علم العروض

إن علم العروض له ارتباط وثيق بالأدب العربي، فكما نعلم أن الشعر من أكثر ما اهتم به العرب في العصور المختلفة، سواء في عصر ما قبل الإسلام، أو في صدر الإسلام، أو غيرها من العصور المتتالية، فإن اللغة العربية كانت تجري على لسان العرب بأعذب الكلمات، وبأفصح العبارات، دون دراسة أوتكلف، بل كانوا ينسجونها عفويةً بغير جهد، وبمرور الوقت، فقد اتسعت الفتوحات الإسلامية، وظهر اللحن على لسان العرب، وهذا بالطبع كان له تأثيره على الشعر، كغيره من العلوم الأخرى، لذا كانت هناك حاجة ماسة إلى إرساء قواعد الشعر العربي، حتى يسير كل شاعر على نهجها، ومن هنا ظهر علم العروض. وفي هذا المقال سنتعرف أكثر على علم العروض، كيف نشأ هذا العلم؟ وما الارتباط بينه وبين الموسيقى؟.

ما هو علم العروض لغة واصطلاحًا؟

تأتي كلمة العَروض في اللغة بمعنى الطريق في عرض الجبل، أو الناحية، ويقال أيضًا بمعنى فحوى الكلام، فيقال عَروض الكلام: فحواه، أما في الاصطلاح: فإن علم العروض هو العلم الذي يعرف به الصحيح من أوزان البيت من الفاسد منها، وبهذا فإنه بمثابة مدقق ومراجع للبيت الأدبي في الشعر العربي، فهو الميزان الذي يعرض الشعر عليه، ليتم تقويمه وقياسه.

ما سبب تسمية علم العروض بهذا الاسم؟

لقد اختلف العلماء في سبب تسمية علم العروض بهذا الاسم، وفي هذا الأمر العديد من الآراء المختلفة، والتي منها: قيل بأن علم العروض مأخوذ من كلمة العرض، وهذا لأن البيت الشعري يعرض على ميزانه، وكما ذكرنا فإن من المعاني اللغوية لكلمة العروض: الطريق الصعب في عرض الجبل، ولذا فإن البعض أخذ منها سببًا لتسمية علم العروض بهذا الاسم، حيث قال: بأنها الطريق إلى النظم الصحيح، ومنهم من أسندها إلى معناها اللغوي الآخر بأن العروض معناه الناحية، حيث أنه يبحث في الشعر، والذي يعد ناحية من نواحي علوم اللغة العربية، ومنهم من قال أن علم العروض يسمى على آخر تفعيلة من الشطر الأول، والتي تسمى عروضًا، ومنهم من قال أنه سمي على اسم مكة، والتي من أسمائها “العروض”، وهذا لأن هذا العلم وضع في مكة، وقيل أنه من الممكن أن الاسم أطلق على “عمان”، التي هي مسقط رأس صاحب هذا العلم.

من هو مؤسس علم العروض ؟

مؤسس علم العروض هو الخليل بن عمرو بن تميم الفراهيدي، وهو من أهم أعلام اللغة العربية، حيث يرجع إليه الفضل في نشأة الكثير من علوم اللغة العربية، مثل: علم المعاجم، ويُقال أن من الأسباب التي جعلت الخليل يخرج بهذا العلم دون غيره من العلماء، أنه كان على ارتباطٍ بالموسيقى، فكان عالمًا بالنغم والإيقاع، فكما نعلم فإن علم العروض يرتبط بالموسيقى. وقد ولد الخليل بن أحمد الفراهيدي في عمان لعام 718م، وانتقل إلى البصرة في صغره، ومات فيها، ودرس على يد علماءها، مثل: أبو عمرو بن العلاء، والثقفي، ولم يكن في أحسن حال، بل كان زاهدًا ورعًا، عاش فقيرًا صابرًا، فكانت ثيابه ممزقة، وكان شاحب اللون، ولم يكن معروفًا بين الناس، ولكنه كان نبيل الخلق، وأستاذًا عظيمًا، حيث تلقى على يديه الكثير من العلماء الكبار، مثل: سيبويه، والكسائي، والأصمعي، وعبد الله بن أبي إسحاق، والنضر بن شميل، وعلي بن نصر الجهمي، وغالب القطان، وهارون بن موسى النحوي، وعاصم الأحول، وغيرهم.

سبب نشأة علم العروض

يتميز اللسان العربي بقدرته الفائقة على نسج الشعر، دون الحاجة إلى دراسة، أو غيره، بل كانت اللغة العربية تنساب على ألسنتهم في سلاسة ويسر، فلم يكن نظم الشعر حينها يحتاج إلى قواعد، أو علم معين، بل كان يستند إلى فطرة، وأذن موسيقية، ولقد ذكرنا أن مع اختلاط العرب بالأعاجم، بسبب الفتوحات الإسلامية، ودخول الكثيرين من غير العرب في الإسلام، كان سببًا في ظهور اللحن على اللسان العربي، وهذا أدى إلى ضعف اللغة العربية، وبالتالي كانت هناك حاجة لإرساء قواعد تضبط البيت الشعري، وتكون إلى يومنا هذا قواعد يستند إليها أي شاعر في أي وقت.

الحاجة لدراسة علم العروض

علم العروض يحتاج إليه كل شاعر، وإن كان يمتلك موهبة فطرية، وحس مرهف، وقدرة فائقة تمكنه من نظم الشعر دون خطأ، إلا أنه رغم ذلك بحاجة إلى دراسة هذا العلم، فإنه مهما بلغ من تميز فسيكون من الصعب أن يميز الأوزان المتقاربة، أو القافية السليمة من المعيبة، كما أن جهل الشاعر بجميع البحور الشعرية، يجعل شعره محصورًا فقط في بعض البحور، والأوزان، وهذا يجعل شعره فقيرًا، ويحرمه من التنوع، كما أن دراسة علم العروض ليس قصرًا فقط على الشعراء، أو محبي الشعر العربي، بل أيضًا يجب على معلمي اللغة العربية، وطلابها، لأن معرفة الأوزان والبحور يعينهم على فهم الشعر العربي، وقراءته قراءة صحيحة، والقراءة الصحيحة لن تأتي إلا بعلم ودراسة، ومن مميزات دراسة هذا العلم أنه يهذب موهبة الشاعر، ويصقلها، ويجعله يتجنب الأخطاء واللحن، كما أن علم العروض هو الميزان، أو المقياس الذي يحصل به النقد، ومعرفة الشعر الجيد من الرديء، وغيرها من الأمور الأخرى.

ارتباط علم العروض بالموسيقى

من السهل جدًا أن يلاحظ الدراس أو القارئ لـ علم العروض ارتباط هذا العلم بالموسيقى بشكلٍ من الأشكال، فمن الجانب النظري والنفسي، فإن الشعر العربي في أبياته وقوافيه يحتوي على موسيقى خفية تظهر في القوافي الموحدة، كما أن القصيدة الشعرية قد تتحول إلى أغنية ما بإضافة بعض الألحان عليها، ويظهر في علم العروض اقترابه من الموسيقى بسبب رموزهما المتقاربة، بل أن علم العروض يسمى بعلم موسيقى الشعر، حيث يعتمدان على تقسيم الجمل إلى مقاطع صوتية، وهو ما يعرف بالتقطيع، وهو يحتاج إلى حسٍ مرهف ومهارة فائقة، إلى جانب الدراسة لهذا العلم.

علم العروض للمبتدئين

إن دراسة علم العروض للمبتدئين تعني دراسة بعض المصطلحات الهامة مثل: الزحافات والعلل، والإحاطة بالبحور الشعرية، ومعرفة كيفية تقطيع البيت الشعري، وغيرها من الأمور، وفي هذا المقال سنتعرف على بعض من تلك الأمور إجمالًا وليس تفصيلًا.

تقطيع العروض في اللغة العربية

من أساسيات علم العروض معرفة أسس الكتابة العروضية أو التقطيع، والتي يتم من خلالها تصنيف البيت الشعري إلى بحر معين، واستخراج اللحن، أو الخلل منه، أو غيرها من الأمور الخاصة بالعروض، والكتابة العروضية تقوم على النطق كشرط أساسي، فما ينطق يكتب، وما لا ينطق لا يكتب، وهذا الأمر ليس بهذه السهولة، فهناك بعض الحروف التي سوف تسقط من التقطيع، مثل: الألف في “ال” في بداية الكلمة المتصلة بما قبلها، وأيضًا هناك من الحروف ما لا يكتب، إلا أنه ينطق، وهناك تلزم كتابته في التقطيع، مثل نون التنوين، التي تظهر في الكتابة العادية على هيئة تنوين فوق الكلمة، إلا أنها تكتب في التقطيع نون ساكنة، كما أن الحرف المشدد مثلًا يتكون من حرفين، يكون الأول ساكن، والثاني متحرك. أما في طريقة التقطيع فهناك عدة طرق، يكفي حينها أن تضع لنفسك رمزًا معينًا لما تحدده ساكنًا، ورمزًا لما هو متحرك، فقد ترمز للحرف المتحرك بهاء، والحرف الساكن بألف.

البيت الشعري

إن القصيدة الشعرية تتكون من أبيات، وينقسم البيت الشعري إلى قسمين، أو شطرين، فيسمى كل قسم منهما بشطر البيت، أو بالمصراع، والشطر الأول يسمى الصدر، والثاني يسمى العجز، وسميت التفعيلة الأخيرة من الشطر الأول أو الصدر باسم العروض، والتفعيلة الأخيرة من الشطر الثاني أو العجز باسم الضرب، وما عدا ذلك فهو الحشو.

البحور الشعرية

إن البحور الشعرية من أهم ما يبنى عليه علم العروض، والبحر الشعري عبارة عن مجموعة من التفاعيل، التي تختلف من بحر لآخر، وتنظم عليها الأبيات الشعرية، والبحور الشعرية مثل: البحر الوافر، البحر السريع، البحر البسيط، بحر الرمل، البحر الطويل، البحر المتدارك، البحر الخفيف، بحر الرجز، بحر المنسرح، وبحر المديد، وبحر المضارع، وبحر الهزج، وبحر المقتضب، وبحر الكامل.

تفعيلات البحور المختلفة

إن لكل بحر تفعيلاته المختلفة الخاصة به، وقد ذكرنا أن دراسة ذو الموهبة الفطرية في الشعر لعلم العروض تضيف إلى شعره التنوع، بدلًا من أن يحصر شعره في بعض البحور فقط، وهذا ما يعني بدراسة تفعيلات البحور في علم العروض، فمثلًا: تفعيلات بحر البسيط هي: مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن، وتفعيلات بحر المقتضب هي: فاعلاتٌ مفتعل، وبحر المتدارك: فعلن فعلن فعلن فعلن، وبحر المتقارب: فعولن فعولن فعولن فعولن، وبحر المجتث: مستفعلن فاعلاتن، وبحر المنسرح: مستفعلن مفعولات مفتعلن، وبحر الخفيف: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن، وبحر المضارع: مفاعيل فاعلاتن، وبحر السريع: مستفعلن مستفعلن فاعلن، وبحر الرجز: مستفعلن مستفعلن مستفعلن، وبحر الرمل: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن، وبحر الهزج: مفاعيلن مفاعيل، وبحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن، وبحر الوافر: مفاعلتن مفاعلتن فعولن، وبحر المديد: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن، وبحر الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن. ويتم الكشف عن البحر الشعري للبيت في القصيدة عن طريق تقطيع البيت.

الزحافات والعلل

لقد ذكرنا أن لكل بيت شعري تفعيلاته التي يتم تصنيف البيت من خلالها على بحر شعري معين، ولكن ماذا لو حصل خلل ما في هذه التفعيلات، بأن نقص حرف أو زاد؟ وهذا ما نقصده بالزحافات والعلل. فإن دراسة الزحافات والعلل يعد أساسًا من أساسيات علم العروض.

الزحافات

المعنى اللغوي للزحاف، وهو الإسراع، أما الاصطلاحي فهو: هو أي تغيير يدخل في العروض والضرب والحشو، ويكون الزحاف عبارة عن حذف الساكن، أو تسكين المتحرك، أو حذف المتحرك. وينقسم الزحاف إلى نوعين، بسيط، وهو الذي يكون في تغيير واحد فقط، ويشمل ثمانية أنواع: الإضمار، والخبن، والوقص، والطي، والعصب، والعقل، والقبص، والكف. وهناك الزحاف المركب، وهو يحدث عندما تصيب التفعيلة أكثر من تغيير، وهو عبارة عن أربعة أنواع: الخبل، الخزل، الشكل، النقص.

العلل

أما العلل، فهي تأتي على نوعين، إما علل الزيادة، أو علل النقص، فعلل الزيادة، إما تكون بزيادة حرفٍ، أو بزيادة حرفين في آخر التفعيلة، وهي ثلاث علل: الترفيل، التذييل، التسبيغ. أما النوع الثاني من العلل، فهو علل النقص، وهي تكون بنقصان حرف أو أكثر ويكون في العروض والضروب، مثل: الحذف، والقطع، والبتر، والقصر والقطف، والحذذ، والصلم، والكشف، والوقف. وهناك علل تجري مجرى الزحافات.

ولكن بالطبع لن تغني معرفة تلك المصطلحات عن الدراسة، فنحن ذكرنا كل شيء إجمالًا وليس تفصيلًا، فدراسة علم العروض تحتاج إلى دراسة نظرية واعية، وعملية، حتى يكون المرء ملمًا بدقائق هذا العلم، قادرًا على معرفة إن كان نظم هذا البيت صحيحًا أو لا، قادرًا على أن يصنف البيت تحت بحره المعين على أقل تقدير. إن علم العروض من العلوم القديرة، والتي تحتاج في دراستها إلى شغف، أكثر من مجرد دراسة واطلاع.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثمانية + 11 =