سقراط

أفلاطون العلامة المسجلة في الفلسفة هو تلميذ للفيلسوف الشهيد سقراط وإليه يرجع الفضل الأكبر في تعريفنا بمن هو وماذا قدم للبشرية، بل الأهم أننا عن طريق تلامذته عرفنا شخصية هذا الرجل الغامض، وحياته، حتى حواراته معهم، كل شيء من اللحظة التي ظهر فيها فيلسوف الأخلاق كما يقال عن منهجه، حتى نهايته المأساوية مقتولاً، سيرته الذاتية وحياته الأسرية، طباعه كزوج وأفكاره كمفكر، وصولا لإلقاء التهم عليه وتكفيره، انتهاء بمشهد المحاكمة التاريخي وإعدامه المأساوي، كل لحظة تم تسجيلها بأشكال مختلفة، صحيح أن البعض يشكك في أن أفلاطون ومعه أريستوفانيس الكاتب المسرحي وأحد تلامذته أيضا، هما وغيرهما قد زينوا بشكل مبالغ فيه ودرامي بعض الشيء شخصية وسيرة سقراط، حتى يتم تمييزه وتمييز فلسفته التي كانوا من المعتقدين فيها، لكن على أي حال، يبقى الأثر الفكر لفلسفة سقراط، ومن تبعه من تلاميذ مفكرين وفنانين وكتاب، علامة في العقل البشري نعرفها معاً بالتفصيل في المقال التالي.

نبذة عن الفيلسوف سقراط

سقراط نبذة عن الفيلسوف سقراط

الفيلسوف والحكيم اليوناني سقراط تم قتله عن عمر السبعون، هو من مواليد 469 ق.م وتوفى عام 399 ق.م، من الفلاسفة الأوائل وهو عمود الأساس فيما يسمى بالفلسفة الغربية، بالرغم من انه لم يترك خلفة أي كتابات، لأنه أتشهر بالفلسفة الحوارية، إلا ان تلامذته من بعده، سلوا بحب وشغف وربما أضافوا أيضاً أو طوروا من أفكاره في عدد من الكتابات، من أكثر الأعمال التي وضحت للتاريخ شخصية سقراط، هو كتاب “حوارات أفلاطون” وهو أكثر عمل به إلمام وشامل لكل ما يتعلق بشخصية سقراط، ينسب لسقراط علم “الأخلاق” وهو نوع من الفلسفة الغربية سنتناولها بالتوضيح في الفقرة التالية، بالإضافة إلى انه يتم نسب مفاهيم المنهج السقراطي أو السقراطية الساخرة إليه عن طريق تلامذته أيضاً، والمنهج السقراطي يستخدم حتى اليوم بشكل واسع في النقاشات المعقدة بأنواعها، ويعتبر أحد أساسيات علم التربية، تم إدانة الفيلسوف الشهير بالهرطقة “الكفر” بسبب أفكاره، وبسبب جدالاته الفلسفية، ورفض التراجع عن أفكاره، واستسلم للإعدام في مشهد مأساوي خلده وفكره.

إنجازات سقراط الفكرية

“كل ما أعرفه بالنسبة لي، أنني لا أعرف شيء إطلاقاً”، تلك الجملة التي قالها سقراط لتلامذته كانت ببساطة فلسفته، ويُقال إنه توصل إليها لما كان يمدحه الناس ويقولون إن عنده فلسفة وحكمة، ولم يكن يرى هذا في نفسه، فذهب إلى الفلاسفة ليرى شأنهم وعلمهم، فسألهم بعض الأسئلة فوجدهم لا يقولون أبداً لا نعرف، ويجيبون خطأ وبحماقة في كثير من الأحيان، حينها قال في نفسه، أن أفضل ما يجيده حقاً هو اعترافه أنه “لا يعرف” ومن هنا تأتي حكمته، وبالفعل بدء بالمنهج السقراطي، وهو ببساطة عبارة عن طرح لمجموعة أسئلة تغطى مسألة أو قضية ما، ثم يدفع تلامذته للتشكيك فيما يظنوه من معتقدات وثوابت، ويعيدون التفكير مرارا وتكرارا، طارحين الأسئلة، وملقحون للإجابات، وخلق حالة من العصف الذهني الجماعي، تدفع العقل نحو الوصول للفلسفة والحكمة، ويجدون بأنفسهم الجواب من مقدمة “لا أعرف”، وهذا ما خلق الكثير من التشكيك في ثوابت الجامدة، وأعادت التساؤل في العقول الشابة، مما أزعج رجال الدين والحكام منه.

المنهج السقراطي وفلسفة الأخلاق

الطريقة أو المنهجية السقراطية، هي فلسفة قائمة على الحوار، حيث لم يترك خلفه سقراط أي كتابات بنفسه، إنما اعتمدت فكرته كلها على الحوارات. منهج السقراطية يتميز عن مناهج السفسطائيين بأنه غير قائم على التلقين والإلقاء بأي شكل. يقوم الحوار السقراطي على نقطتين أساسيتين، “الحقيقة موجودة” و “المعرفة ممكنة”، فعند بدء الجدل مع من يدعي المعرفة، يبدأ بفرض أن المعرفة حقيقية، ومن هذا الفرض يبدأ في طرح أسئلة لفحص نتائج تلك المعرفة، ولا يقرها معرفة حقيقية في النهاية إلا إذا أقرها “الطرفان”.

هدف المنهج السقراطي الوصول لوضوح ذاتي لدى المتحاورون، أي معرفة قائمة على وعي واضح ومنطقي بنفوسهم وما يعتقدوا من ثوابت. تلك الطريقة كانت بمثابة ثورة على الطرق التقليدية، التي كانت تتمركز حول التلقين والإلقاء الواضح. ويمكن شرح المراحل الخاصة بالمنهجية السقراطية في التالي: المرحلة الأولى من الطريقة السقراطية، أن تطرح المشكلة بشكل واضح ودقيق، بسؤال “ما هو” عادة، المرحلة الثانية تبدأ في وضع عدة إجابات للسؤال الأول، وتبدأ في فحص تلك الفروض بدقة، موضح التناقضات فيها أو التي تقود إليها، المرحلة الثالثة، تكون خلاصة تلك الرحلة وتفنيد المعلومات وتوضيحها، ويبدأ المتحدث نفسه يشعر أنه لم يكن يعرف بالفعل الجواب.

تفاصيل محاكمة وإعدام الفيلسوف

لوحة موت سقراط للفنان جاك لوي دافيد، علامة فنية مميزة بتفاصيلها وتصويرها للحدث بشكل يبدو كأنه حي حتى اللحظة، وقعت محاكمته في أثينا في عام 399 ق.م ووجهت له عدة تهم على رأسها الهرطقة ودعوة الشباب للإلحاد، ووصف تلاميذه المحاكمة بشكل واضح فيما بعد، كان الاتهام الرئيسي من ثلاث شخصيات، أنيتو “ابن شخصية سياسية بارزة” وميليتو “شاعر” وليقون متحدث عن المجموعة، وأقنعوا المحكمة بالتهمة، وتم استدعاء الفيلسوف للمثول أمامها، وكان نظام المحاكم يعتمد على “هيئة محلفين” مكونة من مواطنين عن طريق القرعة يتم اختيارهم، واجه الفيلسوف 500 مواطن، تم الحكم بإدانته ب280 صوت مقابل 220، وللأسف كان الفيلسوف غير عابئ بالموت، وكان يرى في المحاكمة مسرحية ساخرة، فاستهزأ بالعقوبة وبدلا من طلب العفو، أو طلب التعاطف، سخر من الحكم وعرض استبداله بأن يتم مكافأته بوجبة شهية بدلا من قتله، تلك النبرة من السخرية نفرت المواطنين الغاضبين لأجل معتقداتهم جهلا، فصوت 360 على حكم الإعدام مقابل 140 رفضوا الحكم.

نصحه تلاميذه بأن يهرب، وحاول البعض دفعه للتراجع عن أفكار وطلب العفو، إلا أنه رفض كلا الفكرتين، وأصر على احترام القوانين واحترام فلسفته، ويقال إنه قال ومن أكون أنا لو أنكرت بعد هذا العمر كل ما أمثله، وبالفعل أستسلم للموت، ويقال إنه همس آخر كلماته بأنه مدين لإله الموت على صنيعته معه، وتحول لشهيد الفكر باضطراره لتجرع سم الشوكران الأبقع السائل، في حضرة تلاميذه، وهو المشهد الذي تمثله اللوحة التي ذكرناها في البداية.

تلامذة وزوجة الفيلسوف المقتول

زوجة سقراط كانت بعكس المتوقع، لم تكن مثال عن قصة الحب الداعمة، بل واضح أنه كان الخلاف بين الزوجين في الشخصية عميق، فبالرغم من أنه تزوجها عن حب وكانت تدعى “كزانتيب” وتميزت بجمالها لما عرفها، وكانت واحدة من تلامذته صغيره في السن لم تتم عامها السادس عشر لما تزوجا، إلا أن هذا الحب السطحي لم يستمر، فمع المعيشة وضح اهتمام الزوجة بالحياة التقليدية، وتحملت وحدها حمل البيت والأولاد، في حين كان الفيلسوف لا يعمل ولم يهتم كثيراً بجني الأموال، مما أثار بينهما الخلافات حد الضغينة، وعرف عنها أنها كانت سليطة اللسان تهينه، ولم يكن يبرع “سقراط” في التعامل مع النساء كما يبدو فكان يزيدها غضباً بصمته وبروده، حتى سقطت ميتة في قلب عراك شب بينهما من جراء سكتة قلبية وهو صامت وبارد.

أما تلامذة سقراط فأبرزهم أفلاطون وأريستبوس، وألكيبيادس، وإليهم يرجع الفضل في حفظ أقوال وفكر سقراط بل وتحسينه من بعده.

أشهر أقوال سقراط

سقراط أشهر أقوال سقراط

  • لو قلت للمرأة إنها جميلة، فأفعل هذا بالهمس، فإن الشيطان إذ سمعك، رددها في أذنها مرات ومرات.
  • لو تساوت المرأة مع الرجل، لأصبحت سيدته.
  • الأفضل من الخير هو العمل به، والأسوأ من الشر هو العمل به.
  • الصبر يعينك على كل شيء.
  • دواء الغضب، الصمت.
  • الجاهل من يتعثر بالحجر نفسه مرتين.
  • عامل والديك كما تحب أن يعاملك أبناءك.
  • أن تعترف أنك “لا تعرف” هو رأس الحكمة.
  • رأس المودة، حسن يجزيها قليل من الأدب والأخلاق، في حين أن النفس الشريرة لا يفيدها الأدب وإن كثر.

يمكننا ببساطة الآن أن نقول أننا تعرفنا معاً على تلك الشخصية المثيرة، سقراط الذي لم يترك خلفه كتب أو فن واضح، لكنه تم تخليده بفضل تلامذته، خاض في حياته آلاف المعارك الفكرية، وبعد الحرب التي انهزمت فيها أثينا، اتبع خطوات مختلفة عن السائد، فخاض معركته مع الساسة والوطنيين من ذوي الصوت العالي والعقل المنخفض، فبدأ في عمل مراجعات فكرية للشباب عن مفاهيم الحق والباطل والعدل والسلام، ورأى أن تقويم الشعب هو النصر، وليس دفعه للقتال باسم الوطنية وحسب، وبهذا خلق لنفسه مئات الأعداء، كما أنه رفض في وقت سابق أن يشارك في حملات إعدام وأنكر بعض أفكار الدين وتساءل ن كثير من الثوابت، وأعتقد في الشك كطريق لليقين، كل هذا هو ما جعل نهايته تكون مأساوية ويعدم، إلا أنه يبدو أن إعدامه هو السبب في دفع تلامذته لتخليده، فربما كانت ثمرة السبعين عام من الحياة هي تلك اللحظة التي تجرع فيها السم، فأرتاح من الجدالات، وخلد فكره في الإنسانية.

الكاتب: شيماء سامي

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

4 + 11 =