تجميع القرآن

من المهم جدًا أن نعرف عن تجميع القرآن ، فالقرآن الكريم هو كلام الله إلينا، ومعجزته –تعالى- على الأرض، أعظم بيان، وأبلغ قول، على لسان أعظم خلق الله، نبينا محمد –صلي الله  عليه وسلم-، والذي حفظه الله في صدور عباده، ليكون خالدًا لا يمسه تغيير أو تحريف، ولو حاول من حاول ذلك. لذا فقد كان تجميع القرآن الكريم واحدة من تلك الصور التي حُفظ بها على مر العصور إلى يومنا هذا. وفي هذا المقال سنتحدث عن القرآن الكريم، وتجميعه، ومراحل التجميع، وغيرها من الأمور المتعلقة بهذا الأمر.

ما القرآن الكريم؟

القرآن الكريم هو معجزة الله الخالدة، وكلام الله المعجز، الذي جاء على لسان نبي الله –صلي الله عليه وسلم-، عن طريق جبريل –عليه السلام-، لتكون دليلًا على صدق دعواه. والقرآن الكريم هو واحد من الكتب السماوية، كما أنه آخر تلك الكتب، ليكون كاملًا، متممًا لشريعة الله، الذي نُقل بالتواتر، الذي كُتب في المصحف، المتعبد بتلاوته، الذي حفظه الله –تعالى- عن كل مسٍ، أو تحريف، أو تغيير، والذي حُفظ في صدور عباده قبل أن يكون محفوظًا في السطور عن طريق تجميع القرآن ، وهو يبدأ بسورة الفاتحة، وينتهي بسورة الناس، ويتكون من ثلاثين جزءًا، كل جزء يتكون من حزبين، أي يتكون من ستين حزبًا، ويتكون من 114 سورة، ومن 6236 آية. وتطلق العديد من الأسماء على القرآن الكريم، مثل: الكتاب، والفرقان، والذكر، والتنزيل، والنور.

القرآن الكريم لغة واصطلاحًا

هناك عدة أقوال في المعنى اللغوي لكلمة القرآن، فقد تأتي لغة: كمصدر، مأخوذ من الفعل قرأ، وهو بمعنى الجمع. أو أنه اسم علم، وليس له أصل في اللغة، وهو غير مهموز أي يأتي على “قران”، وبهذا فهو اسم مخصوص لكتاب الله تعالى الذي أنزله على نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم-. أو هو مأخوذ من القرائن، أي الدلائل على صدق دعوى النبي، أو لأن الآيات يصدق بعضها بعضًا. أو مأخوذ من القَرْء، أي الجمع. وغيرها من المعاني. ، أما في الاصطلاح، فهو كلام الله –تعالى- على لسان نبيه -صلي الله عليه وسلم-، الذي أوحي إليه عن طريق جبريل –عليه السلام-.

نزول القرآن الكريم

قبل أن نتحدث عن تجميع القرآن ، علينا أولًا أن نتعرف أكثر على كيفية نزوله. كما ذكرنا فإن نزول القرآن الكريم كان عن طريق جبريل –عليه السلام- فيما يعرف بالوحي، وقد نزل على نبينا محمد –صلي الله عليه وسلم- متفرقًا، بخلاف  نزول الكتب السماوية الأخرى، وكان نزوله متفرقًا حسب ما تقتضيه الحاجة بالطبع، فكان نزول القرآن الكريم على دفعات، على مدار ثلاث وعشرين سنة، وهذا الأمر كان من باب التسهيل على رسول الله، وإتاحة الفرصة لفهمه، وتدبره، وتثبيت قلب النبي –صلى الله عليه وسلم- وقد بدأ نزوله في شهر رمضان، في ليلة القدر بالتحديد، أثناء تعبد رسول الله في غار حراء، وكان عمره –صلى الله عليه وسلم- حينها أربعون عامًا، وكان متزوجًا من السيدة خديجة –رضي الله عنها- آنذاك. ولكن في أصل نزول القرآن فقد اختلف العلماء على كيفية ترتيب نزوله، فأول خطوة نزل في اللوح المحفوظ، بمعنى أن ثبت تدوينه هناك، ثم إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، حيث نزل به جبريل –عليه السلام-.

أسباب نزول القرآن الكريم

قبل أن يلجأ الصحابة إلى تجميع القرآن ، فإن كثيرًا منهم قد حفظوه واستقر في نفوسهم، وساعدهم في هذا تواجدهم وقت نزول الآيات، لذا فإنهم كانوا على دراية بأسباب نزولها، خلافًا لنا نحن. تنقسم آيات القرآن الكريم من حيث  نزولها إلى آيات نزلت بسبب، وآيات أخرى من دون سبب. فالآيات التي نزلت من دون سبب، وهي أغلب آيات القرآن الكريم، وتتضمن الآيات التي نزلت لتبين العقيدة، والأحكام الشرعية، أو الآيات التي نزلت لتبين قصة تاريخية، أو أمورًا متعلقة بالغيبيات، مثل: الجنة والنار. أما القسم الذي نزل بأسباب، مثل: وقوع حادثة معينة، فتكون الآية التي نزلت كتعليق عليها، أو تفسرها، وقد يكون السبب عبارة عن إجابة لاستفسار ما، كأن يكون الرسول –صلى الله عليه وسلم- قد خفي عنه شيء، وأراد الله أن يوضحه، أو قد يكون سبب نزول الآية، وجود موقف معين، أو ظرف معين يتعرض له المسلمون، وتنزل الآية لتوضح ما يجب عليهم فعله.

فوائدة معرفة أسباب النزول

 معرفة أسباب النزول مهمٌ للغاية، فمعرفتها يساعد على فهم الآيات بشكلٍ صحيح، وإزالة ما بها من إشكال، كما أن هذا يساعد على حفظها بطريقة أسهل وأسرع، بالإضافة إلى أن أسباب النزول تعطي لمحة تاريخية للكثير من الأمور، وتفيد في معرفة من نزلت في حقهم الآيات، ومعرفة أسباب النزول يساعد على فهم الحكمة التي من أجلها نزل التشريع، وهذا الأمر يعين المسلم بأن يجعله أكثر بصيرة، ويزداد تمسكًا بالإسلام، كما أنه يعين غير المسلم، حيث أنه بمعرفة أسباب النزول يدرك أن الإسلام قائم على جلب النفع، ودفع الضرر، ورعاية المصلحة، فيجعله هذا أكثر قابلية للدخول في الإسلام، كما أن معرفة أسباب النزول  تفيد في تثبيت الوحي.

نزول القرآن الكريم باللغة العربية

كان السبب في نزول القرآن الكريم باللغة العربية لأكثر من سبب، وهو أنه نزل في بادئ الأمر على العرب، وكان من الطبيعي عن يُخاطبهم الله بلغتهم، ولم ينزل فقط بلغتهم، بل نزل ليتحدى تلك اللغة، حيث عُرف أن العرب في هذا الوقت كانوا أهل فصاحة وبلاغة، فكانوا أقوى الناس في اللغة العربية، وهذا ما فعله الله عندما بعث نبيه موسى –عليه السلام- بعصا تتحول إلى ثعبان كمعجزةٍ لتتحداهم فيما اشتهر عنهم من السحر.

تجميع القرآن الكريم

كان تجميع القرآن الكريم على نوعين، منها ما يتم بجمعه في الصدور، ومنها ما يتم عن طريق كتابته. وقد حفظ القرآن الكريم الكثير من صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، مثل: أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأيضًا علي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة –رضي الله عنهم، وأرضاهم جميعًا-، وعندما توفى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان القرآن الكريم محفوظًا في الصدور، أو مكتوبًا في الرقاع: أي الأوراق، أو اللخاف: أي الحجارة الرقيقة، أو الأديم: أي قطع الجلد، إلا أنه كان مفرقًا.

السبب في عدم تجميع القرآن الكريم في عهد رسول الله

 وكان السبب في عدم تجميع القرآن في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن هناك خوف على القرآن الكريم، فالفتنة كانت مأمونة، حيث أن القرآن كان محفوظًا في صدور الصحابة، وأيضًا لم يكن هناك الكثير من أدوات الكتابة في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، أو الكثير ممن يعرفون القراءة والكتابة، ونظرًا لأن بعض الآيات قد تنزل لتنسخ الأخرى، فإن الحرص على جمع القرآن أولًا بأول سيعرض هذا التجميع إلى كثيرٍ من التغيير، فإن رسول الله كان يتنظر الوحي حتى وفاته، كما أن القرآن الكريم لم ينزل على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- جملةً واحدة، بل جاء متفرقًا على مدار ثلاث وعشرين سنة، -كما ذكرنا- حسب ما تقتضيه الحاجة.

مراحل تجميع القرآن

يمر تجميع القرآن بعدة مراحل، والتي تكون بدايةً من عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، والذي يتضمن جمعه في صدور الصحابة عن طريق حفظه، على الرغم من وجود ما يُعرف بـ”كتبة الوحي” في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، حيث كانوا يكتبون ما يقوله جبريل –عليه السلام- لرسول الله، وكانوا ممن يثق بهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالطبع، إلا أن ما ما كانوا يكتبونه كان متفرقًا –كما ذكرنا-، وكان يتم وضع المكتوب في بيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، أما مراحل تجميع القرآن فيما بعد عن طريق كتابته في مصحفٍ واحد كانت في عهود الصحابة، مثل: أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان –رضي الله عنهما-.

تجميع القرآن في عهد سيدنا أبي بكر الصديق

تم وضع الخطوط العريضة لجمع القرآن الكريم؛ لأنه نظرًا لكثرة الفتوحات الإسلامية، وفي حروب الردة، التي وقعت عقب وفاة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وضياع الكثير من حفظة القرآن الكريم في تلك الحروب؛ صارت الحاجة إلى تجميع القرآن ضرورة ملحة، أدت إلى قلق سيدنا أبي بكر الصديق –رضي الله عنه، وأرضاه-، وجعله هذا الأمر يقوم بتوكيل الأمر إلى الصحابي زيد بن حارثة –رضي الله عنه- فكان أول تجميع للقرآن الكريم بين لوحين. إلا أن أمر هذا التجميع مختلفٌ عليه.

تجميع القرآن في عهد سيدنا عمر بن الخطاب

قام سيدنا عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بجمع ما كتب عليه الوحي من آيات القرآن الكريم، من الرقاع، وأوراق الشجر، وحفظ الكتاب في دار الخلافة، حتى يرجع إليه الناس.

تجميع القرآن في عهد سيدنا عثمان بن عفان

في عهد سيدنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه- اتسعت الرقعة الإسلامية، ودخل في الإسلام الكثير من الناس من مختلف البلاد، وكان يتم قراءة القرآن الكريم على الأحرف السبعة، والتي أقرأ بها الرسول –صلى الله عليه وسلم- الناس، بإذن من الله –عز وجل-، ولكن في عهد سيدنا عثمان –رضي الله عنه- وقع الاختلاف، ومع اتساع الرقعة الإسلامية أصبح أمر تجميع القرآن الكريم في مصحفٍ واحد، على حرفٍ واحد، حتى يهدأ الخلاف الذي حصل على الأحرف، وهذا حدث عندما رجع حذيفة بن اليمان بعد غزوة أرمينية، وتحادث مع عثمان بن عفان –رضي الله عنه- في هذا الأمر، فقام عثمان بن عفان بجمع المهاجرين والأنصار، ليقوم بمشاورتهم في أمر تجميع القرآن الكريم على حرفٍ واحد ليزول الخلاف، فوافقه الناس، بل حضوه على ذلك أيضًا، وأرسل سيدنا عثمان بن عفان إلى حفصة بأن ترسل إليهم الصحف، حتى يقوموا بنسخها في المصاحف، وعندما أرسلتها إليه، أوكل مهمة نسخها إلى زيد بن ثابت، والرهط القريشيين الثلاثة، وقام بأمر حرق ما عادا ذلك من المصاحف، وبهذا تم تجميع القرآن في عهد سيدنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه-.

تجميع القرآن الكريم عند السنة

ما ذكرناه في أمر تجميع القرآن في عهد سيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا أبي بكرٍ الصديق –رضي الله عنهما- كان على مذهب السنة، حيث يرى أهل السنة أن الأمر انتهى بإقرار تجميع القرآن في مصحفٍ واحد، وحرق ما سواه، في عهد سيدنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه- كما ذكرنا من قبل، وقد اتفقوا على أن تجميع القرآن في عهد سيدنا أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- كان مقتصرًا على جمع المواد التي كتب عليها القرآن الكريم مُفرقًا، مثل: القماش، والحرير، بينما كان جمعه في عهد سيدنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه- أن جعل القرآن الكريم في مصحفٍ واحد، وأن السبب في جمع القرآن هو الخوف من ضياعه بسبب موت الكثير من حفظته، الأمر الذي  أدى إلى اقتراح سيدنا عمر بن الخطاب على سيدنا أبي بكرٍ الصديق أن يقوم بجمعه، وأيضًا اختلاف القراءات، والحاجة إلى توحيد قراءة، حتى لا يحدث تغيير أو تحريف.

تجميع القرآن عند الشيعة

أما بالنسبة للشيعة، فإن لهم رأيًا آخر يتعلق بمسألة تجميع القرآن الكريم، حيث يرون أن القرآن قد تم جمعه بالفعل في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وقد استشهدوا بالعديد من الروايات على هذا الأمر، ومنها رواية ابن عباس الذي قال فيها أن الرسول إذا نزل عليه شيء من القرآن دعا الذين يكتبون عنده الوحي، فيأمرهم أن يضعوا هذه الآية في مكان سورةٍ معينة، وأيضًا من الروايات الأخرى، رواية الطبراني، وابن عساكر عن أن القرآن الكريم كان يتم جمعه في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على يد ستة من الأنصار، وهم: زيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد –رضي الله عنهم جميعًا-. وبهذا فقد اعترضوا على معنى جمع القرآن في عهد رسول الله بأنه حفظه كاملًا في الصدور، حيث لا يعقل من وجهة نظرهم أن عددًا قليلًا من الصحابة فقط من كانوا يحفظون القرآن، وبهذا فإن تجميع القرآن هنا بمعنى أخذه من المواد الذي كُتب عليها، ومن القراء، ثم جمعه في مصحف واحد، أما بالنسبة لما فعله سيدنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه- من أمر تجميع القرآن في مصحف واحد، فقد رأوا أنه لا يعني جمعه في مصحف واحد، بل توحيد المسلمين على قراءةٍ واحدة، وإحراق المصاحف التي تتضمن القراءات الأخرى، وكانت تلك وجهة نظر الخوئي، أحد أئمة الشيعة.

ترتيب القرآن الكريم

هناك العديد من الاتجاهات التي سلكها العلماء في أمر ترتيب القرآن الكريم، والتي هي عبارة عن ترتيب توقيفي، أي أن ترتيب القرآن ثابت بوحي من الله –عز وجل- إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، عن طريق جبريل –عليه السلام-، وقد سار عليه الصحابة بعد ذلك جميعًا، أما الاتجاه الآخر، وهو ترتيب القرآن الكريم ترتيب اجتهادي، وفقًا لاجتهاد الصحابة، وهذا الاتجاه لم يتفق عليه الكثيرون، حيث كان الاتفاق الأكبر على الاتجاه التوقيفي في ترتيب القرآن الكريم، وهناك اتجاه آخر يضم الاتجاهين التوقيفي والاجتهادي معًا، ويقول بأن هناك بعض السور تم ترتيبها توقيفيًا بأمر من الله –سبحانه وتعالى-، والبعض الآخر تم ترتيبه باجتهاد الصحابة –رضوان الله عليهم-.

وبهذا فإنه بغض النظر عن الاختلاف الحاصل في أمر تجميع القرآن أو كيفية جمعه، فإن جمعه في كل الحالات كان أمرًا ملحًا، وضرورة للحفاظ عليه من الضياع، وبالطبع فإن الأمر كان توفيقًا من الله، لأن كتاب الله –سبحانه وتعالى- سيظل محفوظًا كما هو عن أي تغيير أو تحريف، لا يقدر أحد على المساس به إلى ما شاء الله. عسى الله أن يجعلنا من حفظة كتابه، لا من الهاجرين له.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

7 + 2 =