ضرر المثالية

من عدة قرون جمع معلم صيني تلاميذه وقسمهم إلى مجموعتين، طلب من المجموعة الأولى أن تقوم بصناعة عدد كبير من الأواني الخزفية وبناءً على العدد سيتم مكافئتهم، أما المجموعة الثانية فأمرهم بصنع قطعة واحدة من الخزف، لكنه يريد قطعة كاملة تبهر كل من يراها، وبعد انتهاء هذه التجربة كانت النتيجة غير متوقعة تمامًا فالفريق الذي صنع عدد كبير من الأواني كان صاحب القطع الأجمل، وتعد هذه القصة مطرقة تحطم وهم المثالية، لكن ليست المشكلة هنا في الأشخاص الذين يحاولون الوصول للمثالية أثناء قيمهم بأعمالهم بشكل صحيح، لكن المشكلة في الذين لا ينتجون أي شيء بالرغم من قدرتهم على الإنتاج خوفا منهم ألا يكون منتجهم مثاليا، وتعرف هذه الحالة في الطب النفسي باضطراب الشخصية المثالية، وأصحاب هذا الاضطراب لا يخفى عليهم ضرر المثالية الذي يعتبر عائقا كبيرا في حياتهم، وفي هذا المقال سنعرض لكم المثالية، وأضرارها، وكيف نحاول التخلص منها؟

تعريف المثالية وأمثلة عليها

المثالية هي طلب الكمال، وتعني أن الشخص لا يريد القيام بعمل سوى أن يقوم به بشكل لا يشوبه نقصان، ونجد أن الذي يسعى للمثالية يسعى لها على عدة أصعدة، فبعض الأشخاص يريد أن يكون الصديق الأفضل يراعي صديقه ولا يفعل أي شيء خطأ في هذه العلاقة، وآخر يريد أن يكون أفضل شريكًا في الحياة، أو أفضل معلما، ونجده يسعى دائما أن يكون خير شخصا في المدرسة، أو الطالب الذي يسعى للاشتراك في كل المسابقات المدرسية، ويقوم بكل الأنشطة كي يكون أفضل طالب عند معلميه، وقد لا نلاحظ ضرر المثالية هنا بشكل كبير بالرغم من أنها تسبب إزعاج دائم لصاحبها، لكنها قد تعتبر محفزا أيضا، لذلك نجد الكثير من الشركات تقوم بتعليق صورة الموظف المثالي كشكل من أشكل التشجيع لموظفيها، أما الجانب المظلم من المثالية فهو الذي يعيق المبدعين من الكُتاب، والرسامين، وغيرهم عن أداء أعمالهم، فمعظمهم يسعى دائما للمثالية، وفي النهاية تدفن أحلامه معه.

ضرر المثالية

ضرر المثالية ضرر المثالية

ظهرت المثالية على يد مدربين التنمية البشرية، وبدأت الفكرة تغرس في عقول الكثير من الناس، لكن بعد مرور الوقت أصبح ضرر المثالية أمرا يسهل لمسه، وتعتبر أول هذه الأضرار هي تأجيل الأعمال أو عدم القيام بها نهائيًا مثلما ذكرنا سابقًا، وفي أحيانًا أخرى يكون من المفترض أن يتم إنهاء العمل في وقت معين، وفي هذه الحالة يقترب وقت تسليم العمل، ويضطر الشخص في النهاية لتسليم العمل بجودة رديئة بسبب العجلة التي حدثت أثناء العمل، والسبب الثاني هو عدم إكمال العمل، فبعد بدأ الشخص في العمل والخوض في جزء كبير منه، يشعر أنه لا يقدم ما يطمح إليه وهنا يتوقف عن الذي يقوم به بشكل نهائي.

حل اضطراب الشخصية المثالية

يعتبر علماء النفس المثالية، من الأوهام التي يزينها الإنسان لنفسه، وذلك حيث يخدعنا عقلنا البشري ويضع لنا بعض الأمور في قوالب غير قوالبها الصحيحة من أجل أن يضمن أنه في منطقة الأمان، بمعنى آخر نجد أن بعض الناس تخاف من الدخول في العلاقات العاطفية لكي لا تفشل في أن تكون شخصية مثالية في هذه العلاقة، أو حتى كاتب لا يريد أن يبدأ رواياته، وهنا يقول علماء النفس أن هذا التردد من البدء في أي شيء جديد، هو مجرد خوف من النتائج، فمثلا قد ينهي الكاتب رواياته وعند نزولها في السوق لا تحقق الأرباح التي كان يتخيلها، أو قد تفشل تماما، وهنا يشك في موهبته من الأساس، لذلك يستمر العقل في خداع الإنسان بحجج مختلفة مثل المثالية حتى لا يدعه يقوم بشيء ويظل أمنًا معتقدا أنه يستطيع أن يقدم أعظم ما في الوجود، وعند تيقن الإنسان من هذه الحقيقة يمكنه أن ينطلق بلا خوف بعد فهمه هذا الوهم، ويمكنه أن يبدل مصطلح المثالية بالإتقان والاحترافية التي ستجعله يتقدم كل مرة يقوم بعمل عن الذي يسبقه.

وهكذا عرضنا لكم اضطراب الشخصية المثالية، وعرضنا تعريفها اللغوي والاصطلاحي، كما وضحنا ضرر المثالية وفندناه، والطرق التي عليك اتباعها لتتخلص من هذه الفكرة المعرقلة، وفي آخر المقال نذكر أن الثقة بالنفس مهمة، لكن يجب أن يكون هناك توازن بين هذه الثقة وبين المعرفة الصادقة للقدرات التي نمتلكها على أرض الواقع؛ لا يوجد شيء سلبي بشكل مطلق، أو إيجابي بشكل مطلق، وقد تختلف الأحكام على الأشياء من موقف لموقف، ومن زمن لزمن، لذلك يجب ألا يتم التعامل مع النصوص بشكل صلد، بل يحبذ التفكير والتدبر لكي نجعل الأدوات المختلفة تعمل لمصلحتنا الشخصية، وهكذا المثالية شخص يحسن بها حياته، وشخص يقع ضحية بين شباكها فتقضي على حياته.

الكاتب: أحمد أمين

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان × 2 =