عنصرية الأذكياء

تُمَارَس عنصرية الأذكياء منذ المَرحلة الابتدائية تقريبًا، وأحيانًا أخرى مُنذ الطفولة المبكرة، وتكون عن طريق إطلاق أحكام مسبقة على الأطفال، أو طفلين مختلفين، أن واحد أذكي من الآخر، أو الكبير أكثر نجاحًا من الصغير في المدرسة، وأحيانًا في الفصول الدراسية نفسها، عندما يتم الاهتمام بالطفل الذي لديه قدرة أكبر وأسهل على التحصيل الدراسي والتجاوب مع نظام التدريس في المدرسة، وفي العادة يتم إطلاق ألقاب مهينة على الأطفال وزرع الرغبة في أن يصبح الطفل طبيبًا لأنه ذكي، وكأن الطب هو المقياس الأعلى للأذكياء، وأن الأطباء جميعهم أذكى من بقية البشر، كل هذه الأخطاء الشائعة تُحضر مجموعات الأطفال إلى عنصرية متكررة في جميع مراحلهم التعليمية، وهي عنصرية الأذكياء .

معايير الذكاء

عنصرية الأذكياء معايير الذكاء

هل معايير الذكاء ثابتة! هذا السؤال يجيب على أهمية مفهوم عنصرية الأذكياء ، وهذا لأن الإجابة هي “لا”، معايير الذكاء ليست ثابتة، وحتى المعايير التي يتم حسابها عن طريق اختبارات الذكاء التي انتشرت في الآونة الأخيرة، فإن الأمر نسبي، حيث أن الطفل أو الشخص الذي لديه قدرة على التحصيل الدراسي في الرياضيات واللغات والعلوم، يمكن دعوته بالذكاء المعرفي، وهو نوع من الذكاء يجعل الإنسان يتعلم المعلومات النظرية ويتخيلها ويحتفظ بها في عقله ويسترجعها وقت الحاجة إليها بسهولة، الجزء الأهم في هذا الأمر، أن مَدى حِدة هذا الذكاء تَختَلف مِن شخص لآخر، وكل شخص لديه درجة معينة من هذا الذكاء، ولو حاول هذا الطفل أو الشخص الذي يمتلك ذكاءً معرفيًا بمحاولة عزف آلة موسيقية، حينها لن يستطيع أن يعزف، في حين أن هناك بعض الأشخاص من الممكن أن يتعلموا عزف الموسيقى من ثاني أو ثالث درس موسيقي، وهذا النوع من الذكاء يدعى ذكاء موسيقي، ويختلف في حدته من شخص لآخر وهكذا.

أول ظهور لاختبارات الذكاء

اختبارات الذكاء كان لها دور رئيسي في تصنيف درجات الذكاء، وبسبب هذا التصنيف ظهرت عنصرية الأذكياء بالتوازي مع ظهور هذه الاختبارات، وظهرت التنافسية في مستويات الذكاء المبنية على هذه الاختبارات، وكانت بداية هذه الاختبارات في عام 1905 على يد عالميين فرنسيين هما “ثيودور سيمون وألفريد بينيه”، وكانت نية ألفريد بينيه من هذه الاختبارات هي تبين مَدى درجة ذكاء الأطفال الذين يعانون من معدلات ذكاء منخفضة، إلا أن البروفيسور لويس أم تيرمان حول هذه الاختبارات لتظهر من هم الأطفال الذين يمتلكون معدلات ذكاء أعلى من الآخرين، وبهذا الأمر يتم ترتيب درجات الذكاء من الأعلى للأقل وليس العكس، وتم اختيار 1528 طفل للخضوع لهذه الاختبارات من قبل تيرمان، وكانت الاختبارات يتم تكرارها بمستويات مختلفة كلما كبر هؤلاء الأطفال حتى بلغو وصاروا كبارًا، لتنشر نتائج هذه الدراسات عام 1959 تحت مسمى “الدراسات الجينية للعباقرة”.

نتيجة اختبارات الذكاء البدائية

هؤلاء الأطفال الذين طُبقت عليهم أول اختبارات الذكاء بطريقة بحثية كانوا مفاجأة لأن ولا شخص منهم أعطى نموذجًا عقليًا عبقريًا، وكانت وظائف هؤلاء الأطفال بعدما كبروا هي المحاماة والتدريس والهندسة والطب، وظائف عادية لم يكن فيها أي شيء غير اعتيادي، اثنين فقط منهم استطاعوا أن يصلوا إلى مرحلة التدريس الجامعي، بل ووصلوا لمرحلة أشرفوا فيها على برنامج الذكاء الذي كانوا هم جزءًا منه ذات يوم، ولكن مع ذلك هم كانوا عاديين لم يكن هناك أي ذكاء استثنائي، بل الأمر كان صعبًا على بعض هؤلاء الأطفال في مرحلة الجامعة لدرجة أنهم واجهوا الدراسة الجامعية بصعوبة جدًا، بل أن معظمهم اختاروا وظائف لا تحتاج إلى مجهود ذهني كبير، أو دراسة صعبة، ولكن المفاجأة الكُبرى والتي تثبت عنصرية الأذكياء والتصنيف العلمي، هي أن الطفل لويس والتر ألفاريز قام بعمل اختبار تيرمان للذكاء في سن العشر سنوات ولكنه سجل مُعدل قليل لم يَجعله يُكمل التجربة، ولكنه أكمل حياته فيما بعد ليكون من أهم علماء الفيزياء في القرن العشرين ويحوز على جائزة نوبل.

عنصرية الأذكياء والأعراق

هناك بعض الفلاسفة مثل إيمانويل كانط وهيوم في القرون الماضية كانت لديهم نظريات عن اختلاف معدلات الذكاء الناتج من اختلاف الأعراق، وبالفعل في القرنين الماضيين علم التشريح أثبت أن هناك اختلاف في أحجام الأدمغة بين البشر، وهذا ما اعتبره البعض دليلًا على صحة فكرة كانط وهيوم، وفي عام 1869 أعلن فرانسيس غالتون صاحب كتاب “العبقرية الوراثية”، عن معدلات الذكاء للأعراق المختلفة بناءً على نوعية وعدد الإنجازات الحضارية والفكرية لهذه الأعراق، وأوضح غالتون أن اليونانيون هم أكثر الحضارات ذكاءً بعدهم البريطانيين بعدهم الشعب الأفريقي بعدهم الأستراليون، كما أن هذا الزَعم استمر حتى بحث تحضيري عام 1916 والذي أفاد أن الزنوج جيدين جدًا في الأعمال الجسدية، ولكن فهمهم المعرفي ضعيف جدًا، وسادت هذه النظريات إلى أن وصلت لمرحلة اقتناع تام أن التعليم لن يفيد في زيادة معدلات الذكاء بالنسبة للأعراق المختلفة، ووصل الحال إلى أن اختبارات الذكاء صارت مطلبًا لعلماء الأحياء في تجاربهم التي تخص تحسين النسل.

الناحية المظلمة من اختبارات الذكاء

اختبارات الذكاء تعد وسيلة بسيطة لتحديد مستوى ذكاء البشر، هذا هو المُتعارف عليه في الوقت الحالي، وقد وصل الأمر لتكون اختبارات الذكاء شرطًا وظيفيًا مثل شرطة الولايات المتحدة الأمريكية، والذين وضعوا حد أقصى لنتائج اختبارات الذكاء، لأنهم يرون أن الذين يتخطون معدل الذكاء المسموح به سيجدون العمل في سلك الشرطة ممل ورتيب وسيتركون العمل، من ناحية أخرى، سببت هذه الاختبارات دعم لذوي الآراء الاستعلائية مثل معتنقي “اليوجينيا” وهي عقيدة فلسفية تؤمن بضرورة القضاء على الأنواع الأضعف والأقل ذكاءً ودعم الأنواع الأكثر ذكاءً لهدف تطوير الإنسان جينيًا، ومسألة التمييز العِرقي التي دعمتها اختبارات الذكاء، بررت فكرة أن المجتمعات الفقير والبسيطة تختلف جينيًا عن المجتمعات الأكثر تحضرًا، وتكون المجتمعات المحتضرة أكثر استحقاقًا للقيادة واستغلال الموارد الخاصة بالأعراق الأقل ذكاءً، وأن عدم المساواة بين البشر هو تبرير علمي، حيث لا يجب مساواة الأكثر ذكاءً بالأقل ذكاءً في الحقوق والواجبات.

مثال عن عنصرية الأذكياء

عنصرية الأذكياء مثال عن عنصرية الأذكياء

في عام 1922 وبعد العديد من الجدل عن القدرة العقلية للشعوب، قام عالم نفس أمريكي يدعى كارل بريجهام، بعمل إحصائيات عن معدلات الذكاء الأمريكية التي صارت تتناقص في هذه الأعوام، والسبب حسب رأي هذا الشخص كان الهجرة التي جعلت الشعب الأمريكي الأصيل والذي لم يُكمل سوى 300 سنة فقط على هذه الأرض يندمج مع الأعراق الأخرى، وحينها قام هذا العالم بدعوة المجتمع الأمريكي السياسي إلى تقييد عملية الهجرة إلى أمريكا، وتقييد عملية اختلاط الأمريكان بالأعراق الأخرى.

أخيرًا ما فعلته عنصرية الأذكياء على مر التاريخ هو أمر سلبي في الغالب، لأن هؤلاء الناس كانوا يعتقدون كونهم يدرسون الذكاء فهم أذكياء، ولكن الأمر طالما كان مختلفًا، فمن كل عرق وزمن يوجد أشخاص مختلفين ولديهم ذكاءهم الفريد، فلا داعي لوضع البشر في خانة الغبي والذكي.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

خمسة × 4 =