تسعة
الرئيسية » مجتمع وعلاقات » الشخصية » النرجسية : كيف تتخلص من حب الذات المرضي والغرور المفرط؟

النرجسية : كيف تتخلص من حب الذات المرضي والغرور المفرط؟

النرجسية هي العشق المرضي للذات والافتتان بها إلى حد الغرور، وعادةً ما يعاني المحيطون بالنرجسي من تصرفاته المتعجرفة، فما هي النرجسية وكيف نتعامل معها؟

النرجسية

النرجسية هي أحد اضطرابات الشخصية التي تصيب الإنسان، ويُعزَى أصل الكلمة إلى أسطورة نركسوس الذي كان مفتتنًا بجماله وعاشقًا لذاته حتى مات وهو يطالع صورة انعكاس وجهه على صفحة الماء. ويتميز الشخص النرجسي بالغرور المفرط وتقديره المبالغ فيه لذاته دون أسباب أو إنجازات حقيقية، فضلاً عن سعيه الحثيث إلى الاستحواذ بنظرات الإعجاب وعبارات الإطراء والتقدير، وكذلك إحساسه بالاستحقاق الدائم لذلك، ومن ناحية أخرى دائمًا ما تعمل هذه الشخصية على ازدراء الآخرين والتقليل من شأنهم من أجل استشعار التفوق عليهم. وتوصلت الدراسات العلمية إلى أن الشخص النرجسي يعاني أساسًا من قلة الثقة في نفسه وصورته الذاتية المهزوزة بداخله؛ ما يدفعه إلى تعويض ذلك من خلال تجسيد الأعراض والعلامات التي يشتهر بها هذا الاضطراب.

ما هو مرض حب النفس أو النرجسية ؟

النرجسية وأشهر أعراضها وعلامتها

لا شك أن الشخص النرجسي يشتهر بالعديد من العلامات والأعراض التي تميزه؛ لا سيما أن هذا النمط من الشخصيات يسعى دائمًا إلى الظهور وتصدر المشهد واحتلال مكانة مميزة في بؤرة الأحداث. وقد استطاع علماء النفس من خلال الملاحظة تحديد بعض الأعراض التي تشير بصراحة إلى هذا الاضطراب والتي يمكن حصرها في النقاط التالية:

التمركز حول الذات

يعاني الشخص النرجسي من حالة التمركز حول الذات؛ حيث يرى نفسه محورًا للكون ويجعل من نفسه موضوعًا رئيسيًا لأي فكرة تراوده ما يؤدي قصور نظرته تجاه الأمور والحياة، بالإضافة إلى عجزه عن رؤية وتقييم المواضيع من الجوانب والزوايا المختلفة لاسيما إذا تطلب الأمر التحرر من النظرة الذاتية ومطالعة الفكرة من منظور الآخر، ويسبب ذلك الأمر الكثير من الصعوبات من ناحية التواصل مع الآخرين وإقامة علاقات سوية معهم.

عدم الاستبصار بالعيوب

إن الشخص المصاب باضطراب النرجسية لا يستطيع ممارسة النقد الذاتي البناء تجاه نفسه؛ حيث يفقد القدرة على الاستبصار بعيوبه ومن ثمَّ لا ينال الفرصة لتطوير سلوكياته وأفعاله نحو الأفضل. ويؤدي اختفاء خاصية الاستبصار إلى مغالاة الشخص في تركيزه على ما يتوهم أنه سمة مميزة فيه، وبالتالي يفتقد الحكمة والصدق عند تقييم نفسه، وعلى الرغم من ظهور عيوبه بوضوح أمام الآخرين إلا أنه ينكر ذلك، بل ويتهم الآخرين بأنهم يحسدونه ويحقدون عليه بسبب نجاحه الزائف الذي يراه هو وحده.

عدم القدرة على إبداء التعاطف

عادةً ما يفتقد الشخص النرجسي القدرة على التواصل الجيد مع الآخرين خاصةً من الناحية العاطفية؛ حيث أنه يعيش نفسيًا في جزيرة منعزلة وينظر إلى المحيطين به من برجه العاجي، لذلك لا يستطيع أن يلمس الأثر العاطفي والمعنوي للحوادث ويعجز عن إبداء الاستجابة الطبيعية لها، ما يؤدي إلى تحوله لشخصية منبوذة تدريجيًا ومنعزلة عن المحيطين به.

فرط الحساسية

تُعَد الحساسية تجاه الآخرين من أشهر سمات اضطراب النرجسية نظرًا لأن الشخص النرجسي لديه دائمًا شعورًا باستحقاق الإعجاب والتقدير غير المبني على الإنجازات الحقيقية، لذلك إذا تلقى هذا الشخص رأيًا مخالفًا لتوقعاته، فإنه يُصَاب سريعًا بحالة من الاكتئاب والصدمة، وقد يسفر عن ذلك اكتسابه لبعض الخصال العدوانية التي تتجسد في الهجوم على الآخرين والنقد اللاذع واختلاق ذرائع للانقضاض على تصرفات الآخرين بالنقد، ومن الممكن أيضًا أن يشعر بأنه ضحية لغدر وحقد الآخرين.

المبالغة في التفاخر

يشعر الشخص النرجسي دائمًا بحاجته إلى الافتخار واستعراض ما لديه من أهداف محققة، وقد يدفعه ذلك إلى توهم إنجازات لم تحدث، أو تضخيم ما حققه بالفعل وإضفاء لمسات بطولية وهمية على ما حققه بصرف النظر عن التقييم الحقيقي والواقعي له.

أسباب النرجسية

نظرًا لتعريف النرجسية بأنها أحد اضطرابات الشخصية، وبالتالي لا تعد مرضًا نفسيًا، فإن أسبابها تعزى للكثير من الظروف المركبة التي يمكن تبسيطها في النقاط التالية:

الظروف المتعلقة بالتربية

من الممكن أن تساعد البيئة التي تربَّى فيها الطفل على إصابته باضطراب النرجسية خاصة فيما يتصل بالعلاقة بين الوالدين والطفل؛ حيث يؤدي التدليل المفرط إلى تعزيز في فكرة حب الذات لاسيما إذا كان الوالدان يعملان على ترسيخ مبدأ التميز والاختلاف والتفوق بصورة مبالغ فيها وغير مبررة؛ ما يؤدي إلى شذوذ نظرة للطفل لذاته وشعوره بالتفوق الزائف على أقرانه حيث يُترجَم هذا الشعور إلى تصرفات تعكس الأعراض والعلامات المشار إليها سابقًا وتأخذ هذه الأعراض في التطور إلى أن تتبلور ويصير هذا الطفل لاحقًا شخصًا نرجسيًا بشكل واضح.

الوراثة

قد لا تصبح النرجسية صفة مكتسبة نتيجة للتربية غير السليمة، بل من الممكن أن تعزى أسبابها إلى الكثير من العوامل الوراثية والبيولوجية المتعلقة بالسلوك وطريقة التفكير.

الصعوبات التي يواجهها الشخص النرجسي

يواجه الشخص النرجسي الكثير من الصعوبات خلال حياته وتعاملاته اليومية نتيجةً لأفكاره المتطرفة والمنظور الشاذ الذي يرى به الأمور، ولكن يمكن حصر أهم هذه الصعوبات في النقاط التالية:

صعوبة إقامة علاقة اجتماعية سوية

غالبًا ما يعجز الشخص المصاب باضطراب النرجسية عن التواصل الصحي مع الآخرين نتيجةً للاستعلاء والتعجرف الذي يدفع الآخرين إلى تجنبهم التعامل معه منعًا للاصطدام بأفكاره الغريبة، ومن ثَمَّ عادةً ما يصير النرجسيون وحيدين ومنبوذين وليس لهم أي وجود حميد في مجتمعاتهم الصغيرة.

صعوبة الدراسة

نظرًا لاعتقاد الشخص النرجسي في تفوقه ونبوغه فإنه عادةً ما يهمل الاهتمام بدراسته زاعمًا دومًا أن مستوى ذكائه أعلى مما يدرسه، لذلك فإنه يواجه صعوبة في التعامل مع مواده الدراسية ما يؤدي إلى تعثره ومواجهة الكثير من المعوقات.

سرعة التعرُّض للاكتئاب

يصبح الشخص النرجسي أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بسبب عدم توافق ما هو واقع مع ما هو مأمول من وجهة نظره. وفي هذه الحالة تتحول النرجسية بصفتها اضطرابًا في الشخصية إلى مرض نفسي مستعصي؛ حيث يتطور الاكتئاب إلى درجاته المتقدمة ما يؤدي إلى زيادة حالة الاغتراب النفسي والاجتماعي التي يحياها النرجسي، ما يزيد من صعوبة التكيف مع معطيات وظروف الحياة السوية.

تشخص النرجسية

إن اضطراب النرجسية يتطلب التدخل السريع منعًا لاستفحال الأمر وتطوره وتحوله إلى مرض نفسي لذلك لابد من المسارعة بالتشخيص من خلال تتبع تاريخ النمط السلوكي للشخص وملاحظة أي علامات أو أعراض تشير إلى وجود سلوك نرجسي واستعلام الأشخاص المحيطين به للوقوف على حقيقة حالته.

وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن يخضع الشخص إلى فحص طبي للتأكد من خلوه من أي أمراض عضوية أو عقلية ذات أعراض متشابهة، ويمكن كذلك عرض استبيان على الشخص المشتبه في إصابته؛ حيث تشير إجاباته إلى مدى معاناته من هذا الاضطراب وتحديد الطريقة المناسبة للعلاج.

علاج النرجسية

من الأفضل أن يبدأ العلاج النفسي مبكرًا من أجل نتائج أفضل. وغالبًا لا يحتاج الأمر إلى علاج دوائي لاسيما إذا كانت أسباب غير عضوية، ولكن ينبغي أن يركز العلاج على جلسات العلاج النفسي التي تهدف إلى تغيير سلوك وتعديل نظرة الشخص من الحالة القاصرة الذاتية إلى الحالة الناضجة والموضوعية. وجدير بالذكر أن العلاج قد يستغرق مدة طويلة تصل إلى عدة سنوات، ويرجع ذلك إلى صعوبة تقبل الشخص النرجسي إلى العلاج بسبب إنكاره للحالة المرضية أساسًا، لذلك يتطلب الأمر الكثير من الحكمة من أجل إدارة فترة العلاج بنجاح والالتزام بالخطة الموضوعة حتى يتم الشفاء تمامًا ويعود الشخص طبيعيًا ويمارس أنشطته بشكل صحي ودون عوائق نفسية.

وفي النهاية يتضح لنا أن النرجسية أحد أنواع اضطرابات الشخصية التي تصيب الإنسان بسبب الكثير من العوامل، لذلك ينبغي التعامل مع الشخص النرجسي بشكل غير إقصائي ومحاولة مد يد العون له وتوفير سبل العلاج المتاحة والمناسبة له من أجل إعادة تأهيله ودمجه بشكل صحي في مجتمعه المحيط.

أحمد علام

كاتب ومترجم، أحب القراءة في المجالات الأدبية بشكل خاص.

أضف تعليق

سبعة + 20 =