الناتج المحلي

كلف خبير الاقتصاد (سيمون كوزنتس) عام 1929 من قبل الكونغرس الأمريكي بمهمة للإشراف على الدخل القومي وعمل تقرير يشمل أدق التفاصيل التي وجدها، واعتبر علماء الاقتصاد بعد ذلك أن ما فعله سيمون يعد النسخة الابتدائية من فكرة حساب الناتج المحلي الذي استمر في التطور على يد أكثر من خبير، وخرج بشكله الحالي عام 1942 في الولايات المتحدة، وكما طلب الكونغرس قياس الدخل القومي كمحاولة لفهم الأوضاع المالية بعد حالة الكساد، أصدرت أيضا الولايات المتحدة الناتج المحلي أعقاب الحرب مباشرة، ومع الوقت ثبتت فاعلية الناتج المحلي ليس على مستوى تقييم وتحديد السلع والخدمات فقط، بل حتى في تقييم قوة الدولة وتقدمها.

تعريف الناتج المحلي

يعبر الناتج المحلي عن القيمة السوقية لجملة السلع، والخدمات، وشتى المنافع، التي تم تصنيعها داخل حدود الدولة، في زمن معين، ويعبر الناتج المحلي الإجمالي للفرد عن الدخل الإجمالي للفرد، ويحسب الناتج المحلي من أهم الأمور التي تدرس في الاقتصاد الكلي، ونجد الكثير ممن يخلطون هنا بين الناتج المحلي والناتج القومي، ويعتبر الفرق الأساسي بينهما أن الأول يهتم بإجمالي ما ينتجه المواطنون والأجانب داخل حدود الدولة، أما الناتج القومي فيقيس ما ينتجه المواطنون سواء داخل حدود الدولة على النطاق الجغرافي أو حتى خارج حدود الدولة ويتم حساب إنتاج المواطنون المقيمون بالخارج كعوائد لعوامل الإنتاج، ولتوضيح هذه النقطة عند وجود شركة هواتف أمريكية في اليابان فإن إنتاج هذه الشركة يحسب مع الناتج المحلي الياباني، والناتج القومي الأمريكي.

طرق قياس الناتج المحلي

تختلف الطرق التي نقوم من خلالها بقياس الناتج المحلي، لكن مع تطور علم الاقتصاد ومحاولة حل المشاكل التي تواجه زواياه المختلفة أصبحت هناك ثلاث طرق رئيسية، يمكننا من خلالها حساب الناتج المحلي بشكل دقيق، وتعتمد هذه الطرق على القيمة المضافة، والدخل، والإنفاق؛ أولا يتم الحساب بطريقة القيمة المضافة عن طريق حساب مجموع القيم المضافة مجتمعة وتعبر القيمة المضافة هنا عن صافي أرباح المنشآت المختلفة في الدولة؛ أما طريقة الدخل فتعتمد على مجموع دخل المواطن العامل سواء الموظف أو صاحب الشركة بالإضافة إلى حساب دخل الحكومة والضرائب التي تجنيها، أما الطريقة الأخيرة فتعتمد على حساب ما تنفقه الأسر في شراء السلع والخدمات، وحساب ما تنفقه الحكومة على الخدمات العامة، كما يتم حساب ما ينفق من جانب الشركات أو حتى مشاريع الاستثمار، ويتم جمع كل هذه النفقات لتعبر في النهاية عن الناتج القومي المحلي الإجمالي.

الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وتقدم الدول

الناتج المحلي الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وتقدم الدول

إذا قمنا بقياس الناتج المحلي لدولة ووجدنا أنه عشر دولارات، ثم حسبنا الناتج المحلي مرة أخرى بعد عامين فوجدنا أنه مائة دولار فهذا لا يعني أن هذه الدولة تقدمت وزاد نموها عشرة أضعاف ما كانت عليه، ويطلق على هذه الفكرة الناتج المحلي الاسمي، وذلك بسبب تغير القيمة السوقية لعملة الدولة من وقت لآخر فربما زاد الدولار في المثال المذكور كعدد لكنه قل كقيمة، وبسبب هذه المشكلة قام أحد الاقتصاديين بعمل معادلة تمكنا رؤية الناتج المحلي الحقيقي وليس الاسمي وتقوم هذه المعادلة بحذف الخلل الذي يحدث بسبب اختلاف قيمة العملة بشكل نهائي، وبالتالي يسهل مقارنة النواتج المحلية في الأزمان المختلفة ببعضها، وعليه يسهل حساب الحال العام للاقتصاد وحجمه في أي دول، وكلما زاد هذا الناتج الحقيقي زاد إقبال المستثمرين على هذه الدولة، ويقل عددهم أيضا إذا قل، كما نجد أن زيادته تجعل مستوى معيشة الأفراد تتحسن بشكل ملحوظ، ويزيد من إنفاقات الحكومة على الخدمات العامة.

عيوب الناتج المحلي الإجمالي

في عام 1968 قدم روبرت كيندي عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عدة أوراق يدلل فيها على عدم أعترافه بالناتج المحلي الإجمالي كمقياس لسعادة الشعوب ورفاهيتها بل رفض اعتباره من مؤشرات التقدم بشكل عام، وذلك حيث كان يرى أن الأسعار والسلع لا يمكنها التدخل والتحكم في الحكمة، والحب وغيرها من المشاعر الإنسانية التي تجعلنا بشرا وتتحكم في مستوى الرفاهية لدينا بشكل أكبر بكثير من المال، كما أن الكثير من السلع التي يصرف الناتج المحلي عليها لا تقدم رفاهية حقيقة مثل: المصانع التي تلوث المياه، الأسلحة التي تقضي على البشر، المخدرات والسجائر؛ فبالرغم من العائد الاقتصادي الكبير لهذه السلع إلا أن لها أضرار قد تؤثر على صحة الفرد ورفاهيته، ولذلك يرفض بعض العلماء أن يعبر الناتج المحلي عن رفاهية الشعوب، وثروة الأفراد، ويظنون أننا يجب أن نعبر به عن الثروة العامة والحالة الاقتصادية بشكل عام فقط.

أخيرا قد انتهينا من شرح النقاط التي تخص الناتج المحلي ومقدار تأثيره في اقتصاد الدول بشكل كامل، كما وضحنا المعنى الاصطلاحي له، وأوردنا الآراء المخالفة للآراء التي تعتقد أن الناتج المحلي هو المقياس الحقيقي للتقدم، وكعادة أي موضوع تتعدد الآراء وتختلف، ويظل المواطن هو أول من يجب أن يحدد مقدار التنمية الاقتصادية صعودا كانت أو نزولا، كما له الحق أن يحدد مقدار الرفاهية التي تعود عليه نتيجة التغيرات الاقتصادية.

الكاتب: أحمد أمين

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

تسعة عشر + تسعة عشر =