الشغف والهواية

قد يبدو في مخيلتك للوهلة الأولى أنك حين تتحدث عن هواية شخص ما وتقول بأن فلان مثلاً هوايته لعب كرة القدم فإنك تتحدث بذلك النحو عن الشغف الذي يتمتع به ويشعر به كلما لعب كرة القدم أو مارس هوايته المفضلة، ولكن عندما تتحدث عن العكس فنقول أن فلان لديه شغف بالفنون التشكيلية فذلك يعني أن هذا الشخص يحب مشاهدة التماثيل المنحوتة والأعمال المجسمة واللوحات المرسومة ولكن ليس بالضرورة يعني ذلك أنه قادر على ممارسة تلك الأنواع من الفنون بالقدر والمهارة الذي يجعلها هوايته الخاصة وهنا يكمن الفرق بين الشغف والهواية.

الفرق بين الشغف والهواية

يمكن أن نلخص الفرق بين الشغف والهواية بجملة واحدة وهي (يمكن أن تكون جميع الهوايات شغفاً ولكن لا يمكن أن يكون كل شغف هواية) بمعنى أن من يمارس هواية ما كالسباحة أو الرسم أو السفر قد يكون ذلك نابعاً من مجرد رغبة منه في قضاء وقت فراغه في القيام بأنشطة ممتعة أو نابع من شغفه بالفعل بتلك الهواية وهو ما يمكن ملاحظته من خلال مراقبة نشاطات هذا الشخص؛ فعلى سبيل المثال إن كان لشخص ما يمارس هواية السباحة شغف بها فسوف تجده على دراية وعلم بأشهر السباحين العالميين والأرقام القياسية التي يصلون إليها بل وتجده ينتظر مباريات السباحة سواء ضمن الألعاب الأولمبية أو غيرها من البطولات بفارغ الصبر ويتابعها كما لو كان هو من يتنافس فيها. كذلك يمكن أن يصل به الشغف في تلك الهواية إلى حد الطموح أن ينافس من خلالها في الألعاب والدورات العالمية والمحلية التي تقام لها حتى يحقق مركزاً مرموقاً بها، هنا يمكن الجزم بأن هذا الشخص لديه شغف في هوايته من نوع خاص ولا يمارسها فقط من باب قضاء وقت الفراغ في أنشطة ممتعة.

لكن على صعيد آخر سوف تجد الكثير من الأشخاص لديهم شغف في شيء ما ولنقل كرة القدم على سبيل المثال كأكثر الرياضات شعبية حول العالم حيث تجد ملايين المتابعين للبطولات والمباريات الكبرى بل ولا تمر بجوار مجموعة من الرجال يتناقشون في أمور ما إلا وتجدهم يدور حديثهم حول كرة القدم وأفضل اللاعبين وأسوأ الأجهزة الفنية وهكذا، في حين أن قطاع كبير من المتابعين والمهتمين بمباريات كرة القدم لا تجد لديهم رغبة حقيقية في لعب الكرة بل تجده يكتفي بالمشاهدة والتشجيع فقط ربما لأنه لا يتحلى بالمهارات المناسبة للعب أو لأنه لا يجد متعة في ممارسة شيء يستمتع بمشاهدته وهو بالمناسبة من الأمور التي لا تعيب الشخص على الإطلاق ولكن تدل على أن شغفه يختلف عن هوايته وبالتالي نستنتج من ذلك وجود فارق كبير بين الشغف والهواية.

ما الذي يمكن الاستفادة منه عند معرفة الفرق بين الشغف والهواية؟

في الألفية الحالية بدأ الكثير من الباحثين في عدة جامعات أوروبية وأمريكية إثارة سؤال هام قد غفل عمن سبقهم من الباحثين وهو لماذا تتحلى كرة القدم بتلك الشعبية العالمية دوناً عن بقية الألعاب الرياضية؟ ومع طرح العديد من الإجابات الافتراضية والتي تنوعت بين الميول الطبيعية وبين التنشئة وسط أسرة تحب كرة القدم وتشجعها وبين وجود أكبر درجة من الإثارة في كرة القدم دوناً عن غيرها من الألعاب الرياضية، ولكن قد أظهرت العديد من الدراسات الحالية إجابة جديدة لم يتنبه لها الخبراء من قبل، فبإجراء دراسة استقصائية على مجموعة كبيرة من الأشخاص جميعهم ممن يتابعون كرة القدم باستمرار ومعظمهم من طلبة المدارس والجامعات وجد أن نسبة تتجاوز 40% ممن أجريت الدراسة عليهم قد حاولوا من قبل ممارسة ألعاب رياضية مختلفة غير كرة القدم ولكن لم ينجحوا فيها وذلك لتطلبها إما ملاعب بمواصفات خاصة أو مسطحات مائية معينة وكذلك لاشتراطها بعض الصفات الجسدية في اللاعب كالطول مثلاً للاعبي كرة السلة بينما في المقابل تعتبر كرة القدم من أسهل الألعاب التي يمكن لأي شخص ممارستها وفي أي مكان؛ وعلى هذا فقد استنتج الدارسون بأنه لو توافرت العديد من الظروف والشروط سواء الجسدية أو البيئية فإن شغف الأشخاص قد يتنوع ويختلف إلى عدد كبير من الألعاب الرياضية بدلاً من التوجه لكرة القدم فقط دوناً عن غيرها.

كذلك يتضح من الدراسة السابقة بأن هواية الإنسان قد تتحكم بشكل أو بآخر في شغفه تجاه شيء ما، أي من يحاول ممارسة هواية ما ويفشل فيها لظروف خارجة عن إرادته قد يدفعه ذلك إلى الإقلاع عن شغفه بتلك الهواية وعمن يمارسها والتوجه بدلاً عن ذلك إلى هواية أخرى أو إلى مكان محايد لا يخلو من الشغف والهواية.

كيفية تشجيع الأشخاص على تحويل شغفهم إلى هواية

كثير من الآباء يشتكون دائماً من أن أولادهم لا يمتلكون هواية معينة يمارسونها مما يضعهم في وقت فراغ طيلة الوقت وبالتالي قد يتعرضوا في أي لحظة إلى ممارسة الكثير من العادات السيئة لقضاء وقت فراغهم، ولا يقتصر الأمر على الأطفال فقط بل كثير من الشباب والبالغين يشعرون بقدر كبير من الفراغ في حياتهم ولا يقوون على ملئه بسبب عدم وجود نشاط معين أو هواية معينة يفضلون ممارستها، وهنا يمكن استغلال معرفة الفارق بين الشغف والهواية في إكساب الشخص هواية مفضلة لديه عن طريق استنتاج الشغف الخاص به وتحويله إلى هواية. فمن لديه شغف بمبارزات الكاراتيه والملاكمة يمكنه أن يذهب لمدرب خاص يدربه على فنون القتال بمختلف أنواعها حتى يعثر من بينها على اللعبة المفضلة له وهكذا على هذا النحو.

هل يمكن تحويل الهواية إلى شغف؟

على الرغم من أنه يبدو كأمر بلا قيمة إذ أن المراد من البحث في الفارق بين الشغف والهواية هو التوصل إلى كيفية تحويل شغف الشخص إلى هواية خاصة به يقضي من خلالها وقت فراغه كبديل عن التوجه لأمور أخرى غير مستحبة، ولكن قد يطرح سؤال نفسه وهو هل يمكن القيام بالعكس أي الاستلهام من هواية الشخص لتصبح شغفه؟

بداية يجب أن نوضح أنه في كثير من الهوايات قد يتعين على صاحبها أن يتحلى بقدر من الشغف المناسب لها كي يتمكن من رفع مهاراته ومستواه في تلك الهواية خاصة إن كان ينوي الاستمرار فيها طيلة حياته، بمعنى آخر من يمتلك ميولاً أدبية ويهوى كتابة الروايات يتعين عليه أن يمتلك حدساً من الشغف تجاه قراءة الروايات حيث يجب أن يكون له رصيد لا بأس به من القراءة كي يطور أسلوبه الأدبي في الكتابة ويحسن من مهاراته، الأمر ذاته فيمن يهوى الرسم عليه أن يكون على دراية بأشهر الرسامين العالميين وأفضل أعمالهم وطرق التقييم وهكذا؛ وعلى ذلك وطالما تواجدت الضرورة لفعل ذلك الأمر فيجب أن نبحث عن طريقة ما لتحويل الهواية إلى شغف وهو ما قد يكون مرهقاً في بداية الأمر خاصة عندما يشعر الشخص أنه مجبر على فعل ذلك ولكن بمرور الوقت سوف يجد متعة ما في متابعة أعمال غيره.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

عشرين − 2 =