تجنيس المخ

تجنيس المخ أحد أهم القضايا الطبية التي تم إثارتها مؤخرا في عصر الذرة، فاهتمام الباحثين الطبيين بتصنيف المخ وإظهار فوارق محددة بين شكل مخ الذكر وشكل مخ الأنثى دفع العجلة شيء في طريق التقدم البحثي فيما يخص هذا المجال، وكما هو مشهور فإن الفوارق الشكلية والحجمية بين الذكر والأنثي موجودة فحجم مخ المرأة اقل قليلا من الرجل، لكن على الجانب الفسيولوجي الداخلي وكذلك النفسي الأمر ليس بالبساطة أن يحسب تبعا لحجم مخ كلا منا. فكيف يتم تجنيس المخ داخل الجسم البشري منذ تكونه كجنين مرورا بمرحلة الولادة وحتى البلوغ؟ وماهي الأنواع التي صنفها العلماء للمخ؟ وما أهم سمات كلا منها؟! سنجيب عن هذا كله داخل مقالنا هذا، كما سنستعرض أهم أراء علماء الهرمونات عن دور الهرمونات في تكوين المخ وما هي أهم الفوارق بين مخ المرأة والرجل.

ما هو تجنيس المخ ؟ متى يصبح المخ ذكوريا أم أنثويا؟!

تجنيس المخ مبدئيا هو إعطاء المخ صفة جنس مطابقة لجنس الإنسان الذي يحمله. ويبدأ تجنيس المخ منذ بدأ تكونينه؛ حيث وحسب أراء علماء الهرمونات تقوم الهرمونات بتكوين الأعضاء التناسلية والمخ في الأسبوع الثامن وحتى الثامن عشر من الحمل، فتقوم الهرمونات الأنثوية بتكوينه في الإناث، بينما تتوجه الذكورية لتكوينه في الاتجاه الذكوري. ثم تكتمل هذه العملية بعد الولادة حيث تحدث قفزة كبيرة في أفراز الهرمونات لدى الطفل في الشهر السادس من ولادته، وتستمر لفترة طويلة تمتد لتسعة أشهر عند الذكور وسنتين للإناث، وهذا يعني وفقا لما سبق أن مخ الذكر يكتمل نضجه أسرع من مخ المرأة، لكنه في المقابل يضمر أسرع ثلاث مرات عنها عند التقدم في العمر. كما أن الفارق الزمني الطويل في النضج يوضح جزء كبيرا من الفارق في تكون المخ لدى الجنسين منها على سبيل المثال كبر حجم مخ الرجل عن المرأة. لكن فيم بعد تم اكتشاف طارئ جديد بعد مراقبة حالة نادرة لأحد طيور الزرد المولد نصف ذكر ونصف أنثى، في أن الموضوع يتعدى الهرمونات ليصل للجينات، فلو كان الموضوع يخص الهرمونات لما كان العصفور قد ولد بهيئة متناصفة ظاهريا وداخليا (تم تشريح دماغه ودراسته ليتضح بأن الجزء الأيمن ذكوري والأيسر أنثوي).

عوامل تجنيس المخ وقولبته

لتحقق تجنيس المخ عوامل منها الفطري ومنها المكتسب الفطري يتركز في تكوين المخ نفسه وهذا سنتطرق له باستطراد لاحقا، بينما المكتسب يخضع للعادات والتقاليد والثقافة ومن هذه العوامل تربية الطفل منزليا كمنع الولد من البكاء مقارنة بالبنت، وكذلك عامل صناعة الألعاب وفصل الجنسين في المدارس والعمل والمفاهيم الدينية و وتحكم العقل الجمعي في الفرد.

في مخنا.. مخان!

للعقل عامة آليتان للتعامل مع المعلومات يمكن تسميتهما بالمخين أحدهما انفعالي والآخر منطقي، فالانفعالي هو المحفز لعواطفنا ومشاعرنا في التعاطي مع المواقف، أما العقلي فمهمته معالجة البيانات بشكل جامد واقعي، ومثال ذلك أننا إن تعرض أحدنا للسعة بالنار فالأولى تقوم بتحفيز ردة فعلنا (الخوف وتبعاته من صراخ وإحساس بالألم) بينما الثانية تقوم بالتحكم في رد الفعل نفسه فتكبح الصراخ الناتج عن الموقف أو تبعد المنطقة الملسوعة عن النار، وتفكر في كيفية تخفيف هذا الألم. وتترجم هذه المنقطة دائما خبرة أن النار خطرة يجب الحذر منها، بينما تكتفي العاطفية بتذكر الألم الناتج عن الحريق. وهذه الآليتين المختلفين تتمايزان لدى الجنسين في التركيبة الأساسية لدماغيهما، ووفقا لهذه التركيبة البيولوجية تغلب لدى الذكر المنطقية بينما تغلب الانفعالية لدى النساء. ولكن هذه الآليتان وإن أعطتا سمات واضحة متباينة إلا أنها لا تعد مطابقة لمفهوم تجنيس المخ.

تركيبة المخ الذكوري والمخ الأنثوي

تتداخل عوامل كثيرة في تكوين المخ منها ما هو فطري منذ التنشئة، ومنها ما هو مكتسب بحكم ظروف البيئية المحيطة وعوامل التربية، ويترتب على هذه العوامل اختلاف في توجهات كلا الجنسين في اتخاذ القرارات وتحديد الأولويات، ولنفهم أكثر عن تجنيس المخ يجب أن نتطرق قليلا لبعض الفوارق التركيبية بينهما.

توجد خلايا أكثر في القشرة المخية (مركز العقل المنطقي والتحكم في الانفعالات) للذكور بينما يحصل تواصل أكبر بين الخلايا في الإناث لذا يصبح الاتصال بين نصفي المخ لديها أعلى. أما بالنسبة للوظائف فالتخصص الشديد في المراكز المختلفة لدى الرجل أشد ما يجعل قدرته على التركيز أعلى، بينما يشوش العقل الانفعالي على مراكز المخ في عقل المرأة بشكل كبير. وهناك وظائف رئيسية تتواجد في أماكن مختلفة في المخ الذكوري عن الأنثوي.

الذاكرة

تتركز لدى الرجل في فصي مخه ما يجعل قدرته على استعادة الذكريات أكبر، بينما تتمركز لدى المرأة في النصف الكروي وهذا يجعلها تحلل ما تتذكره أكثر.

اللغة

تتوزع القدرات اللغوية (النطق والحصيلة اللغوية) في فصي عقل المرأة خلافا للرجل، إلى جانب زيادة خلايا السمع عندها بنسبة 11% وهذا يفسر قدرتها أكثر على الكلام وامتلاكها حصيلة لغوية أعلى للتعبير وخصوصا عن مشاعرها نظرا لتوزع القدرات في كلا الفصين.

المشاعر والانفعالات

تمتلك المرأة قدرة أعلى على التعبير عن مشاعرها مقارنة بالرجل وهذا مرتبط باللغة، وذلك لكون الوظائف اللغوية موجودة في النصف الأيسر عنده، بينما يدرك المشاعر بالنصف الأيمن.

القدرات الفراغية

يمتلك الرجل قدرة أكبر على معرفة الأبعاد وقراءة الإشارات ورسم الخرائط أيضا لتمركز هذه الوظيفة في جانب واحد مم جعلها متخصصة أكثر، بينما تضعف القدرة لدى المرأة لتوزعها ما بين الفصين لذا تلجأ للتعامل مع الأماكن بشكل صوري فتميل لمعرفة المجاور للمكان على معرفة موقعه بالاتجاهات.

التفكير

كما يختلف الجنسين تماما في التفكير حيث أظهرت أبحاث قام بها د. ريتشارد هاير أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا عام 2006، أن حجم المادة الرمادية (الخلايا العصبية المسؤولة عن معالجة المعلومات أثناء التفكير تكون عند الرجل أكثر ب 6 أضعاف من تواجدها عند المرأة، بينما المادة البيضاء (المحاور العصبية) التي تستخدم في تبادل المعلومات أغزر ب 10 أضعاف عند النساء. ولهذا فالرجل يتفوق على المرأة في المهارات التي تحتاج لمعالجة موضعية دقيقة (الرياضيات) بينما المرأة تتفوق فيما يحتاج للتواصل بين المراكز المختلفة (اللغة). كذلك الأجزاء المسؤولة عن الاستجابات العضلية نشطة أكثر عند الرجل لذا يستفزه الضرب، بينما يسهل استفزاز المرأة بالكلام لكون جانب الاستجابات النفسية لديها أنشط. كما أن المراكز العصبية المسؤولة عن السلوك الجنسي أكبر لدى الرجل بمرتين ونصف عنها في النساء.

الفوارق السلوكية بين العقل الذكوري والعقل الأنثوي

بعد ما تكلمنا عن الفوارق المسؤول عنها مراكز المخ المختلفة سنتحدث عن أهم الفوارق السلوكية الناتجة عن التفكير نفسه، وهذه الفوارق ليست دائمة ولكنها سمات غالبة:

اللعب

بينت الأبحاث أن الأطفال بعد سن سنة ونصف يميلون للعب مع أقرانهم من ذات جنسهم، ومال الذكور للتعامل مع الألعاب الميكانيكية التي تعتمد على التفكيك والإنشاء والتصنيف، وكذلك الألعاب التي تحكمها القواعد كالكرة بينما مالت الفتيات لألعاب الدمى والتقمص الحرة للشخصيات التي تريدها.

التعارف والعلاقات الاجتماعية

يميل الذكر في التعارف لفرض سيطرته واستعراض قوته لينتمي لمجموعة ما لا يهتم لإيصال فكرة أنه مهذب أو لطيف، بينما تميل الأنثى للمراقبة ثم تقديم ملاحظة أو مساعدة لتظهر مساعدة. وبينما ستتقبل البنات القادمة الجديدة للطفها سيرفض الذكور القادم إن اعتقدوا أنه غير مفيد. ولذا تنجح الأنثى غالبا في العلاقات الاجتماعية لمحاولتها السلمية لإثبات ذاتها بينما تعد طريقة الذكر أقل نجاحا.

الحميمية والتواصل والإحساس بمعاناة الآخرين

تطغى الحميمية لدى الإناث فهن يملن لخلق علاقات بدافع التواصل والمساندة بينما يميل الذكر لخلق صداقة لقضاء الوقت أو الاشتراك في هوايات مماثلة، لذا تكون خلافات الذكور أقل حدة من الإناث. ولذات السبب فالأنثى لديها إحساس عال بمعاناة الآخرين ظهرت فطرية لدى الرضيعات بتأثرها ببكاء أحد المقربين لها أو حصول ضرر لها كذلك القدرة المتقدمة لتركيز العينين على الآخرين والتفاعل مع ملامح الوجه، وذلك لأنها تتعاطى مع الأمور بتعاطف ومساندة على عكس الذكر الأكثر حيادية.

مفهوم النجاح والسيادة

أظهرت دراسة أقيمت عن مفهوم النجاح لدى أساتذة بعض الجامعات، فكانت النتيجة الغالبة أن الرجال اهتموا بالنفوذ والارتقاء الأكاديمي، بينما اهتمت النساء بالاهتمام بالطلبة والخدمات المقدمة لهم. وفسر ذلك بنظرة المرأة الأمومية.

حسم المواضيع والحوار

يشتكي الرجال كثيرا من كون النساء تعيد الحديث عن الموضوعات القديمة حتى ولو انتهوا هم من المناقشة عنها، وبرجع ذلك لكون المرأة تحلل السابق وتقوم بمقارنته بالجديد وليس القصد دائما هو المحاسبة والمعاتبة، كما تميل للتكرار فقط لغرض الحوار وخصوصا مع شريك الحياة، كما تتقن الحوار أكثر لأنها تميل للمناقشة وليس فرض الرأي، كما تمتاز أكثر بقلة الاعتراض بشكل مباشر، على عكس الرجل الميال للمواجهة.

تعاطفي أم تنظيمي أم متوازن؟!

تجنيس المخ تعاطفي أم تنظيمي أم متوازن؟!

لكلا الجنسين من الذكور والإناث فرصة لامتلاك عقل لديه سمات مخالفة لجنسه، وتقدر بنسبة 17%، كما يمكن للكثيرين أن يمتلكوا عقول تجمع ما بين الاثنين (المتوازن)، وهذا لا يتعارض مع ما ذكرناه سابقا، فبعض الصفات والمهارات يصعب حصرها لجنس واحد ولو كان ذلك بسبب تكوين الدماغ، ولذا نشاهد كثير من الرجال العاطفيين الذين قد يفوقون النساء عاطفة، لذا يعد تجنيس المخ وفقا لذلك أمرا أعمق من مجرد الانتماء لجنس ما.

سمات العقل العاطفي

يهتم بالأشخاص ومشاعرهم ويحب التواصل معهم، لتميزه بقدرات لغوية أكبر، ولا يميل للسيادة المباشرة لكونها تفقده التعاطف، كما يهتم كثيرا بالتفاصيل في المواقف التي يتعرض لها (تفكير تكتيكي) ويفقد القدرة على النظرة العامة (الاستراتيجي)، أي يستطيع على تتبع كل المعطيات بدقة ولكن بدون القدرة على الوصول لحل. كما يكره هذا العقل القوانين والالتزام بها، ولا يميل للمجالات التي تهتم بذلك لذا نجد النساء قليلا ما يتميزن في الفيزياء.

سمات العقل التنظيمي

يهتم بالأشياء أكثر من الأشخاص ويرغب بفرض قوته على كسب التعاطف، يتعامل بدقة مع الأبعاد والعمليات الحسابية المعقدة ويميل للقواعد والقوانين، أكثر جرأة وحيوية عامة لذا يهتم بالتفاصيل الرئيسية فقط ويميل لإيجاد الحلول على الإغراق في التفاصيل الكثيرة.

سمات العقل المتوازن

يجمع المتوازن ما بين بعض السمات من كلا العقلين السابقين.

خاتمة

رغم الارتكاز لسمات كثيرة وفوارق سلوكية أكثر اعتمدها العلماء كدليل قاطع على تجنيس المخ واعتباره ذكرا أم أنثى إلا أن كل هذا لا يعد دليلا قاطعا على كون المخ يختلف بيولوجيا كالأعضاء التناسلية، وأثبتت دراسة أجريت منذ عامين ونشرتها الواشنطن بوست أن المخ بدأ أكثر كفسيفساء فريدة من السمات المختلفة أكثر من إمكانية انتماءه لجنس واحد. لذا لو تتابعت الدراسات على هذا المنوال ستصل لثبت عدم تجنيس المخ واتباعه صفة معينة ذكورية أو أنثوية.

ملحوظة: هذا المقال يحتوي على نصائح طبية، برغم من أن هذه النصائح كتبت بواسطة أخصائيين وهي آمنة ولا ضرر من استخدامها بالنسبة لمعظم الأشخاص العاديين، إلا أنها لا تعتبر بديلاً عن نصائح طبيبك الشخصي. استخدمها على مسئوليتك الخاصة.

الكاتب: فاطمة الزهراء

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

19 − 2 =