انتشار الجريمة

إن الجريمة تعتبر من أقدم وأخطر الظواهر الاجتماعية على المجتمعات كافه بكل أبعادها وآثارها، التي رافقت المجتمع البشري منذ بداية نشأته وستظل مرافقه له بأشكال وصور عديدة، ستظل مشكلة انتشار الجريمة باقية ما دامت النفس البشرية لديها طموح وهوى وقدر من الفجور، ومادام هناك شيطان يوسوس ويشجع النفس الأمارة بالسوء للاقتراب من الإثم، وقد نالت ظاهرة انتشار الجريمة اهتمام الباحثين والعلماء بمختلف التخصصات، وكانت اغلب تلك الدراسات تتركز على معرفة أسباب ودوافع هذا السلوك الإجرامي، ووضع آليات معينة للحد من انتشار الجريمة والوقاية منها ومكافحتها، ولكن قد استنزفت جهود كثيرة من دون الوصول إلى أي نتائج حاسمة، في السطور القليلة القادمة نستعرض لكم بعض العوامل التي تؤدي إلي حدوث الجريمة وانتشارها:

أسباب انتشار الجريمة في عصرنا الحالي

1العوامل الاجتماعية

وهي كافة الظروف التي تحيط بشخص دون سواه باستثناء الظروف العامة التي تحيط بهذا الشخص ومن حوله من الناس، ومنها:

2الأسرة

وهي البيئة الطبيعية للطفل حيث تتعهد بتربيته بدافع الغريزة التي منحها الله للأم والأب للقيام بحمايته ورعايته وخاصة خلال السنوات الأولي من طفولته، والعمل علي خلق بيئة مستقرة حتي ينمو طفل سوي متمسك بعاداته وتقاليده وكافة قواعد السلوك والآداب العامة، ولكن قد يحدث عدة أمور تؤدي إلي عدم استقرار الأسرة ومنها:

3تعدد الزوجات وأثرة على نفسية الطفل

إن جو الأسرة القائم على العلاقات الطيبة والتعاون الصادق وحياة اجتماعية صالحة، تخلق مناخاً نفسياً للطفل لنموه بشكل سوي للتكيف مع المجتمع الخارجي، أما إذا تزوج الأب من امرأة أخري أو تزوجت الأم برجل آخر، فإن ذلك يحرم الطفل من أن ينمو في بيئة مستقرة بين والديه، بل وتضطرب حياته لمعايشته لشخص غريب، مما يضطرب سلوكه فتظهر النزعات العدوانية في علاقاته الاجتماعية مما يجعله بيئة خصبة لنمو السلوك الإجرامي عند الطفل ومن ثم انتشار الجريمة بالمجتمع .

4طلاق الوالدين

إن لانفصال الأب والأم وهدم الكيان الأسري آثاره السلبية على حياة الطفل، كحرمانه من الشعور بالأمان والعطف والحنان، وأيضا ظهور بعض مشكلات أخلاقية لديه نتيجة التغيير المفاجئ الذي حدث في حياته، بالإضافة إلي المشكلات المادية الناتجة عن عدم التعاون بين الوالدين، والذي قد يترتب عليه عدم استكمال الطفل تعليمه وعدم ظهوره بالمظهر اللائق من حيث الملبس والمصروف اليومي للعالم الخارجي الذي قد اعتاد عليه بالفعل بحياته السابقة، هذا كله ينعكس بالسلب على شخصية الطفل وعدم تمكنه من التكيف مع المجتمع الخارجي، وقد يؤدي به إلي الانحراف وبالتالي انتشار الجريمة في المجتمع.

5الصحبة السيئة

إن الأصدقاء من أكثر الجهات المؤثرة على تفكير الإنسان واختياراتهم، فهم عادة ما يؤثروا علي تفكير ووجدان وسلوك وحياة الفرد، فهي أكثر الجماعات التي يقضي فيها الإنسان أوقاته ويتعلم مختلف ألوان السلوك فيها، فإذا كانت جماعة الأصدقاء هذه متمسكة بالعادات والتقاليد السائدة في المجتمع فإنها تحدث تأثير إيجابي ملحوظ في سلوك الشاب أو الفتاة باحترامهم للقيم الاجتماعية السائدة، أما إذا كانت هذه الجماعة ذات عادات إجرامية فإنها سوف تجر الشاب أو الفتاة إلي ارتكاب أفعال إجرامية مما يؤدى إلي انتشار الجريمة بالمجتمع.

ومن الجدير بالذكر إن هذه الجماعة يتوقف تأثيرها في سلوك الفرد علي سرعة استجابة الفرد وتأثره وتقبله لآراء الغير، فقد نجد العديد من الأفراد سرعان ما يتأثروا بما تفرضه عليهم جماعة الأصدقاء، وفي المقابل هناك أشخاص يرفضوا ما تفرضه جماعته ويحاربهم ويعارضهم، هذا يرجع إلي تكوين الأفراد النفسي والعقلي.

6المدرسة

تعتبر المدرسة هي البيت الثاني للطفل، ففيها يقضي الجزء الأكبر من حياته، فهي تقوم بتربية وتعليم الطلاب وتكوين شخصيتهم وبناء اتجاهاته وعلاقته بالمجتمع، فالمدرسة تعمل مع الأسرة في تربية الطفل وإعداده لأن الأسرة لا تقدر بمفردها القيام بعملية التربية من جميع جوانبها لضيق وقتها، فوقت الأسرة لا يسمح إلا بالأشراف المستمر على ابنها في مراحل الطفولة والمراهقة والبلوغ. من الضروري أن تكون المدرسة صورة مصغرة للحياة الاجتماعية الراقية بحيث يتم تدريب الطلبة بها علي الأنماط السلوكية والمعرفية الراقية.

يجب على المدرسة توفير كافة الإمكانيات الذهنية والأخذ في الاعتبار المعاملة التي يعاملها المعلم للطلبة لأن ذلك كلة يؤثر على الطالب بالنجاح أو بالفشل، فإذا كانت هذه الإمكانيات متواضعة أو يعامل الطفل معاملة سيئة فإن ذلك يؤثر بالسلب علي الطفل مما يؤدى إلي تكيفه مع هذه المعاملة فقد يبدو عليه مظاهر الفشل في شكل هروبه من المدرسة وتشرده في الشوارع أثناء فترة الدوام المدرسي ومصاحبته على أصدقاء السوء مما قد يكون هذا سبب آخر يؤدي إلي انتشار الجريمة .

7البيئة السكنية

إن مكان مسكن الأسرة يؤثر بشكل كبير علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي لها وأيضا قد يكون سبب من أسباب انتشار الجريمة ، فإن وجود المنزل بحي رفيع المستوي ووجود عدد الحجرات الكافي لأفراده وتوفر كافة الشروط الصحية فيه من تهوية وإضاءة ومياه سوف ينعكس على نفسية ساكنيه انعكاس طيب، وعلي الجانب الآخر إذا كان المنزل ضيق على ساكنيه قد تنعدم فيه وسائل الترفيه وحرمان الفرد من ممارسة هواياته وقضاء وقت فراغ مما يجعله يفضل المكوث خارج هذا المسكن باحثا عن الراحة، وبذلك يقع العديد من الأولاد والبنات في الكثير من المشكلات نتيجة لخروجهم المتكرر، وأيضا قد يؤدي إلي عدم الفصل بين الصغار والكبار في النوم لعدم احتواء الحجرات عدد ساكني المنزل. وفي بعض الأحيان تقرر مجموعة من الأسر السكن بمسكن واحد بالرغم من كثرة عددها مما يؤدي إلي كثرة الخلافات وفقدان طابع الخصوصية و انتشار الجريمة كهتك العرض والسرقة والقتل وخلافه.

8التلفاز

يري معظم الباحثين أن الكثير من الأفلام والمسلسلات التليفزيونية تعمل علي بث روح الجريمة مما يؤدي إلي انتشار الجريمة وبكثرة في المجتمع، حيث يتم تصوير البطل في صورة بطولية تثير إعجاب المشاهدين بشخصيته، وأيضا الأفلام العاطفية التي تسخر وتستهتر بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة، وأيضا هناك الكثير من الأفلام تصور للمشاهدين إمكانية العيش بدون عمل عن طريق الاعتماد على الحظ والصدفة دون الاجتهاد والكفاح والبحث عن العمل المناسب مما يجعلنا نري هذه النسبة العالية من البطالة.

ولكن أيضا يتوقف كل ذلك علي مدي إمكانية تأثر الفرد بما يشاهده من أفلام، فالمشاهدة تؤدي إلي الانحراف إذا كان الفرد لديه الاستعداد النفسي لذلك أو إذا كانت ظروف البيئة المحيطة به تشجعه وتقوده إلي فعل مثل هذا السلوك، ففي بعض البحوث قام المجرمون الذين كانوا سبب من أسباب انتشار الجريمة بالاعتراف أن ما فعلوه من جرائم نتيجة لتأثر سلوكهم بما شاهدوه من أفلام، فهذه الأفلام ترسم للمجرمين المناهج التي يتبعونها وتوحي لهم بالأفكار، ولكن على صعيد آخر يوجد الآلاف الذين شاهدوا هذه الأفلام ولم يرتكبوا أي سلوك إجرامي.

9الجرائم الاقتصادية

من الصعب حصر كافة أنواع الجرائم الاقتصادية بالمجتمع ولكننا سوف نختار أهمها وهي:

10الرشوة

وهي إهداء أو دفع مبلغ معين لموظف في القطاع العام أو الخاص بهدف الحصول على تفضيل لا يمكنك الحصول عليه بدون دفع المال، وتظهر الآثار الاقتصادية لهذا السلوك بالدول النامية لحاجتها الماسة في محاولة رفع كفاءتها الاقتصادية لتحقيق التنمية عن طريق استخدام موارد الدولة الأكثر ندرة مقارنة بغيرها من الدول المتقدمة أو الأكثر دخلا، حيث يكون هذا السلوك بكثرة عندما تنخفض الأجور بدرجة تجعل الموظف لا يمكنه أن يفي بالاحتياجات الأساسية له ولأسرته، مما أدي إلي انتشار الجريمة هذه في الدول الفقيرة، ويتعرض الاقتصاد الوطني إلي أقصي ضرر في حالة التجارة الدولية حينما تشتد المنافسة بين الشركات المصدرة، حيث يقوم كل منهم بدفع رشوة للاستحواذ علي أكبر نصيب في حجم السوق، فالرشوة تؤدي إلي اختيار اعلي المنتجات تكلفة وأدناها نوعية مما يضر المواطنين.

11الاختلاس

هو قيام موظفي الدولة أو موظفي القطاع الخاص بسرقة المال العام أو الخارجي، ففي حالة الاختلاس من المال العام للدولة قد يؤدي إلي فشل المشاريع التنموية للدولة والتأثير بالسلب علي الخدمات التي تقدمها الحكومة، أما إذا تم الاختلاس من شركات القطاع الخاص مما يؤدي إلي ارتفاع أسعار منتجاتها وقد يصل الأمر إلي إفلاسها، وبالتالي تشرد الموظفين وانتشار البطالة بالمجتمع, ويعتبر أيضا هذا سبب من أسباب انتشار الجريمة كالسرقة والقتل والعديد من الجرائم، وبذلك الاختلاس من المال العام أو المال الخاص له العديد من الآثار السلبية علي التنمية الاقتصادية.

12التهريب

والتهريب يشمل السلع والعملات المحلية والأجنبية إلي خارج البلاد، فإن تهريب السلع يؤدي إلي ارتفاع سعرها في الداخل وحرمان الحكومة من الضرائب المفروضة علي الصادرات، أما إذا تم تهريب السلع غلي داخل البلاد قد ينخفض سعر هذا المنتج المحلي، حيث أن هذا المنتج لم يفرض عليه أية رسوم جمركية أو ضرائب بل قام بحرمان الحكومة بأن تأخذ الضرائب والرسوم الواجب فرضها علي هذه السلع، فإن انتشار الجريمة هذه في مجتمعنا تؤدي إلي مخاطر اكثر مما تتوقع، فإن السلع المهربة تلك قد تنافس السلع المنتجة محليا داخل البلاد مما يقلل من أرباح منتجيها المحليين، وأيضا تهريب العملات المحلية إلي خارج البلاد يؤدي إلي انخفاض قيمتها وسوف يقل سعر صرفها مقابل العملات الأجنبية.

13تجارة المخدرات

تعتبر تجارة المخدرات من اخطر أنواع التجارة علي كافة المجتمعات البشرية، فإنها تضر الدولة في أشياء شتي مثل:

تقوم بحرمان المجتمع من استغلال الموارد المستخدمة في إنتاج النباتات المخدرة من عمل ورأس مال وأرض، فهذه الموارد من الأولي أن تستغلها الدولة في إنتاج سلع بديلة أكثر نفعاً، وأيضا من أضرار المخدرات أنها تصيب أفرادا المجتمع الذين يستهلكون داخل البلاد، فيقل إنتاجهم وتزايد تكلفة الرعاية الصحية التي تقدمها الدولة لهم.
المخدرات بطبعها تعمل على انتشار الجريمة داخل الدولة، فإذا أدمنها الفرد من الممكن أن يقوم بعمل أي شيء للحصول علي جرعته التي يريدها، فلديه كافة الاستعداد للسرقة والقتل من أجل حصوله على المال اللازم لشراء ما يريد من المخدرات.

14التزوير

يتضمن التزوير تزوير المستندات المالية أو التي تؤدي إلي الحصول علي الأموال أو القيام بتزييف العملات والرخص التجارية والجوازات والإقامة والشهادات العلمية وما إلي ذلك، ويتم التزوير بهدف الاستفادة من هذه الأوراق التي تم تزييفها للحصول علي فوائد ومميزات مهنية. إن انتشار الجريمة هذه قد يلحق الضرر الاقتصادي على المجتمع بأسرة من أفراد وجماعات، فالحصول علي المميزات والمنافع والأموال بهذه الطريقة تؤثر سلباً علي الكثير من النشاطات الاقتصادية ممتدة إلي ميزانية الحكومة وبخاصة التصرف في الاعتمادات المرصودة للمشروعات أو الخدمات أو الصيانة لدرجة تؤدي إلي تعطلها.

15السرقة

عرفت السرقة بوصفها التقليدي من قديم الزمان، ولكن الاختلاف فقط في مرتكبي هذه الجريمة، حيث اصبحوا أكثر تنظيم واكثر استخدام للتقنيات الحديثة والتي بدورها ترفع تكاليف الأمن والسلامة المواجهة لهذه الجريمة مما يؤدي إلي رفع الأسعار للسلع والخدمات علي المستهلكين، وتزداد السرقة بشكل ملحوظ بالأماكن التي تكثر بها المحلات التجارية في المدن الكبيرة، إن انتشار الجريمة هذه تؤدي إلي زيادة تكاليف الأمن للأسر والحكومات عن طريق إعداد رجال الأمن والشرطة.

16خاتمة

وفي النهاية تهدف دراسة العوامل الاجتماعية التي أدت إلى انتشار الجريمة إلى معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعت الشخص إلي ارتكابه للجريمة، فالجرائم الاقتصادية كثيرة ولها العديد من الآثار الاقتصادية المدمرة للأفراد وللمجتمع ككل لما لها من آثار سلبية على الاقتصاد القومي، فيجب علي الدولة اتخاذ كافة الوسائل الوقائية والعلاجية والعقابية للحد من انتشار الجريمة في المجتمع، ومن أهم العوامل الوقائية هي التربية الدينية والحد من البطالة ومحاربة الفقر وإيقاف التمييز العنصري وتحسين توزيع الدخل واستخدام التقنيات المتقدمة استخداماً فعالاً في نظم المحاسبة المالية لرصدها ولسهولة مراجعتها.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

تسعة عشر − 10 =