المسح على الخفين

يتساءل الكثيرون عن أمر المسح على الخفين وما حكمه في الإسلام وغير ذلك العديد من التساؤلات حول مدى مشروعية هذا الأمر، ومن الملاحظ أن كبار السن هم أكثر من يطلقون تلك التساؤلات في حاجة للتخفيف والتيسير عليهم، وأيضًا أولئك المسافرون وحتى المقيمون يسألون، خاصةً وأن هذه القضية من الأمور الشائعة في ديننا منذ قرون وقد لاقت جدلًا كبيرًا بين علماء المسلمين، ولكنها في النهاية مثبتة عن رسولنا الكريم وتتطلب فقط معرفة بأحكامها وكيفية المسح على الخفين بالطريقة الصحيحة، وهو ما سنوضحه مع سرد لأبرز أدلة ذلك من الدين والفقه، كما نسلط الضوء على كل ما يرتبط بهذه الرخصة من تفاصيل مثل مدة المسح على الخفيـن والمسح عليه للمسافر والمقيم، مع توضيح لأبرز مبطلات المسـح على الخفين والجوربين، ولا شك هي من الأمور التي وإن كانت بسيطة إلا أنها يتوقف عليها ما إذا كان الله تعالى يتقبل صلواتنا من عدمه؛ إذ أن الصلاة دومًا تستوجب الطهور والوضوء والحفاظ عليه من أية مبطلات.

ما هو المسح على الخفين ؟

المسح على الخفين ما هو المسح على الخفين ؟

إن المسح على الخفين هو المصطلح الذي يشير إلى تطهير الخف عبر المسح عليه بالماء، والخف المتعارف عليه هو ذاك النعل المصنوع من الجلد ويغطي كامل القدم والكعبين، وقد عرف العلماء المسح المقصود هنا بأنه تمرير اليدين وهي مبللة فوق هذين الخفين، ولكن حدد الفقه الإسلامي هذا الأمر بأن يكون المسح في أوقات معينة وفي ظروف محددة، وذلك للتيسير بدلًا من أن يلجأ الشخص لغسل قدميه بالكامل كما في الوضوء، وهناك من الشروط التي تحكم ذلك الأمر الكثير، ولعل أبرزها ما يحدد طهارة الشخص قبل ارتداء الخفين وألا يكون قد ارتداهما عن نجاسة، وكذا مدة صلاحية هذا المسح وغير ذلك من أمور تحل الأمر أو تبطله.

كيفية المسح على الخفيـن

إن المسح على الخفين يتم بطريقة وكيفية معينة حددها الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- ولا يتم بشكل عشوائي، ويكون ذلك من خلال تبليل اليد بالماء النقي النظيف، ومن ثَمَّ يتم تمرير باطن اليدين فوق الخف ابتداءً من أطراف أصابع القدمين وانتهاءً إلى أعلى الساق؛ وإن من صحة المسـح على الخفين أن يتم المسح على القدمين في الوقت ذاته، بمعنى أن الشخص يمسح بيده اليمنى على قدمه اليمنى، وكذا بيده اليسرى على قدمه اليسرى أيضًا، وهذا بالضبط ما يحدث عند غسل الأذنين في الوضوء، وبطبيعة الحال يستثنى من ذلك من لا يقدر على الحراك أو لا يستعمل أي من يديه، ولا يتم المسح هنا إلا بعد التأكد من طهارة القدم، وأن الخفين تم ارتدائهما على طهارة وليس على نجاسة، مع مراعاة تغطية الكعبين تماما بالخفين، وبهذا يكون قد تم المسح وتظل الرخصة متاحة طيلة يوم للمقيم وثلاثة أيام للمسافر، على أن يبدأ حساب ذلك منذ أول مرة تم المسح عليهما، وهناك الكثير من الشروط والأحوال نوضحها أيضًا فيما يلي.

دليل المسـح على الخفين

المسح على الخفين دليل المسح على الخفين

ورد في السنة النبوية الكثير من الأمور التي تفيد بجواز المسـح على الخفين، حتى وإن كان غسل القدمين أولى وأفضل إلا أن المسح على الخفين متاح شرعًا كما فعله النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو يعد من الرخص والصلاحيات التي أعطاها لنا الله سبحانه وتعالى للتيسير علينا في السفر أو الإقامة، ويعد من الأمور المتفق عليها في الإسلام ورغم ذلك يختلف في حكمه فقط كل من الخوارج وجماعة الرافضة، وغيرهم من المبتدعين في الدين، ولكن دلالة ذلك واضحة لِما ورد في حوالي الأربعين حديثًا شريفًا عن أصحاب رسولنا الكريم الثقات -عليهم رضوان الله- حتى أن “ابن المنذر” روى عن “الحسن البصري” -رحمه الله- أن سبعين من صحابة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أخبروه بأن النبي مسح على الخفين، وكذا رواة الحديث ذكروا في مواضع عديدة هذا الأمر، وذكر “الترمذي” في سننه أن قرابة عشرين صحابيًا أكدوا هذا الأمر وأوضح أسمائهم، وقد روى الإمام “البيهقي” في هذا الأمر أيضًا وذكر أكثر من عشرين صحابيًا أكدوا مسح رسولنا الكريم على الخفين.

ولعل من أبرز تلك الأحاديث ما قاله “جرير بن عبد الله” -رضي الله عنه- “رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال ثم توضأ ومسح على خفيه”، وكذا حديث الصحابي الجليل “عوف بن مالك الأشجعي” -رضي الله عنه- حين قال بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر صحابته بأن يمسحوا على الخفين في إحدى الغزوات -وقيل أنها غزوة تبوك- وأمرهم بأن يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، أما المقيم فيوم واحد بليلته، وهناك من الأحاديث الكثير، أما من الأثر دلائل أيضًا؛ حيث قال “أبا عثمان النهدي” أنه حضر في يوم ما خلافًا بين كل من سعد بن أبي وقاص وابن عمر حول المسح على الخفين وذهبا لعمر رضي الله عنه فقال بجواز المسح عليهما للمقيم لمدة يوم كامل.

مدة المسح على الخفين

أخبرنا الرسول -عليه من ربه أفضل الصلوات وأتم التسليم- أن المسح على الخفيـن هو أمر جائز ومرخص شرعًا بأحوال وظروف محددة، وكذا مدد محددة تختلف من شخص لآخر بحسب إقامته أو سفره، وقد علَّم الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- أن المسح على الخفين للمسافر متاح لمدة ثلاث أيام كاملة بلياليها، أما للمقيم فهي يوم واحد بليلته، وقد ورد ذكر هذه المدة في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة ومأثورات الصحابة الكرام، وأما عن بداية المسح فهناك أربعة أقوال فيها نوضحها فيما يلي:

الرأي الأول

يقول منتسبو هذا الرأي بأن البداية في المسح على الخفين تكون بعد أول حدث يقع فيه الشخص بعد ارتدائه للخفين.

الرأي الثاني

يقول منتسبو هذا الرأي بأن البداية في المسح على الخفيـن تبدأ منذ لحظة ارتداء الخفين سواء أحدث أو لم يحدث.

الرأي الثالث

يقول منتسبو هذا الرأي بأن المسح على الخفين جائز لمدة يوم للمقيم وثلاثة للمسافر ولكن هذا مرتبط بالصلوات الخمسة وفقط، بمعنى أن المقيم يحق له المسح على الخفين خمس مرات في اليوم فقط مع كل صلاة مفروضة، بينما المسافر يحق له المسـح على الخفين 15 مرة خلال ثلاثة أيام مع كل صلاة مفروضة، ولا يحق لأي منهما بعدها المسح على الخفين حتى ولو لم يحدثا أو يفتعل أيًا من مبطلات هذه الرخصة.

الرأي الرابع

يقول منتسبو هذا الرأي بأن البداية في المسح على الخفيـن يبدأ من وقت أول مرة يمسح فيها الشخص على خفيه بعد ارتدائهما، وهذا الرأي هو الرأي الأشهر والأبرز والشائع اتباعه لدى معظم أئمة أهل السنة والجماعة، وقد أكد هذا الرأي حديث رسولنا المصطفى -عليه الصلاة والسلام- حين قال “يمسح المسافر، ولا يمكن أن يصدُقَ عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، ولا يجوز العدول عن هذا الظاهر بغير برهان”.

المسح على الخفين للمسافر

إن المسح على الخفين من الأمور الجائزة شرعًا للمسافرين تيسيرًا لهم، والمسح هنا متاح ثلاثة أيام بلياليهن، ولا يتحدد أو يترتب على عدد الصلوات أي اعتبار في هذا الأمر، وهذه المدة المتاحة للمسافر تبدأ بالفعل منذ حدوث أول مسح على الخفين بعد ارتدائهما على وضوء وتنتهي عند اليوم الرابع، أي بعد مرور ثلاثة أيام كاملة بلياليهن كما أمر رسولنا الكريم، وعلى هذا الأساس وكمثال توضيحي، نجد أن من توضأ عند صلاة الظهر مثلًا ثم ارتدى الخفين، وعند وقت العصر حدث ما يبطل الوضوء، فإن بإمكانه أن يمسح على الخفين حتى عصر رابع يوم، أي بعد مرور ثلاثة أيام، ولكن بشرط ألا يخلع الخفين وإلا يتعرض لحدث أكبر مثل الجنابة، ما يجبره على الخلع والطهارة بالكامل.

المسح على الخفين للمقيم

المسح على الخفين المسح على الخفين للمقيم

إن المسح على الخفين من الأمور الجائزة شرعًا للمقيمين وذلك تيسيرًا عليهم، وعملية المسح على الخفين هنا متاحة يومًا واحدًا بليلته، وخلال اليوم الواحد هذا متاح للشخص المسح على الحذاء والصلاة كيفما شاء لا يتحدد أو يترتب على عدد الصلوات أي اعتبار في هذا الأمر، وهذه المدة المتاحة للمقيم تبدأ بالفعل منذ حدوث أول مسح على الخفين بعد أن يرتديهما على وضوء وتنتهي عند اليوم الثاني، أي بعد مرور يوم واحد كامل بليلته كما أخبرنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى هذا الأساس وكمثال توضيحي، نجد أن من توضأ عند صلاة العصر مثلًا ثم ارتدى الخفين، وعند وقت المغرب حدث ما يبطل وضوءه، فإن بإمكانه أن يمسح على الخفين حتى مغرب ثاني يوم، أي بعد مرور يوم واحد، ولكن بشرط ألا يخلع الخفين وألا يتعرض لما يبطل المسح على الخفين مثل الجنابة، أو غيرها.

شروط المسح على الخفين

هناك العديد من الشروط الواجب اتباعها لضمان الحصول على رخصة المسح على الخفين وعدم الخروج عن نطاقها، وهذه الشروط تراعي الكيف والمدة وحال الخفين والوضع التي عليها الشخص، وهذه الشروط هي:

  • لابد وأن يكون الشخص طاهرًا ومتوضئًا بالفعل قبل ارتدائه للخفين، بحيث أنه بعد انتقاض الوضوء يبدأ في المسح على خفيه على طهارة.
  • يجب أن يكون هذين الخفين من الطهارة بمكان، بالقدر الذي يسمح بارتدائهما ولا يلوثان القدم في شيء، أي أن تلوثهما من الداخل بالنجاسات يبطل رخصة المسح عليهما.
  • إن المسح على الخفين أمر متاح فعله حال نقص الوضوء بالحدث الأصغر وهي الأمور التي لا توجب الطهارة الكاملة مثل خروج ريح والبول والغائط.
  • وعلى عكس ما سبق ذكره، نجد أن الخفين غير متاح المساح عليهما حال تعرض الشخص لحدث أكبر، والحدث الأكبر هنا يقصد به الجنابة أو الطمث والنفاس.
  • من شروط صحة المسح على الخفيـن، أن يكون إطار المدة الزمنية المحددة لم ينته بعد، وهذا التوقيت الذي حدده رسولنا الكريم -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- هو يوم واحد بليلته للشخص المقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للشخص المسافر، على أن تكون بداية هذه المدة منذ أول مرة يمسح فيها الشخص على خفيه بعد أو حدث يتعرض له.
  • يجب أن يكون الخفان ساترين لكامل القدمين وكذا للكعبين، وأن يحولا دون رؤية القدمين من خلالهما.
  • من شروط المسح على الحذاء أن يكونا صالحين للمشي والتنقل خلالهما دون حاجة لحذاء.
  • من الشروط كذلك أم يمنع الخفين وصول الماء إلى القدم، ولذلك يقول العلماء بأن الخفين يجب أن يصنعا من الجلد، وليس من القماش أو الصوف.
  • وبالإضافة لما سبق هنالك بعض الشروط المختلف عليها بين العلماء وتتمحور حول مدى صحة الخفين وعدم خرقهما، وأن يكونا مصنوعين من الجلد أو غير ذلك، ولكن ما أكدوا عليه أن يكون الخفين من الأساس محللًا للشخص ارتدائهما، أي لا يكون سارقًا لهما ولا يكونا مصنوعين من الحرير أو غير ذلك من أمور تبطل استعمالهما من الأساس، وكذا الشرط الذي يشير إلى عدم رؤية القدمين من خلالهما هو شرط متفق عليه.

مبطلات المسح على الخفين والجوربين

المسح على الخفين مبطلات المسح على الخفين والجوربين

هناك ثلاثة أمور رئيسية حال حدوثها تبطل صلاحية ورخصة المسـح على الخفين ولا يمكن بعدها بأي حال من الأحوال إلا إعادة الوضوء مرة أخرى أو الطهارة الكاملة، وهذه المبطلات الثلاث تنطبق على الخفين أو على الجوربين، كما أن شروط وأحكام الخفين ينطبقان أيضًا على الجوربين، وفيما يلي نوضح تلك المبطلات:

انقضاء المدة

والتي تشير إلى عدم إمكانية المسح علـى الخفين حال مرور المدة المسموح بها شرعًا كما أمر الرسول الكريم، وهي يوم واحد للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للشخص المسافر.

خلع الخفين

حيث أن خلع الخفين يحول دون استمرار رخصة المسح عليهما، وهذا الأمر يسير حتى على أولئك الذين لم تنقضي المدة لديهم بعد.

حدوث موجب للغسل

وموجبات الغسل في الإسلام عديدة ومنها الجنابة أو الطمث والنفاس وغيرها من أمور تستوجب الطهارة الكاملة للجسم بالماء النقي الطاهر، وهذا الأمر لا شك يستدعي خلع الخفين.

وجدير بالذكر أن هذه المبطلات تزول بزوال السبب، وعلى أن تتاح الرخصة مرة أخرى بعد الطهارة الكاملة والوضوء وارتداء الخفين، وتبدأ رخصة المسح عليهما منذ أول نقض للوضوء بعد ارتدائهما، ولمدة يوم للمقيم وثلاثة أيام للمسافر.

يعتبر المسح على الخفيـن من الرخص والصلاحيات التي أعطاها الله تعالى لعباده المسلمين للتيسير عليهم عند الوضوء للصلاة حال انتقاض هذا الوضوء لأي حدث صغير كان، وللمسح على الخفين شروط وأحوال وظروف متعددة واختلف فيها العلماء كثيرًا إلا أن الجميع اتفق على مدى أهميتها لراحة المسلمين والتيسير عليهم لا سيَّما المسافرين أو حتى كبار السن المقيمين، ويعتبر أهل السنة والجماعة على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم مؤيدون لهذا الأمر، ولكن يرفضه فقط الخوارج والمبتدعون والرافضة وغيرهم، وقد حدد رسولنا الكريم مدة المسـح على الخفين بثلاثة أيام بلياليهن للشخص المسافر، ويوم واحد بليلته للمقيم، بشرط ألا يتعرض الإنسان لأي شيء يبطل هذا الأمر مثل الحدث الأكبر من جنابة أو طمث ونفاس، وهي أمور تستدعي الطهر الكامل وبالتالي خلع الخفين، كما أن خلع الخفين يعتبر أحد أهم البنود المبطلة لاستمرار رخصة المسح عليهما.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

18 − ثمانية =