ثقافة الاستهلاك

قد يستغرب البعض إقدامنا على فتح مجالٍ للحديث عن أمرٍ بسيطٍ نفعله جميعًا بشكلٍ تلقائيٍ في يومنا مثل ثقافة الاستهلاك ، بل ونعت ذلك السلوك بالثقافة أيضًا وهو ما يشي بأن الأمر أكبر مما نظنه وأوسع من فكرتنا المحدودة البسيطة عنه، وتلك هي الحقيقة فعلًا فكونك فردًا مجردًا تستهلك منتجًا بسيطًا أمرٌ عادي لن يخل بنظام الكون، لكنه على مقياس علم الاجتماع وعلى الصعيد الدولي ستكتشف أن ثقافة الاستهلاك وحدها قادرةٌ على تدمير دولٍ والقضاء عليها في المجمع الدولي تمامًا وجعلها تصبح وكأنها لم تكن.

حينما ننظر إلى الاستهلاك في محاولةٍ لتحديد موقعه في النشاط الاقتصادي سنجده هو المحطة الأخيرة التي يتوقف عندها قطار الإنتاج، أو التي تهبط فيها السلعة بعد رحلتها الطويلة في خط الإنتاج وهو أمرٌ طبيعيٌ ونتيجةٌ حتمية الحدوث للإنتاج، فلا قيمة للإنتاج إن لم نستهلكه ولا فائدة مرجوة من السلعة إن لم نكن بحاجةٍ إليها فعند ذلك سيصبح الإنتاج بحد ذاته هو وجه الخسارة، إذًَا لو كان الاستهلاك أمرًا حتميًا وطبيعيًا وسلوكًا لازم الوجود في الخطة الاقتصادية لكي تنجح فما السبب الذي يجعل ثقافة الاستهلاك في بعض الأحيان تعود بالخراب لا بالنفع؟ ذلك لأن لكل شيءٍ قوانينه وكل أمرٍ بحاجةٍ للاعتدال ولقوةٍ تساويه في المقدار وتضاده في الاتجاه كي لا تختل كفتا الميزان، فإن وضعنا الاستهلاك في كفة فبدون أن تنظر يجب أن تدرك أن الكفة الأخرى تحتوي على الإنتاج كي يستقيم الميزان.

ثقافة الاستهلاك إلى أين تقودنا ؟

1على الصعيد الفردي: إلى أين أودى الاستهلاك بالناس؟

حينما نأتي للنظر إلى الطبيعة الاستهلاكية ومغلوطية أو غياب ثقافة الاستهلاك الصحيحة عن العقول خاصةً في الدول الاستهلاكية من الدرجة الأولى حيث يظهر ذلك بشدة في مجتمعاتها سنجد أن حاجة الفرد ورغبته الاستهلاكية كانت فريسةً سهلةً استهدفها المنتجون للكسب عبر الدعاية والإعلان، فاستطاعوا بدون أن نشعر محو الحد الفاصل غير المرئي الموجود بين حاجات الإنسان الأساسية الداعية واللازمة للاستهلاك، ورفاهياته الاختيارية التي لا تحتم الاستهلاك خاصةً في حالة عدم القدرة على الإنتاج، إلا أن ذلك الحد اختفى اليوم عند الكثيرين وتمكنت الدعاية من زرع فكرةٍ مرعبةٍ في العقول نجحت فيها في تحويل الكثير من الرفاهيات إلى أساسيات في اعتقاد الكثيرين تجعلهم يفضلون النوم بلا عشاءٍ كل يوم رغبةً في توفير ثمن ذلك المنتج! لكن الأسوأ والأضل سبيلًا هو قدرتهم على استغلال مشاعر الإنسان واللعب على لا وعيه لأجل جعله يشعر بحاجته الماسة إلى منتجات هو في الأساس لا يحتاجها أبدًا وربما لو اشتراها لن يستخدمها لكن العبث بوتر رغبة الاستهلاك البشرية تدر عليهم الدخل وتعطيهم السلطة الأعلى فلماذا سيتوقفون؟ البعض وصل لمرحلةٍ من الاستهلاك صار عاجزًا فيها عن إيجاد الوقت والطاقة والفكر للإنتاج وهنا تكمن الكارثة.

2العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك

لماذا نعتبر العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك قويةً ووطيدة؟ ولماذا يصبح الاستهلاك بدون الإنتاج أمرًا خطيرًا وتهديدًا على مصلحة الدولة؟ ذلك لأن العملية الإنتاجية بأكملها تبدأ بالإنتاج وتنتهي بالاستهلاك، أمرٌ بديهيٌ بسيط، لكن الفكرة تكمن في أنك بحاجةٍ لأن تنتج الأشياء التي تود أن تستهلكها لتعيش بلادك في حالة سلامٍ وأمنٍ واستقرارٍ اقتصادي، أو على أقل تقدير أنت بحاجةٍ لتنتج أشياءً مقابل الأشياء التي لا تنتجها فتستوردها وتستهلكها، الإنتاج عمليةٌ حيويةٌ مهمةٌ جدًا لأي دولةٍ وتكاد تكون واحدةً من أكبر عوامل تحديد تقدم الدولة من تخلفها جنبًا إلى جنب مع عوامل أخرى بالطبع، لأن الإنتاج قبل أن يكون سلعةً فهو فكرةٌ تتأصل في شعب تلك الدولة، تجعلهم يعتادون فكرة الأخذ والعطاء وتقديم مقابل غير هين أمام ما يأخذونه، فلو فرضنا أن الدولة قادرةٌ على أن تنتج الأشياء التي تستهلكها عندها تحقق الدولة اكتفاءً ذاتيًا بإنتاجها ذلك وتصبح مالكة أمر نفسها وليس لأحدٍ آخر القدرة على التحكم في حاجة تلك الدولة من تلك السلعة أو قطعها عنها أو ابتزازها وتهديدها به مثلًا، الخيار الآخر هو عجز الدولة عن إنتاج سلعةٍ تستهلكها لذلك فهي تستوردها من الخارج، لكن التوازن يتحقق عندما تقدم تلك الدولة في المقابل سلعةً يصعب تصنيعها في دولٍ أخرى ولا تستطيع تلك الدول تحقيق الاكتفاء الذاتي منها عندها تبرز تلك الدولة في إنتاجها، بذلك تتحقق المعادلة الاقتصادية السليمة فهي تنتج وتصدر وهي تستورد وتستهلك، لكن تخيل دولةً لا تنتج وتكتفي بالاستيراد والاستهلاك كيف ستصبح حالتها الاقتصادية! غير أن تلك الدولة تترك رقبتها تحت سيطرة الدول الأخرى التي تكون قادرةً بغمضة عين على قطع العلاقات والتوقف عن التصدير دون أن يضرها شيء وتكون الدولة المستهلكة هي الخاسرة.

3الفرق بين الاستهلاك والاستهلاك

ثقافة الاستهلاك تحتم عليك أن تفهم جيدًا الفرق بين الاستهلاك الجيد والاستهلاك السيء، فالاستهلاك بحد ذاته ليس أمرًا سيئًا أو نحاول تفاديه والابتعاد عنه وإنما هو وجهٌ من أوجه الرفاهية وقدرة الدولة على توفير المواد الاستهلاكية عالية الجودة لشعبها يدل على الرفاهية والاستقرار الاقتصادي الذي تعيش فيه تلك الدولة، كما أن الاستهلاك يساهم في تحريك العجلة الاقتصادية ودفعها إلى الأمام فلو كان هناك إنتاجٌ بدون استهلاك فأين سنتخلص من كل ما أنتجناه؟ كما أن قدرة الناس على شراء المواد والسلع عالية الجودة واستهلاكها بمعدلٍ جيد يدل على سلامة المعادلة الاقتصادية والإنتاج استهلاكية في تلك الدولة وفي بيوت الأفراد أنفسهم، فالاستهلاك قد يصبح كبيرًا على شكلٍ دوليٍ أو صغيرًا بسيطًا على مستوى الأفراد في بيوتهم، وفي حالة سلامة الاقتصاد واستقرار الدولة يجب أن تجد الدولة رفاهيةً في استهلاكها وتصل تلك الرفاهية للأفراد في حياتهم الخاصة، فهم يعملون ويقدمون ويساهمون في عملية الإنتاج وبالمقابل يحصلون على الدخل المناسب والمال الكافي لإنفاقه على أساسيات الحياة أولًا ثم رفاهيات الحياة بدون ضررٍ أو ضيق.

4لماذا قضت الثقافة الاستهلاكية على بعض الدول؟

كون تلك الدول حملت الثقافة الاستهلاكية والعقلية التي توجه كل طاقتها وقدرتها لعملية الاستهلاك وحسب جعلتها لا تحقق أي نوعٍ من أنواع الاكتفاء الذاتي، وتكون دومًا عبئًا على الدول الأخرى خاصةً أنها لا تجد ما تقدمه مقابل ما تأخذه سوى الطاعة والذل والولاء، وتجعل تلك الدولة من نفسها ضعيفةً تابعةً للدول التي تمدها بحاجاتها الاستهلاكية ورهن إشارتها، ولا ننكر أن الكثير من الدول الكبيرة والقوية تلجأ لتلك اللعبة الاقتصادية من أجل فرض السيطرة السياسية والحصول على يد القوة الأعلى في تلك الدول، فتزداد القوية والغنية قوةً وغنى على قوةٍ وغنى وتزداد الضعيفة والفقيرة ضعفًا وفقرًا على ضعفٍ وفقر، وما يجعل تلك الدول بتلك الحالة ليس فقط ضعفها وفقرها وعجزها عن إنتاج حاجاتها الأساسية التي تحتاج إليها وإنما كونها تعتمد أيضًا على الحاجات الثانوية والرفاهيات التي تنتجها الدول الأخرى وتطلبها، فلا هي تحاول أن تنتجها بنفسها وتحقق لنفسها الاكتفاء الذاتي ولا هي تستغني عنها حفاظًا على ماء وجهها ومحاولةً لبناء وتحسين نفسها ولملمة شتاتها، على تلك الدول أن تدرك أنها مع الوقت تفقد هويتها وذاتها وتصبح مسخًا صغيرًا صنعته وتحكمت فيه الدول الكبيرة المسيطرة، تلك الدول لا تعطي الدول الصغيرة مجرد سلعٍ وحسب وإنما تصدر لها فكرًا وثقافةً قد يكونان مختلفين تمام الاختلاف عن فكر وثقافة الدولة نفسها لكنها تعتاد عليهما مع الوقت وتتطبع بهما، وما عاش حرًا من فقد نفسه.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان × 4 =