المسلسلات التاريخية

تعد المسلسلات التاريخية والأعمال الدرامية والسينمائية من أهم الوسائل التي تشكل وجدان الشعوب، وتُرسِّخ في الأذهان صفات- صحيحة كانت أم مغلوطة- في ذاكرة شعوبٍ تتخذ من تاريخها موقدا لحاضرها وتستشرف من خلال ماضيها مستقبلها القريب والبعيد، كما تعد الدراما التاريخية قوى ناعمة لتثبيت أركان مفاهيمٍ يُراد الحفاظ عليها في المجتمعات المعاصرة، يغير صانعو الدراما من خلالها نظرة المتابعين لحقبة زمنيةٍ ما، فتجدهم يتعلقون بأحداث معينة مثلما استطاع صانعو المسلسلات التاريخية أن يربطوا فترة حكم المماليك بشخصيتي “جهاد ومحمود” وأن يصوروا الخليفة العباسي العادل هارون الرشيد بـ”زير النساء”، وأن يصوروا فترة تمزق الأمة المسلمة في الأندلس إبان سقوطها بالأمة المستهترة المعربدة، التي لا تهتم في حاضرها ومستقبلها إلا بالترف ومظاهره المختلفة، والجواري الحسان، والضياع مترامية الأطراف، وغيرها من مظاهر الترف التي تُلهي أصحابها عن المهام الكبيرة.

المسلسلات التاريخية

تتعدد أنواع الدراما التي تؤثر في المجتمع، وتأتي في صدارتها المسلسلات الاجتماعية، التي تناقش المشكلات الحياتية في المجتمعات المختلفة، مثلما قامت بذلك مسلسلات مثل يوميات ونيس وساكن قصادي وسنبل والمليون ولن أعيش في جلباب أبي وغيرها الكثير، والمسلسلات المعروفة باسم “السيد كوم”، وهي المسلسلات التي تدور أحداثها في أماكن مغلقة بأحداث كوميدية خاطفة، معتمدة على الحلقات المتقطعة والأحداث الغير مستمرة لأكثر من حلقة، والمسلسلات التاريخية من أشهر الدراما المؤثرة في المجتمع، وتعتمد في معظمها على سرد الأحداث التاريخية المرتبطة بحقبة تاريخية ما بشكل درامي يعتمد على إظهار المفارقات وسنة التدافع بين المحارب من أجل البقاء، والساعي للقيام وإزالة الآيل للسقوط مثلما حدث في المسلسلات التي تناولت فترة قيام الدولة الأموية والعباسية، وهي مسلسلات سورية الإنتاج، وقيامة أرطغرل، وهو مسلسل من إنتاج تركي.

المسلسلات التاريخية المصرية

بدأت الدراما والسينما العربية قويتين في مصر والشام، وظلت قوية في هاتين المنطقتين من البلاد العربية من الخليج إلى المحيط منذ نشأتها حتى وقتنا الحاضر، ثم تناوبت بعض البلدان القوة والضعف في الإنتاج السينمائي والدرامي فكانت المغرب واليمن والجزائر خير ممثل للدول التي تبرز حينا وتخفُت أحيانا إلى أن استطاعت المغرب أن تستقر في الصدارة مع مصر والشام في هذا المجال، والمسلسلات التاريخية المصرية كانت الأسبق والأكثر تنويعا في جميع الحقب، فمنها ما تناول الأحداث التاريخية ممثلة في شخصيات شهيرة، أكثرها كان لأئمة وصحابة وتابعين، وجُلُّها كان لمجددين في العصر الحديث في كافة المجالات فكانت لعلماء في الأزهر وحكاما من أسرة محمد علي وزعماء مصريين في مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952 ومجددين اجتماعيين وفنانين أثروا الحياة المصرية والعربية وحافظوا على الموسيقى العربية، وبعضها تمثل في نقل حقبا تاريخية مشتهرة في التاريخ القديم والحديث.

أشهر المسلسلات التاريخية المصرية

أما أشهر المسلسلات التي تناولت دراسات درامية لشخصيات تاريخية إسلامية فكان منها أبو حنيفة النعمان وابن تيمية، وعمر بن عبد العزيز، والأئمة الأربعة والإمام الترمذي، وغيرهم من الشخصيات التي تناولتها المسلسلات المصرية، وأما الأعمال الدرامية التي تناولت شخصيات في العصر الحديث أثروا في بناء مصر الحديثة منذ عهد محمد على باشا حتى يومنا هذا فكانت مسلسلات إمام الدعاة والإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعلي مبارك وقاسم أمين، كما تناولت الدراما التاريخية المصرية شخصيات سياسية معاصرة مثل نابليون والمحروسة، والملك فاروق وسليمان الحلبي، وركزت المسلسلات المصرية على حياة بعض الفنانين مثل أسمهان وأم كلثوم والشحرورة والعندليب حكاية شعب، وأما المسلسلات التي تناولت أحداثا عظيمة في التاريخ المصري فكان أشهرها جمهورية زفتى وسرايا عابدين وعلى باب مصر وبوابة الحلواني.

المسلسلات التاريخية الشامية

أما المسلسلات الشامية فقد تباين إنتاجها وجودتها، إلا أن السورية منها- على وجه الخصوص- استطاعت أن تخُطَّ لنفسها مكانا عليًّا في الدراما العربية على الرغم من المعوقات الكثيرة التي واجهتها، وتعددت الموضوعات التي تناولتها الدراما السورية تاريخيا، إلا أن ما تم إنجازه كان كافيا لأن تتربع سوريا على عرش الإنتاج التاريخي للدراما، ويرجع السبب في ذلك إلى ضخامة الإنتاج، ودقة المراجعة التاريخية إلا النذر اليسير منها، فأُنتجت مسلسلات أبو جعفر المنصور، والبحث عن صلاح الدين، والحجاج بن يوسف، والظاهر بيبرس، والقعقاع بن عمرو التميمي، وخالد بن الوليد، وصقر قريش، وصلاح الدين الأيوبي، وعز الدين القسام، وهولاكو، وغيرها من المسلسلات التاريخية التي تناولت شخصيات أثرت في التاريخ الإسلامي، وتناول السوريون سيرة بعض الشعراء الذين اشتهروا على مدار التاريخ، فكان مسلسل “أبو الطيب المتنبي”، والملاك الثائر جبران، وعنترة بن شداد، ونزار قباني، ثم مسلسلات تضمنت سيرا لأحداث خرافية أو واقعية جامعة، فكانت مسلسلات ربيع قرطبة، وملوك الطوائف وأيام شامية، والزير سالم، والسيرة العرابية، وغيرها من المسلسلات.

كيف قدمت الدراما التاريخ بصورة مغلوطة أحيانا؟

لا أحد ينكر فضل المسلسلات التاريخية التي قدمت لنا التاريخ سائغا غضا طريا، سهلا ميسور الوصول لعامة الناس وخاصتهم، ولا يستطيع أحد أن يقلل من شأنها في الحفاظ على التاريخ، وتقديمه للمتابعين دون صعوبة التأصيل، وكثرة الأسانيد، وتعدد الروايات، إلا أن هذا النوع من المسلسلات حمل مجموعة من المغالطات التي لا يمكن أن تُغفر لصانعي الأعمال، ولا يمكن أن تمر دون مراجعات وتوثيق، ومن هذه المغالطات:

  • الاهتمام بالشخصية أو الحدث التاريخي من زاوية واحدة، وإغفال الزوايا الأخرى؛ بهدف تمجيد الشخصية، أو الإجهاز عليها وتدميرها في عيون المتابعين، ما جعل الدراما التاريخية توصف بالانطباعية ولا تتسم بالموضوعية والحياد في كثير من الأحيان، ويبدو ذلك جليا في المسلسلات المتعارضة مثل مسلسل صقر قريش، الذي أظهر العباسيين سفاحين وسافكي دماء، ومسلسل أبو جعفر المنصور الذي أظهر العباسيين في صورة الملائكة الذين أنقذوا الخلافة الإسلامية من فناء محقق.
  • الاهتمام بالدراما، والمشاهد المثيرة، واتباع منهج التشويق، جذبا للجمهور، وسعيا لاستقطاب المتابعين، حتى ولو كان ذلك على حساب الحقائق التاريخية الثابتة، ويبدو ذلك جليا في مشهد جلد محمد بن أبي عامر لابن عمه زياد بعد أن شرب الخمر، ثم أعفاه من الطواف به في المدينة على حمار مقلوب، وهو عكس الحقيقة التي تؤكد أنه طاف به، هذا إضافة لتعمد المؤلف أن يؤكد في مشهد درامي حزين أن زيادا أعفى ابن عمه من هذا الخيار ثم مات.
  • صرف الناس عن الاطلاع على الأصل، ومطالعة الروايات الصحيحة والمتواترة؛ نظرا للسرعة التي تتسم بها الحياة، ولصعوبة القراءة إلا من أربابها ومحبيها، وصرفهم إلى المسلسلات التي تختصر جلال الحدث التاريخي في أحداث منتقاة لا تخلُ من التعبير عن فكر المؤلف؛ وقديما قالوا القارئ كالحالب والسامع كالشارب.
  • تحويل الإسرائيليات والروايات المكذوبة إلى حقائق في نظر عامة المتابعين، وتلفيق الأكاذيب في التاريخ؛ خدمةً لأهواء فريق عمل المسلسل، ما يهدد باختلاط الحقائق بالأكاذيب، والصواب مع الخطأ، مع ما يخالط ذلك من تمكين للخطأ كأنه صواب، ما يُشيع أباطيلا ليست لها من الحقيقة شيء.

خاتمة

أفادت المسلسلات التاريخية التاريخ الإنساني من نواحٍ، أهمها إيصال الحقائق التاريخية لعامة الناس، والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للشعوب العربية بغرسها في نفوس المتابعين بسهولة ويسر، في شكلٍ درامي مُقرب للنفس، لكنها أضرت التاريخ أحيانا بحفاظها على الشكل الدرامي ولو ضللت في الأحداث التاريخية.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

9 + 11 =