تحول تركيا للعلمانية

كيف حدث تحول تركيا للعلمانية بعد أن كانت موطن الخلافة؟ ومن هو أتاتورك الذي سميت تركيا الحديثة به؟ وكيف انتهت الخلافة العثمانية؟ وهل يتعارض النظام العلماني في تركيا حاليا بأي شكل مع الإسلام؟ كلها أسئلة لا تهم الأتراك وحدهم الذين بالطبع يعرفون تاريخيهم بشكل دقيق، إنما تهم كل البلاد ذات الأغلبية المسلمة، وبلاد الشرق عامة، فتفهم النقلة التي حدثت بتركيا، وآثرها على الاقتصاد وقوة تركيا كدولة، شأن مهم لنتفهم شكل الحكم قبل أردوغان وما الفرق بين دولة الخلافة والدولة العلمانية وهل آثرت العلمانية على الإسلام بأي شكل، كل تلك الأسئلة نجيب عنها ونعرف بشكل مبسط دستور تركيا الحالي، وما هي مظاهر العلمانية في تركيا، وكيف تؤثر في حياة الأتراك هناك، كما أننا نتعرف على شكل الحياة العامة في البلاد هناك في العصر الحالي، وعلى ميول أردوغان وحزبه والمعارضون له، كل ما سبق نتعلم منه بشكل عملي الكثير عن العلمانية وأنظمة الدول الحديثة.

من هو أتاتورك سبب تحول تركيا للعلمانية ؟

تحول تركيا للعلمانية من هو أتاتورك سبب تحول تركيا للعلمانية ؟

مصطفى كمال أتاتورك هو القائد لما يسمى بالحركة التركية الوطنية، وكان القائد لحراك تحول تركيا للعلمانية نشأت تلك الحركة بعد الهزيمة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1922، وجعل عاصمة تركيا أنقرة، وأسس الجمهورية التركية الحديثة، وأعلن علمانية الدولة وإلغاء نظام الخلافة الإسلامي، ويعتمد مفهوم العلمانية على فصل الدين عن مؤسسات الدولة، وكان أتاتورك أو ما يلقبه الأتراك بأبو تركيا، علمانيا قوميا، وعرفت نظرياته وأفكاره باسم الكمالية، وقد ترك علامة واضحة في الدولة التركية عسكريا واقتصاديا وسياسياً، وهو واضع حجر الأساس لما يعرف بتركيا الحديثة اليوم، وسبب رئيسي في تطورها، كان أتاتورك عسكري في الأصل رغم اعتراض والدته في البداية على التحاقه بمدرسة عسكرية، إلا أنه أعجب بالزي العسكري وتفوق في الحياة العسكرية، وألتحق بسلاح الفرسان في الجيش الخامس.

بدء أتاتورك من صغره الاهتمام بالسياسية وبالثورات التي حدثت في سوريا بوقت ألتحاقه بالجيش، وأسس جمعية الوطن والحرية، وبجانب المهارات العسكرية، أهتم بتحصيل العلوم السياسية واكتسب مهارات وتفوق فيها، وساد نفوذه على كافة أنحاء البلاد وحتى خارجها، وبعد مسيرة عسكرية متفوقة شن انقلاب ضد حكومة يعقوب جميل، واستمرت المناوشات بينه وبين بقايا الخلافة التي كانت قد أنهكتها الخيانات والحرب، حتى انتصر وانتخب كأول رئيس جمهورية لتركيا الحديثة.

تحول تركيا للعلمانية من الخلافة

بدء تحول تركيا للعلمانية عام 1928 عندما تم تعديل الدستور التركي وإزالة جملة “دين الدولة هو الإسلام”، وبعدها بدأ أتاتورك مجموعة من الإصلاحات تشمل الإجراءات الإدارية والسياسي لتتحول تركيا لما يعرف بالأيدلوجية الكمالية، وبعد تسع سنوات كاملة من العمل على تحويل تركيا لدولة علمانية وتطبيق النظام الديمقراطي بدلا من الخلافة، والعمل على تحديث النظام ككل، تم كتابة صفة “علمانية” صراحة في الدستور التركي في الخامس من فبراير لعام 1937، والنظام العلماني بخلاف الأنظمة القائمة على دين معين مثل الخلافة الإسلامية، يعتبر النظام العلماني الدولة ومؤسساتها في حالة حياد نشط من كافة الأديان والمتدينين، مما يسمح للأفراد الحفاظ على هويتهم الدينية حرة ومستقلة تماماً عن أي تدخل من جانب الدولة، وبدأت العلمانية في تركيا تخذ مجرى لها من قبل هذا التاريخ بقرابة التسعين عام، فمنذ 1839 بدأت تنظيمات وحركات تدعو لتصحيح خطوات الخلافة وتحديث الإمبراطورية العثمانية، وازدادت مع الدستور الثاني وظهور عدد من الحركات مثل جمعية الاتحاد والرقي.

دستور تركيا الحالي

تحول تركيا للعلمانية دستور تركيا الحالي

الدستور في دولة تركيا حاليا بعد أن تم تحول تركيا للعلمانية هو دستور 1982 المعروف بالدستور العام، وتم التصديق على هذا الدستور في السابع من شهر نوفمبر لعام 1982م بعدما حل محل دستور عام 1961، وتم عمل تعديلات على هذا الدستور سبعة عشر مرة، مرة خلال عام 2007 ومرة في 2010، ومن أشهر التعديلات على الدستور كانت المراجعة الدستورية له في عام 2010 وتمت الموافقة من 58% من المصوتين، للسماح للجمعية الوطنية بتعيين عدد من قضاة المحكمة العليا، مما نتج عنه تقليل المحاكمات العسكرية للمدنيين، وتحسين حقوق الإنسان بشكل عام، وأيضا جعلت من الممكن الملاحقة القضائية لقادة أي انقلاب عسكري قديم، ثم في عام 2017 تم عمل تعديل مرة أخرى على الدستور وتم الموافقة عليه بنسبة 51% فقط، كانت التعديلات تشمل 18 مقترحا، اقترحت التعديلات من حزب العدالة والتنمية الحاكم ورئيسة رجب أردوغان، وحولت التعديلات نظام تركيا من الحكم البرلماني، إلى الرئاسة التنفيذية، بالإضافة لعدة تعديلات أخرى خاصة بنظام الحكم.

تركيا دولة علمانية أو مسلمة؟

حسناً الأمر محير بعض الشيء، فبالرغم من أن الدستور ينص على علمانية الدولة، إلا أن شعبها بنسبة كبيرة متدين، وهو الأمر الذي قد يبدو محيرا، لمن يلتبس عليه الفرق بين علمانية الدولة، وبين اعتقاد شعوبها في دين، علمانية الدولة نفسها تعني عدم تأثير الدولة على قرارات الأفراد بسبب وازع ديني، إنما لا يعني حرمان الأفراد من ممارسة أي دين يعتقدون، وهو الأمر الذي حدث في تركيا الحديثة، فصل الدين عن الدولة في تركيا يعني أن المؤسسات نفسها لا تتدخل في دين الأفراد، إلا أنه في العقدين الأخيرين من الحياة في دولة تركيا وبعد سيطرة حزب العدالة والتنمية المعروف بميول الدينية، فقد ظهر توجهات دينية في بعض قرارات أردوغان، إلا أنه بالطبع مازال متمسك بعلمانية الدولة بحكم الدستور، تحول تركيا للعلمانية كان في البداية صعب ومنحرف عن طرق الديمقراطية إلا أنه مع بعض الوقت استقرت الأمور، وأصبح الفرق واضح بين حرية الأفراد في الاعتقاد وفصل الدين عن الدولة نفسها.

مظاهر تحول تركيا للعلمانية

عانت تركيا في بدايات تحول تركيا للعلمانية من مغالاة في منع أي مظاهر للدين، ويمكن القول بأنه كان رد فعل على ما حدث أثناء الخلافة العثمانية من إكراه على مظاهر التدين، لكن تلك المغالاة خلقت مشاكل بالطبع كثيرة لدى المتدينين، ممن يحق لهم ممارسة طقوس الدين وظواهره بحماية الدولة، وهو ما حدث مع الوقت، فبعد أن كان هناك قيود على الصلاة والحجاب وكثير من مظاهر التدين سواء الإسلامية أو غيرها، تم السماح لكافة الأفراد بممارسة طقوس دياناتهم بحماية كاملة من الدولة، ومن مظاهر العلمانية في دولة تركيا هو منع الأحزاب ذات الأفكار الدينية، فبالرغم من إباحة حرية التدين للأفراد، إلا أنه منع ممارسة العمل السياسي تحت راية دين معين وباسم أي مذهب، لكن تخلت الأحزاب الدينية عن الاعتراف الرسمي بأجندتها الدينية، في حين بقي معروف عنها توجهاتها الدينية، مثل حزب الفضيلة التركي، وحزب العدالة والتنمية الحاكم.

الحكم في تركيا قبل أردوغان

حكم تركيا بعد تحول تركيا للعلمانية اثنا عشر حاكم ما بين فترات انتقالية، وحكم مستقر، بعد فترة حكم أتاتورك لمدة 15 عام جاء رئيس اسمه عبد الخالق ريندا من نفس حزب أتاتورك حزب الشعب الجمهوري، وحكم لمدة انتقالية حتى انتقل الحكم في شهر لمصطفى عصمت إينونو من نفس الحزب واستمر حكمه لمدة 12 عام، ثم حكم تركيا محمود جلال بايار لمدة 10 أعوام من الحزب الديمقراطي كان هذا حتى عام 1960 حتى قام الجيش بعمل انقلاب عسكري وتم توجيه تهم الخيانة له والانقلاب على الدستور وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ثم تم العفو عنه لمرضه الشديد بعدها بأربعة أعوام، استمرت تركيا في حالة عدم استقرار على آثر الانقلاب العسكري، من 1960 وحتى 1966 عندما مات جمال كورسل قائد الانقلاب العسكري بالسكتة القلبية، فأتبعه جودت صوناي العسكري أيضاً بعد فترة انتقالية، وأستمر في الحكم حتى 1973.

واستمرت الرئاسة تتنقل من يد عسكري لآخر حتى عام 1989 مع رحيل آخر حاكم عسكري “كنعان أورن” لما توفي في عمر يقارب من مئة عام! تولى بعدها حزب الوطن الأم، وهو حزب رأسمالي ليبرالي، استمر في الحكم لمدة أربعة أعوام ثم توفى، وتولى الحكم من بعده حزب الطريق القويم ممثل في سليمان دميرل ولمدة 7 سنوات، وانتقل بعدها الحكم بشكل ديمقراطي إلى السلك القضائي ممثل في القاضي أحمد نجدت سيزر لمدة 7 أعوام، ثم انتقل الحكم سلمياً بشكل ديمقراطي إلى حزب العدالة والتنمية ممثلاً في عبد الله غل ولمدة سبعة أعوام، بعدها عام 2014 تولى رجب طيب أردوغان وحتى اليوم.

هل رجب طيب أردوغان علماني؟

تحول تركيا للعلمانية هل رجب طيب أردوغان علماني؟

تحول تركيا للعلمانية لم تكن عملية سهلة، كانت مكلفة ومتقلبة، فكما وضحنا فلقد مرت تركيا بتقلبات ومشاكل مختلفة من وقت وصول أتاتورك للحكم، وبالرغم من الإيجابيات الكثيرة التي ظهرت على الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في دولة تركيا الحديث، إلا أنه لا يمكن إنكار الكثير من المشاكل والآثار السلبية التي عان منها تركيا حتى وصلت للشكل المستقر نسبياً حالياً، ومن أهم أسباب الاستقرار في تركيا، اعتماد الديمقراطية نظام قائم مهما تغير الحكام، وكذلك الحفاظ على دستور الدولة بجوهره العلماني، في حين أن أردوغان نفسه وحزبه معروف عنهم توجهاتهم الدينية، إلا أنهم يحترمون الدستور التركي بالطبع ويحافظون على مبدأ الفصل بين الدولة والدين، بالرغم من ميولهم الشخصية اتجاه الحكم الديني، إلا أنه يحترم الحكم المدني في النهاية، وفي عام 2011 حث أردوغان المصريون على بناء دولة علمانية اقتداء بتركيا، خلال لقاء تلفزيوني له، حيث أكد أنه مسلم ويتولى مسؤولية رئاسة وزراء دولة علمانية، وحث المصريون على فعل المثل في نظامهم الحديث وقتها.

تحول تركيا للعلمانية من بعد الخلافة العثمانية، كانت رسالة للشرق الأوسط، بأن التحول نحو الأنظمة الحديثة وفصل الدين عن الدولة في النظام العلماني، لن يضيع الهوية الدينية عن الشعوب، على العكس فوفقاً للإحصائيات فإنه أكثر من 95% من الشعب التركي متدين، في حين أن قلة هم اللاأدريين أو الملحدين، وأيضاً أكثر من 70% من المتدنيين، متمسكون بقواعد دينيهم وظواهره وطقوسه، ويعتمد النظام الحديث في تركيا على قوائم ثلاثة أساسية أولها الاهتمام بالتعليم، والإدارة الجيدة لموارد الدولة، والتنظيم الصحيح لقواعد النظام ككل في الدولة، واليوم تركيا هي واحدة من أقوى الدول اقتصاديا وسياسيا، ومحرك أساسي للكثير من الأحداث السياسية في العالم العربي خاصة والعالم كله ككل، ويعود هذا النجاح بشكل أساسي لتداول السلطة بشكل سلمي معتمدا على صناديق الاقتراع بشكل ديمقراطي محترم.

الكاتب: شيماء سامي

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

إحدى عشر − 9 =