رمضان في مصر

حين نقول رمضان في مصر مختلف فإننا نعني أنه مختلف بالفعل، فمن الكبير إلى الصغير، من الزقاق الضيق إلى الميدان المتسع، من البواب والعامل إلى الوزير واللواء، ومن التاجر في المحل إلى ربة المنزل، ومن التلفزيون إلى الإنترنت رمضان في مصر مختلف كليا، كل شيء في مصر يختلف في رمضان، حتى شكل الشوارع، من مكتظة وممتلئة ليلا وحتى الصباح الباكر، إلى خاوية على عروشها في الصباح وحتى قبل الإفطار بسبب رغبة الناس في النوم، شكل المحلات والمطاعم، المقاهي والخيم الرمضانية، الزينة والفوانيس وكل هذا، نريد أن نقول أن كل شيء في رمضان مختلف تماما حقا في مصر، وهذه ليست مبالغة، وسنستعرض أبرز اختلافات رمضان في مصر وكيف أضفى عليه المصريون ثقافتهم الخاصة فزادوه ألقًا على ألق.

استقبال شهر رمضان في مصر

رمضان في مصر استقبال شهر رمضان في مصر

استقبال شهر رمضان في مصر يأتي من قبلها بفترة قد تبلغ الشهر، تزدان المحلات بالمكسرات المستوردة وقمر الدين السوري الفاخر، التمر الهندي المحترم وأنواع التمور المختلفة، تضاء المحلات بالفوانيس الملونة ويشتري الآباء لأبنائهم الفوانيس بل وبدأت موضة جديدة أن يشتري الخاطبين لخطيباتهم الفوانيس بل والأزواج للزوجات أيضًا، تزدهر زينة رمضان في الشوارع والأزقة، يعمل على تعليقها الأطفال والمراهقين من أبناء المنطقة، وأحيانا يجمعون النقود من أهالي الحي أو القرية أو المنطقة لشراء الفانوس الكبير الذي سيعلق في الشارع، ويتعاون كهربائي الحي في توصيله بالكهرباء للإنارة، تعمل ربات البيوت على تخزين الصلصة والفواكه في الفريزر لاستخدامها في رمضان، وتنشط حركة الأسواق إلى حد كبير، رمَضان في مصر احتفال كبير وكرنفال جامع من قبل حتى أن يبدأ.

شوارع القاهرة في رمضان

تتزين الشوارع في رمضان في مصر كلها وخاصة القاهرة بحيث يكون الاستقبال بالغ الحفاوة، تزدان شوارع القاهرة بالزينة، تعلق المقاهي الفوانيس والورق الملون، تنشط حركة الأسواق وتزدحم التجمعات الاستهلاكية لشراء خزين رمضان، وعلى الرغم من أن القاهرة مدينة لا تنام إلا أن بعد الساعة الحادية عشر في الغالب تبدأ الحركة في الخفوت ويأوي الناس إلى منازلهم، بينما في رمضان فإن الناس يخرجون بداية من هذا الوقت تقريبا، حيث تبلغ شوارع القاهرة ذروتها، تمتلئ المقاهي عن آخرها بعد الإفطار، تزدحم الكافيهات والخيم الرمضانية، وتصدح في الأجواء الابتهالات والتسابيح بصوت النقشبندي، ويطوف الأبناء بالفوانيس يغنون “حالو يا حالو رمضان كريم يا حالو، فك الكيس وادينا بقشيش لنروح ما نجيش يا حالو”، وهي أغنية من الفلكلور يرددها الأبناء جيلا بعد جيل.

احتفال رمَضان في مصر

احتفال رمضان في مصر يبدأ منذ اللحظة التي تتحلق فيها كل الأسرة حول التلفزيون لمشاهدة احتفال دار الإفتاء المصرية في يوم التاسع والعشرين من شعبان لاستظهار هلال رمضان حيث سيعلن المفتي أن الغد هو المتمم لشهر شعبان أو هو غرة شهر رمضان وفي كل الحالات يكون هناك توقع بالحسابات الفلكية لليوم الأول من شهر رمضان ولكن مع ذلك هذا الاحتفال يعتبر مقدسا، ويبدأ الاحتفال الديني من خلال صلاة التراويح قبل العشاء بيوم، ويذيع التلفزيون أغاني رمضان المميزة ويعلن عن برامجه ومسلسلاته وفوازيره على مدى الشهر، فضلا عن الشوارع المزينة بزينة رمضان، الأوراق الملونة على شكل مثلثات مقلوبة ومعلقة في حبل، خيوط الأنوار الممتدة بعرض الشوارع أو من المآذن في المساجد وحتى الأرض، الحب الذي يملأ القلوب مما يدل أنك سيفوتك الكثير إن لم تحضر رمضان في مصر ولو مرة واحدة في حياتك.

مدفع رمضان في مصر

لمدفع رمضان في مصر قصة مشهورة كما أنها لها أكثر من رواية، الرواية الأولى أنها بدأت في عصر المماليك في القاهرة حين كان أحد القادة يجرب مدفعا جديدا فانطلقت القذيفة وقت أذان المغرب وظن الناس أن هذا إشارة لوقت الإفطار فأقبل الناس يشكرون القائد المملوكي ومن وقتها أمر بضرب المدفع كل يوم وقت الإفطار على قمة جبل المقطم، والرواية الثانية أن بعض الجنود أيام الخديوي إسماعيل كانوا يقومون بأعمال الصيانة للمدافع فانطلقت قذيفة في وقت مدفع رمضان ومن هنا أصبح المدفع من طقوس رمضان، وأيا كانت الرواية الصحيحة فإن مدفع رمضان مصادفة أصبحت من أهم ملامح رمضان ومفرداته، وقد انطلقت من مصر لشتى أرجاء العالم الإسلامي.

فوانيس رمضان في مصر

ومثلما بدأ مدفع رمضان من مصر بدأ فانوس رمَضان في مصر أيضًا، وأغلب الظن أنه بدأ في العصر الفاطمي، وتعددت الروايات حوله حيث قيل أن الوالي الفاطمي كان يخرج لرؤية شهر رمضان وكان الأطفال يضيئون له بالمصابيح، ومنها أن الوالي الفاطمي كان يأمر بإضاءة شوارع القاهرة بالفوانيس طوال شهر رمضان حتى يستضيء بها الناس للذهاب إلى صلاة الفجر وقيل أن الوالي المعز لدين الله كان قادما إلى القاهرة في غرة رمضان فخرج الناس يستقبلونه بالمصابيح فارتبط من وقتها رمضان بالمصابيح أو الفوانيس وكلمة فانوس أصلها إغريقي ومعناها مصباح أو قنديل.

الصيام في مصر

الصيام في مصر له طقوس خاصة، في الغالب يجلس الناس في المساجد من فترة بعد العصر حتى المغرب يقرؤون القرآن ويستغلون صيامهم في الذكر والتدبر، في القرى والأرياف يلعب الناس الألعاب الذهنية لتسلية صيامهم بعيدا عن الغيبة والنميمة حتى لا يفسد الناس صيامهم، بينما المعظم يستغلون رمضان في النوم معظم النهار لتسرية وقت الصيام، خصوصًا أنه في الأعوام العشر الأخيرة أصبح يأتي في الصيف، أي نهار طويل وفي نفس الوقت مليء بالعطش والجفاف، ويهتم المجتمع المصري بالحفاظ على الشكل العام لشهر رمَضان في مصر بحيث أن حتى من لا يصوم يكتم إفطاره حتى من الديانات الأخرى فإنهم لا يجاهرون بإفطارهم مراعاة لمشاعر الصائمين وللحفاظ على هذا الشكل من الإفطار.

المائدة المصرية في رمضان

المائدة الخاصة بشهر رمَضان في مصر على الدوام عامرة بكل أنواع الطعام، الفول المدمس والزبادي على السحور، المشويات والدجاج واللحوم، البط المصري الأصيل والمحشي على الإفطار، الكفتة والمسقعة باللحم المفروم بعد شوربة الخضار الساخن وغيرها، كل هذه الأطباق الشهية إلى جانب مشروبات السوبيا والتمر الهندي وقمر الدين والعناب المثلج، وبعد الإفطار حلويات الكنافة والبسبوسة والجلاش، إلى جانب الخشاف والزلابية ولقمة القاضي والمهلبية، وفي الشتاء يحل السحلب ضيفا كريما للتدفئة بعد الإفطار، المائدة المصرية في رمضان مائدة عامرة، وتستعد كل الأسر حسب مقدرتها لاستقبال الشهر الكريم بحفاوة منقطعة النظير.

أغاني رمضان في مصر

من أغنية رمضان جانا وفرحنا به والتي تعتبر النشيد الوطني لشهر رمضان في مصر وربما في العالم العربي بأكمله هناك أغنية “وحوي يا وحوي” وأغنية “افرحوا يا بنات يلا وهيصوا رمضان أهو نوّر فوانيسه” وأغنية الفنان محمد رشدي “يا بركة رمضان خليكي في الدار”، أما قُبيل انتهاء الشهر تذاع أغنية “تم البدر بدري، والأيام بتجري، والله لسة بدري يا شهر الصيام”، ويعتبر صوت تواشيح النقشبندي وخواطر الشيخ الشعراوي من أهم ملامح رمضان بالإضافة للأغاني التي ينشدها الأطفال مثل “بكرة صيام” والتي يتجولون بها ليلة الرؤية، وأغنية “حالو يا حالو”.

الدراما الرمضانية والبرامج المعتادة

رمضان في مصر الدراما الرمضانية والبرامج المعتادة

منذ زمن طويل ومسلسلات رمضان هي الأقوى، ودراما رمضان في مصر انتشرت للعالم بأجمعه، يكفي أن نقول أن كل الدول العربية تابعت بشغف كبير ليالي الحلمية على مدى خمسة أجزاء وقت عرضه أواخر الثمانينات، ولا زالت صديقتي العراقية تنقل لي بشغف كبير حفظ أمها للتتر، ومسلسلات مثل ذئاب الجبل وزيزينيا وهوانم جاردن سيتي وحديث الصباح والمساء تعتبر كلها من أفضل ما قدمت الدراما المصرية، كما ارتبطت أيضًا بالمسلسلات الدينية مثل مسلسل أبو حنيفة النعمان ومسلسل الطارق الذي أرخ سيرة القائد طارق بن زياد، بمشاركة نجوم سوريا ومصر، فضلا عن برامج الكاميرا الخفية التي خفت بريقها ودأب على مشاهدتها كافة الدول العربية وخواطر الشيخ الشعراوي وفوازير رمضان المتنوعة بأغانيها وحكاياتها الأسطورية الخيالية، الدراما المصرية في رمضان كانت تشحذ كل أسلحتها لتقديم شهر مميز على سبيل البرامج والمسلسلات والفقرات لإرضاء كافة الأذواق، ولا زالت حتى الآن تتبارى الفضائيات لتقديم أفضل ما لديها.

من كل ما سبق يتضح لنا أن رمَضان في مصر له نكهته المميزة، وأن المصريون قادرون على الدوام على إضفاء لمستهم المميزة لكل الطقوس الدينية وتقديمها في ثوب مبهج واحتفالي متألق، يجعل الجميع يرغب في هذا الدين الحنيف الذي لا يعني أبدا الكآبة أو الزهد بل الاحتفاء بالحياة والإقبال عليها طالما لن يخالف ما يرتضيه الله.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان + 2 =