تلوث الهواء ومعدل الجرائم

العلاقة بين تلوث الهواء ومعدل الجرائم لم تكن واضحة إلا في السنوات الأخيرة، وقد أذهلت شدة هذه العلاقة وقوتها العديد من العلماء الباحثين في المجال، فكلما زادت معدلات تلوث الهواء، يزيد معدل ارتكاب الجرائم، وهذا ما زيادة عدم القدرة على اتخاذ القرارات الحكيمة، والغضب والعنف المتزايد، وتدني التحصيل العلمي والمعرفي، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض النفسية دون علاج، فكل تلك التوابع ناتجة عن التلوث الهوائي في المدن المكتظة بالسكان والسيارات، كما لو أن الأمر أصبح فيلمًا من الخيال العلمي، حيث تطارد الشرطة المجرمين في المدن الملوثة وتربط بين معدل التلوث ومعدل الجريمة، وفي هذا المقال توضيح لأهم الدراسات التي تحدثت عن علاقة تلوث الهواء ومعدل الجرائم، والشكل الذي يبدو عليه تلوث الهواء وتأثيره على عقول البشر.

شدة تلوث الهواء

تلوث الهواء ومعدل الجرائم شدة تلوث الهواء

معدلات تلوث الهواء أصبحت أخطر من أي وقت مضى، فاليوم يعيش أكثر من نصف سكان الأرض داخل المدن، والعديد ممن يعيشون في الريف والمدن الصغيرة يخططون للانتقال إلى المدن الأكبر، وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن 9 من كل 10 أشخاص حول العالم يتنفسون هواءً غير صحيًا، ولهذا الهواء آثارًا سلبية على الصحة توازي آثار التدخين، وتتسبب في وفاة الملايين سنويًا وتقليل متوسط عمر البشر، لأن تلوث الهواء هو احتواءه على جسيمات دقيقة جدًا تدخل جسم الإنسان عند التنفس وتسبب له السرطان وأمراض الصدر مثل الربو والحساسية، وتزيد من معدل السكتات القلبية والدماغية وترفع نسبة الإصابة بالخرف، والفئة المهددة بهذه الأمراض بنسبة أكبر هم الأطفال، حيث يقلل تلوث الهواء معدل نمو رئة الطفل بنسبة 5%، وتسبب له مشاكل جمة في الرئة والقلب وتقلل من أداءه المعرفي والدراسي.

تلوث الهواء وتدهور الأداء المعرفي والدراسي

عام 2011، قرر الباحث الأكاديمي في كلية الاقتصاد في لندن، سيفي روث، البحث عن الآثار المدمرة لتلوث الهواء بعيدًا عن الآثار المدمرة الصحية المعروفة، والبحث عن العلاقة بين تلوث الهواء ومعدل الجرائم ، وفي أول اختبار له، قام بمراقبة مجموعة من طلاب الكلية أثناء أداء الامتحانات في أوقات مختلفة من العام، وقام بقياس نسبة تلوث الهواء في هذه الأوقات، وجعل كلًا من أماكن انعقاد الامتحانات والمستوى التعليمي للطلاب ثابتًا، ولاحظ روث بأن الأداء المعرفي للطلاب يتناقص مع ارتفاع معدل تلوث الهواء، إذ حقق الطلاب أقل دراجات في الامتحانات عند قياس معدل تلوث الهواء في أقصى دراجاته، وتزيد تدريجيًا الدراجات مع انخفاض تلوث الهواء.

وتابع روث بحثه مع هؤلاء الطلاب بعد 10 أعوام من الاختبار الأول، ليكتشف أن الطلاب الذين تعرضوا اضطروا لأداء الامتحانات مع معدل تلوث عالي، حصلوا على درجات علمية أقل ورواتب أقل في عملهم، مقارنة بمن قاموا بأداء الامتحانات في ظروف أفضل، ويقول روث، أنه على الرغم من أن تأثير تلوث الهواء على الأداء المعرفي للطلاب كان لأجل قصير المدى في فترة الامتحانات، إلا إنه في ذات الوقت أثر عليهم بشكل طويل المدى على مستوى التعليم الذي وصلوا له بالنهاية، والوظائف التي عملوا بها، نتيجة تعرضهم لمعدلات التلوث في هذا الوقت الحاسم من دراستهم العلمية، وبالتالي سيعاني الطلاب في المدن المزدحمة والملوثة من تدني دراسي مقارنة بطلاب المدن قليلة السكان ونظيفة الهواء.

تلوث الهواء والإنتاجية

في دراسة أخرى تمت في عام 2016، وجدت بأن تلوث الهواء يؤثر على العمال في جميع المصالح الحكومية والخاصة، وبالتالي فإنه يؤثر على إنتاجية العمل، وتدني الأجور، وارتفاع معدلات البطالة، حيث ارتبط معدل تلوث الهواء بمعدل انتشار البطالة وتدهور الحالات الاقتصادية للمدن المزدحمة، وتدهور سلوكيات العمال في العمل، حيث تزداد فرص التغيب عن العمل والأداء البطيء أو غير المتقن، بما في ذلك أداء المعلمين في المدارس، ما يثبت صحة ارتباط تلوث الهواء والمستوى التعليمي للطلاب، لأن المعلمين لا يقومون بواجباتهم تجاه الطلاب بجدية.

تلوث الهواء ومعدل الجرائم

في دراسة تمت عام 2018 على يد نفس الباحث، سيفي روث، مع فريق بحث متخصص، قاموا بتحليل سجلات الجرائم بمختلف أنواعها في 600 دائرة في لندن، وسجلوا معدل تلوث الهواء في هذه المناطق، ليجدوا بأنه كلما ارتفع معدل تلوث الهواء، زادت معدلات الجريمة والمخالفات التي تسجلها الشرطة، سواء كانت هذه المناطق تعاني من الفقر أم لا، ستبقى النتيجة ثابتة، وفي نفس الوقت قاموا بدراسة أخرى، لمراقبة تأثير سحابة من الهواء الملوث على المنطقة التي تمر فوقها لعدة أيام، حيث تنتقل السحابة حاملة الهواء الملوث مع اتجاه الرياح وتمكث فوق منطقة معينة عدة أيام، وقام الفريق بتتبع السحابة ومعدل الجرائم في كل منطقة، ليكتشفوا قوة العلاقة بين تلوث الهواء ومعدل الجرائم ، إذ تزيد معدلات الجرائم والمخالفات عند عبور السحابة فوق المنطقة المعنية، وتقل كلما انتقلت السحابة تدريجيًا إلى المنطقة التالية، على الرغم من أن مستويات التلوث عادة معتدلة بحسب تصنيفات وكالة حماية البيئة الأمريكية، ولم تكن درجة التلوث خطيرة بحسب التصنيفات العالمية.

تلوث الهواء في الولايات المتحدة الأمريكية

في دراسة أقامها فريق بحثي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، عن العلاقة بين تلوث الهواء ومعدل الجرائم ، قاموا بتحليل سجلات الجرائم في أغلب مدن الولايات المتحدة، وعلى مدار 9 أعوام، وركزوا في دراستهم على الجرائم الخطيرة، مثل القتل والاعتداء والسرقة، ليجدوا بأن معدل الجرائم الخطيرة يرتفع مع ارتفاع معدل تلوث الهواء في المدن الأكثر ازدحامًا بشكل ملحوظ.

تأثير تلوث الهواء على المراهقين

في دراسة أخرى قامت عن تلوث الهواء ومعدل الجرائم عند المراهقين، وجدت بأن معدل تلوث الهواء يؤثر على زيادة المخلفات التي يقوم بها المراهقين، مثل التغيب عن الفصول الدراسية وارتكاب جرائم مثل السرقة والاعتداء وتعاطي المخدرات وتخريب الممتلكات العامة، هذه الدراسة أقيمت في جامعة جنوب كاليفورنيا على يد فريق بحثي بقيادة ديانا يونان، والتي ركزت دراستها على تأثير ملوثات الهواء التي تقل في القطر عن 2.5 ميكرومتر، وتأثير تراكم هذه الملوثات على مدار 12 عام عند 682 مراهق.

ووضعت الدراسة في اعتبراها العوامل الأخرى التي قد تؤدي إلى انحراف سلوك المراهق مثل المستوى المعيشي والمستوى الدراسي، وجاءت النتائج صادمة، بأن تلوث الهواء ليس له علاقة بمعدل الجرائم عند المراهقين فقط، بل يؤثر على مستقبل المراهق بأكمله، حيث يؤثر على مستواه الدراسي واحتمال تعاطيه للمخدرات وإدمانها، وبالتالي لا يؤثر التلوث الهوائي تأثير وقتي فقط، بل تأثير على المدى البعيد أيضًا، وفي مارس 2019، أظهرت دراسة من جامعة كيغز كوليدج في لندن، بأن المواد السامة المُحملة في الهواء الملوث يمكن أن تصيب المراهق بجنون الارتياب وسماع أصوات غير حقيقية، وأشكال من الهلوسة.

تلوث الهواء والعامل النفسي

لمحاولة تفسير هذه العلاقة الوطيدة بين تلوث الهواء ومعدل الجرائم، اتجه بعض العلماء لدراسة التأثير النفسي الذي يسببه تلوث الهواء، حيث قام فريق من الباحثين بعرض مجموعة من الصور على مشاركين متطوعين، هذه الصور كانت لمدن ملوثة، وذلك لرؤية التأثير النفسي التي تطبعه الصور عند المشاركين، ولاحظ الفريق أن المشاركين شعروا بالتوتر والقلق والأنانية، وهذه المشاعر تدفع الشخص للقيام بأفعال عنيفة من باب الدفاع عن النفس، حتى من دون داعي لذلك.

تلوث الهواء والتأثير الفسيولوجي على الدماغ

تلوث الهواء ومعدل الجرائم تلوث الهواء والتأثير الفسيولوجي على الدماغ

لتلوث الهواء تأثير مباشر على دماغ البشر، حيث يقلل الهواء الملوث من وصول الهواء النظيف المُحمل بالأكسجين إلى الدماغ، مع التسبب في التهابات بالمجرى الهوائي، وصداع، وهذا التأثير الفسيولوجي المباشر يتسبب في تقليل مستوى التركيز ما قد يؤثر على القدرة على اتخاذ القرارات الحكيمة وزيادة العنف كرد على أي موقف يتعرض له الإنسان، كما قد يتسبب تلوث الهواء على المدى البعيد في الإصابة بالالتهابات في الخلايا العصبية بالدماغ، خاصة بمنطقة الفص الجبهي، وهي المسئولة عن دوافع الإنسان والتحكم في سلوكه وضبط النفس، كما ربطت العديد من الدراسات بين تلوث الهواء والإصابة بالخرف.

العلاقة بين تلوث الهواء ومعدل الجرائم هي حقيقة مؤكدة الآن بين العلماء، نتيجة للتدهور المعرفي والدراسي، وانتشار البطالة، والتأثير النفسي، والتأثير الفسيولوجي على الدماغ، ما يؤثر على سلوكيات البشر وفرص اتخاذهم للقرارات الصحيحة وتجنب العنف، ومن الواجب على كل المدن الكبرى أن تحاول تقليل التلوث مثل لندن وكالفورنيا، اللتان قامتا بإصدار قوانين تقلل من انبعاثات الكربون، ومن واجب كل فرد مراقبة معدل تلوث الهواء في صباح كل يوم، عبر المواقع التي تقوم بهذه الخدمة، لتجنب الخروج من المنزل في الأيام التي ترتفع فيها نسبة التلوث بشكل كبير، حفاظًا على الصحة البدنية والعقلية والنفسية للفرد، خاصة الأطفال والمراهقين.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

عشرين + 5 =