الممنوعون من الصيام

الممنوعون من الصيام من هم؟ ولماذا منعوا من الصيام؟ أو لماذا سمح الله لهم بالإفطار؟ رغم أن صوم شهر رمضان فريضة، فهو الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة، ولا يصح تمام إسلام المرء إلا باعتقاده بفرضيته، وحرصه على صيامه، ومن ترك صومه كان آثما تاركا لشيء من الدين بالضرورة، إلا أن هناك من يبيح له الشرع ترك صيامه ممن كان لديه رخصة ترفع عنه وزر وخطيئة هذا الإفطار، أو كان لديه عذر يحول بينه وبين هذا الصيام. فما الحكمة من الصيام إذا، وما صفة الصيام الصحيح، وما هي هذه الرخص والأعذار التي تجعل أحدهم يفطر دون إثم عليه؟ ولماذا أصحابها يندرجون تحت خانة ” الممنوعون من الصيام “؟

الممنوعون من الصيام الذين يسمح لهم بالإفطار في نهار رمضان

1الصيام فرض على جميع الأمم السابقة

قبل أن نتحدث عن ” الممنوعون من الصيام “، سنتحدث أولا عن فرض الصيام وعن حكمة فرضه وطريقته الصحيحة. فقد فرض الله سبحانه وتعالي الصيام على جميع خلقه من لدن أبونا آدم عليه السلام وليس على أمة الإسلام فقط. وجعله فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ليس لديه عذر يجعله من الممنوعين من الصيام، حيث يؤمر من هذه صفاته بصوم شهر رمضان كاملا منذ رؤية هلال بزوغه حتى بزوغ هلال شهر شوال، بدءًا من أذان فجر كل يوم حتى أذان مغربه، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة 183).

“فرض العين” هو الفرض الذي يجب على البالغ العاقل الالتزام به ولا يسقط إذا قام به البعض على عكس “فرض الكفاية” الذي يمكن أن يقوم به البعض دون الآخر، فإلقاء السلام مثلا في مجموعة من الأشخاص يعتبر فرض كفاية، إذا ألقى أحد أفراد المجموعة السلام فليس على الباقي إلقاء السلام حينها، أما الصوم فهو فرض عين لأن كل مسلم بالغ عاقل يجب عليه الصوم سواء صام غيره أم لم يصم. فما الحكمة من فرض الله سبحانه وتعالى الصيام على عباده؟

2حكمة مشروعية الصيام

لا شك أن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم محيط يعلم ما يصلح عباده ويحكم عليهم بفعل ما هو خير لهم، والمؤمن بالله لا يسأل عن الأسباب في ما يأمرنا الله به، فهو قد آمن به لأنه يعلم أن له صفات الكمال والجمال والجلال لا يأمر إلا بالخير ولا ينهي إلا عن شر لذا يستسلم له ويطيع أوامره راضيا حتى لو لم يعلم الحكمة من هذا مصداقا لقوله: ” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا” ( الأحزاب 36)

إلا أن الحق سبحانه وتعالى قد ميزنا على جميع المخلوقات بالعقل والمنطق واحترم فينا هذا التميز لذا لا يفرض علينا أمرا ولا ينهانا عن نهي إلا ويبين لنا حكمته أو يدعونا للتفكر فيه واكتشاف هذه الحكمة والغاية منه. لذا، نراه في كثير من الآيات يأمرنا ” لعلكم تعقلون”، ” أفلا تتفكرون”، “فاعتبروا يا أولي الأبصار”. ففي الآية السابقة من سورة البقرة يبين لنا الحق سبحانه وتعالى أن الغاية من الصيام وسبب فرضه على أمة الإسلام وعلى الأمم السابقة هو تحقيق التقوى ” لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”. فما هي التقوى التي يريد الله أن نحققها بالصيام؟

3تقوى الصيام

التقوي المرادة هنا هي معرفة الله حق المعرفة وتقديره حق التقدير وتعظيمه حق التعظيم حتى نطيعه حق الطاعة فلا نقدم رأينا أو راحتنا أو هوانا على أوامره ونواهيه حتى لو تحملنا في سبيل تحقيقه أشد المشقة وإن بلغت بذل النفس والمال والولد وكل ما نملك “فما عندكم ينفذ وما عند الله باق” والله خير وأبقي. وأن يكون ذلك زادًا لنا على طاعته طوال العام وفي مقابل ذلك وعدنا الله سبحانه بالراحة والأمن والسلامة والسعادة في الدنيا والأخرة، ” مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

و إذا كان ما سبق يمثل الحكمة الروحية التي ترتقي بالنفس عن ماديتها وحيوانيتها، فإن للصيام حكم أخرى عظيمة أثبتها العلم والطب تتمثل إجمالا في الحفاظ على صحة البدن وراحته وحفظ توازنه.

4ما صفة الصيام الصحيح لشهر رمضان؟

الصيام يعني الامتناع عن تناول الطعام والشراب والجماع منذ بزوغ الفجر الصادق حتى غروب الشمس، طاعة لله سبحانه وتعالى ” فمن شهد منكم الشهر فليصمه” رجاءً في عظيم أجره وفضله وتحقيقا للتقوى. ويكون الصيام صحيحا إذا لم يكن حظ الصائم منه الجوع والعطش كما قال رسولنا الحبيب “رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش” بل إلى جانب مجاهدة الجوع والعطش والغريزة يراقب الصائم نفسه ويلزمها بعدم اقتراف ما يمكن أن يبطل هذا الصيام، فلا قضاء للنهار في النوم حتى وقت الإفطار أو ما يقاربه والليل في الملهيات، ولا رفث ولا فسوق ولا انتهاك للحقوق ولا تقصير في عمل أو عباده، حريص على أن يكون يوم صومه مميزا فلا يكون يوم فطره ويوم صومه سواء، فيحرص على استغلال جميع دقائق يومه وليله بالخير ويمنع نفسه من الإساءة إلى مخلوق.

5متى يكون المسلم البالغ العاقل أحد ” الممنوعون من الصيام “؟

الله لطيف بعباده لم يفرض عليهم مالا يطيقون ولم يحملهم مالا يستطيعون، فسبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، بل جعل الحفاظ على البدن والنفس والعقل والنسل من أساسيات الدين. لذا، ما من فرض فرضه الله على عباده إلا وجعل فرضه على القادر الذي يستطيع القيام به والعاقل الذي يفهم الحكمة منه. لذا، لم يفرض الله الصوم على الصبي الذي لم تكتمل قوته ليتحمل الانقطاع عن الطعام والشراب لساعات طويلة، ولم يفرضه على المجنون الذي لم يكتمل عقله وإدراكه ليفهم حكمة الصوم. كما جعل الله رخصا تعفي أصحاب الأعذار من القيام به سواء بشكل مؤقت حتى يزول العذر أو بشكل دائم إذا لم يكن هناك أمل في زواله. ويمكننا تقسيم الأعذار التي تعطي هؤلاء الممنوعون من الصيام الرخصة في أن يفطروا في رمضان دون أن يكون عليهم إثم أو وِزر:

القسم الأول: العذر والقضاء

القسم الأول من أقسام ” الممنوعون من الصيام ” هو قسم الرخص مؤقتة. والرخصة المؤقتة تعني أنها ليست دائمة طوال العمر ولكن هذه الرخصة تنتهي عن انتهاء العذر. أما من استحق استعمال هذه الرخصة لوجود عذر مؤقت لديه، فإن عليه إعادة قضاء ما فاته من أيام عندما ينتهي العذر وقبل أن يأتي رمضان العام الجديد. أي أن من أفطر عدة أيام في رمضان، فعليه أن يصوم نفس عدد الأيام في أي وقت من باقي العام قبل قدوم رمضان الجديد، وكلما كان التبكير والاستعجال في القضاء كلما كان الأجر والثواب أكبر. أما إذا لم يتمكن الممنوعون من الصيام منعا مؤقتا في قضاء الأيام التي أفطروها قبل قدوم رمضان الجديد، فإن هذه الأيام تظل دَيْنا عليهم ويجب تقضيتها، ولكن يضاف عليهم حكم جديد ويدعى “الكفارة”. وتكون كفارة إفطار يوم في رمضان لوجود عذر هو إطعام مسكين عن ذلك اليوم، من الطعام الذي تطعمون به أنفسكم وأهليكم. أي أنه إذا أفطر لأحدهم خمسة أيام في رمضان لعذر ماـ ثم لم يعد صيام تلك الأيام قبل قدوم رمضان الجديد، فعليه إفطار خمسة مساكين وإطعامهم طعاما جيدا وقيما من نفس النوع الذي أنتم معتادون على الأكل منه، بالإضافة إلى صيام تلك الأيام أيضا.

الممنوعون من الصيام لعذر مؤقت

الممنوعون من الصيام في هذا القسم يوجد منهم أنواع كثيرة، فهناك عذر الحيض والنفاس –الحيض هو الدورة الشهرية لدى المرأة والنفاس هي الفترة التي تلى الحمل وتعرفها النساء-. الحائض والنفساء يرخص لها بالفطر على أن تعجل بالقضاء بعد انتهاء رمضان ويباح لها أن تقضي في أي وقت طوال العام قبل أن يأتي رمضان التالي.

هناك أيضا المريض الذي يرجي شفاؤه –أي أن مرضه مؤقت وليس مزمنا يمنعه عن الصيام إلى الأبد-، ويكون إفطاره بأمر من طبيب مسلم عدل –أي طبيب نثق في رأيه ومهارته الطبية- يري أن في الصيام مضرة على حياته أو يؤخر في تعجيل شفائه. حينها يجوز لهذا المريض الإفطار على أن يقضي ما فاته من أيام فور شفائه إن شاء الله.

الممنوعون من الصيام لعذر مؤقت يشملون الحامل والمرضع أيضا، التي تخاف على نفسها أو على ولدها من تأثير الصيام على صحتها –ويستحب أن يكون هذا الإفطار باستشارة طبيب عدل أيضا-. يجوز لها حينها أن تفطر على أن تقضي تلك الأيام عقب زوال العذر.

هناك أنواع أخرى للإفطار كالشخص الذي يعمل في وظيفة متخصصة بإنقاذ حياة غيره، فيرخص للمنقذ بالإفطار حتى يقوى على الإنقاذ. كذلك المسافر سفرا طويلا شاقا تزيد مسافته عن إحدى وثمانين كيلومترا، وإن كان الصوم أفضل إن لم يكن السفر شاقا. وعند لقاء العدو يرخص للجنود بالإفطار إذا كان الصيام يضعف من قدرتهم على المواجهة. إرهاق الجوع والعطش الذي يودى بصاحبة إلى الهلاك يرخص له بالإفطار حتى يقوى، والمكره على الإفطار لحين زوال الإكراه، والمغمي عليه لا يصح صيامه حال إغمائه لذا يقضي عندما يفيق، وأخيرا الذين يمارسون أعمالا شاقة يرخص لهم بالإفطار والقضاء حين توفر الظروف. { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }البقرة

القسم الثاني: العذر والقضاء

القسم الثاني من أصحاب الأعذار الممنوعون من الصيام ولا يجب عليهم القضاء هو المريض مرضا لا يرجى شفاؤه منه، الشيخوخة والهِرَم المضعفة للبدن عن القدرة على الصيام ، أو المذهبة للعقل بخرف أو توهان. و الممنوعون من الصيام أيضا ولا يجب عليهم القضاء أصحاب الأمراض المزمنة مثل مرضى السكر والقلب والذبحة الصدرية والشرايين التاجية حيث يزيد الصيام من لزوجة الدم لنقص الماء وبالتالي صعوبة مروره في الشرايين، مرضى الفشل الكلوي يصرح لهم بالإفطار عند الغسيل وإن كان الصيام في غيره أفضل.

هذا القسم من أقسام ” الممنوعون من الصيام ” لا يجب عليهم قضاء ما فاتهم من أيام وإنما يجب عليهم الكفارة فقط وهي إطعام مسكين عن كل يوم يفطرون فيه من أوسط طعام أهل المنزل.

هذه نبذه مختصرة بينا فيه الحكمة من الصيام وكيف يكون الصيام صحيحا، وما هي الأعذار التي تجعل أصحابها أحد ” الممنوعون من الصيام ” أفادنا الله وإياكم بما نعلم، مع تمنياتنا لكم بصوم مقبول وطاعة دائمة وتقوى محققة وأجر معظم وكل عام وانتم بخير.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

4 × 2 =