد يتعرضون لها في تلك الفترة. كذلك لا يجب على الآباء أن يعتقدوا بأن الخلافات التي تحدث في تلك الفترة هي خلافات دائمة إنما هي مجرد مسألة وقت ليس إلا وبمجرد نمو المراهق أكثر سيعود إلى رشده ويصبح أكثر عقلانية في تصرفاته ومواقفه تجاه أبويه.

تفهم معنى صداقة الأبوين

صحيح أن كل أب يحلم بصداقة ابنه كي يتمكن من التعرف على أسرار حياته ولكن يجب عليه أن يعي جيداً بأن صداقته لن تكون مثل صداقة الابن مع من هم في مثل عمره حيث انه مهما بلغت متانة وقوة الصداقة بين الأب وابنه يظل دائماً هنالك حاجز ما – لا ينتمي إلى قواعد الخجل- يجعل بعض المواضيع أو محاور المناقشة غير صالحة للحديث عنها أما الأب أو الأم، وفي المقابل كذلك يجب على الابن أن يتقبل كون الأب يرغب في تكوين صداقة معه وأن هذا لا يعني كسر القواعد الأبوية التي تعني احترام الأب وتقديس كلمته وإطاعة أوامره وإنما تعني وجود نوع من الحميمية في التحدث مع الأب والتطرق إلى مواضيع لا يتطرق إليها إلا الأصدقاء والرجوع إليه في الاستشارات وتقبل النصيحة منه وكذلك قضاء بعض أوقات الترفيه معه.

الاعتراف بالخطأ

كثيراً ما يرغب الآباء في جعل أنفسهم المثال الجيد والقدوة الحسنة لأبنائهم وبالتالي يتجنبون بكافة الطرق أن يظهروا بمظهر المخطئين أمامهم ولكن في الحقيقة كثيراً ما يدرك الأبناء ذلك ويعرفون جيداً أن والديهم قد أخطئوا في شيء أو في آخر لكنهم لم يعترفوا بذلك بما يضع مزيداً من قواعد الخجل بين الأبناء والآباء؛ ولهذا يجب على الآباء أن يتعاملوا مع أبنائهم بمنطق المساواة بمعنى أنهم عن كانوا ينتظرون من أبنائهم الاعتراف بالخطأ عند الوقوع فيه ومحاولة إصلاحه فيجب عليهم إذاً أن يقوموا بالمثل وأن يعترفوا بخطئهم أمام أبنائهم وأن يعملوا على إصلاحه وبذلك يكونوا بالفعل قد أصبحوا مثالاً للقدوة الحسنة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان + ستة عشر =