الشخص المدمن

الإدمان بلاءٌ ابتلينا به في مجتمعنا ومصابٌ أصاب الكثير من بيوتنا والعديد من أحبائنا على اختلاف مصابها ابتداءً ممن تدهورت صحته ومنهم من خرب الإدمان حياته وحياة أهله ومن حوله ومنهم من قضى نحبه فعلًا وكان آخر عهده بالدنيا إبرةً تخترق ذراعه بما ظنه الحل السحري لكل مشاكله وهمومه وما كان إلا سمًا يتدفق في عروقه يكويها ويحرق قلبه جرعةً وراء أخرى.

الشخص المدمن : الطريقة الصحيحة لمساعدته

1بداية قصة الإدمان

تبدأ قصص الإدمان بداياتٍ مختلفةٍ وتتشعب الطرق وتختلف الطبقات ولكن النهاية دومًا واحدةٌ ومشتركة في نفس المستنقع القذر العميق، يحتاج الأمر إلى وقتٍ طويلٍ حتى نجد أحدهم يسحب نفسه بجهدٍ بالغٍ خارج ذلك المستنقع تاركًا الآثار خلفه، تبدأ واضحةً وظاهرةً تحاول سحبه إلى المستنقع ثانيةً ثم تخفت وتخفت حتى أنها تختفي مع البعض تمامًا ولا يبقى منها سوى الذكرى التي تفيقه كلما غفل.

2المراهقون والإدمان

واقعيًا وعمليًا فالمراهقون أكثر فئةٍ قابلةٍ للإدمان وتتعرض له وتسقط ضحيته لأسبابٍ تكثر وتختلف، ففي تلك المرحلة العمرية الحرجة يحدث للإنسان ثورةٌ داخليةٌ جسديةٌ وفكريةٌ وعقلية، يجد نفسه ساقطًا في هوة العدم بين نهاية ممر الطفولة وأعتاب النضج والكبر لكنه لم يصب شيئًا من هذا ولا ذاك، يتعجل الكبر والاستقلالية لكنه لا يجدهما بعد، ليست مرحلة عصيبةً على المراهق فحسب وإنما على أهله كذلك وعلى قدرتهم على الاستيعاب والتفاعل السريع مع تغيرات ابنهم الفجائية المتقلبة والمشتتة، وتعاملهم الصحيح مع الاضطراب الذي يعاني منه والثورات الداخلية والطاقة اللذان يتفجران في أعماقه بتأثير هرموناته وتغيراته.

3دور الأهل في التعامل مع الشخص المدمن

يأتي دور الأهل الأكبر في ردم فكرة الطفولة تمامًا ونسيانها والبدء في التعامل مع ابنهم كأنه شخصٌ جديد، البدء في احتوائه نفسيًا وفكريًا فكل تصرفٍ خاطئٍ ينأى به عنهم خطوةً ويشده نحو جهةٍ أخرى خطواتٍ حيث تجتمع المصائب والمستنقعات، وأغلبهم يسقط في فخ أصدقاء السوء يعوض بهم ما فقده مع أهله وغالبًا يكونون هم من يسقطون به في هوة الإدمان، فالمراهق يسيطر عليه الحزن والاكتئاب والسوداوية والغضب ويزيد التعامل الجاهل أو الخاطئ الأمر سوءًا فيتمرد وينسل مع الوقت من طوع الأهل وجماعتهم إلى طوع الصحبة ورفقتهم ويبحث عن قوته ودلائل استقلاله في سيجارته الأولى كما قد تسول له نفسه أو صحبته أو حتى الإعلام.

4التدليل وعلاقته بالإدمان

والبعض الآخر قد يكون مدللًا حتى الفساد مترفًا وفاقدًا للمعنى والهدف، غارقًا في الملل ويبحث عن الجديد والإثارة في المستنقع الأسود، أولئك أضعف ضحايا الإدمان وأسهلهم إغراءً وسقوطًا بالرغم أن الإدمان لا يقتصر على أحدٍ بعينه وإنما هو كالنار تنتشر في الهشيم ملتهمةً كل ما وقف في طريقها من جميع الفئات والأعمار والأجناس والطبقات ويستغل جميع الأسباب وأضعفها ليكون بابًا ينسل منه إلى ضحيته ويسقطها.

5تطور الإدمان لدى الشخص المدمن

يبدأ الإدمان بالتدريج ويتزايد مع الوقت خاصةً لو استمرت ظروف الشخص التي أدت به إلى الإدمان في التزايد فيتزايد معها هربه أكثر فأكثر منها ومن واقعه لهلوسات وأكاذيب المخدر ونعيمه الخيالي، ومع ازدياد التعاطي والاستمرار عليه بشكلٍ منتظمٍ يحدث للجسد نوعٌ من أنواع التأقلم أو الممانعة للمخدر ومع الوقت فإن الجرعة التي كانت تصعد به أبراج السعادة لا تكاد تؤثر فيه فيزيد الجرعة ثم تستمر الزيادة في نهمٍ والجسد يحاول المقاومة أو التأقلم وهو مصرٍ على زيادته حتى تحدث الجرعة الزائدة فتكون النقطة الأخيرة في كتاب حياته الذي ما حاول أن يملأه يومًا. وكما حاول الجسد أن يتأقلم وكنتيجةٍ لذلك فاعتياد الجسد على المخدر يجعله من متطلبات حياته ولم يعد في استطاعته العيش وممارسة حياته بدونه فإذا حاول التوقف أو أغفل جرعته تصبح فكرة الاستغناء سهلةً أمام تنفيذها وآلام الاحتياج للمخدر الذي اعتاده ومطالبته به بل إنه ينسى ما قرره وعزم عليه ويهرع إلى المخدر يريح جسده به.

6الشخص المدمن وتواجده بيننا

قد يكون الشخص المدمن المسكين ذلك أحد معارفك أو أقاربك أو أصدقاءك أو أحبائك ويحتاج إليك وإلى مساعدتك وأن يكون بجواره شخصٌ يأخذ بيده لا ينكره ويقسو عليه ويحاول التخلص منه، أو يفعل كفعل بعض الآباء يتنكر منه وينكر أبوته ويلقيه خارج بيته رغم أنه قد يكون نادمًا وضعيفًا وعاد طالبًا المساعدة، عندها إياك أن تقسو عليه أو تتخذ دور الملاك الصالح الذي يظهر جانبه الطاهر أمام جانب الشخص المدمن السيء، فهو يعلم أنه سيء ويعلم أنه مذنب ولم يأت ويلجأ إليك لتحاسبه على أخطائه فلو لم يكن يعرفها لما قصدك ليغيرها.

7عدم أخذ دور الناصح المعاتب

لا تأخذ دور الناصح المعاتب بل كن متواضعًا فالجميع بشر وكلنا نخطئ، لا تتخلى عنه أو تيأس منه فغالبًا الشخص المدمن لا يخرج من مستنقع الإدمان مرةً واحدة وإنما تتعثر قدمه آلاف المرات بل إنه أحيانًا من كثر تعثره يحن إلى السقوط بغير نهوضٍ وقد يقصده، عندها سيكون بحاجةٍ ماسةٍ إلى تلك اليد التي تجذبه بقوةٍ وتعيده إلى طريقه، وإلى الصديق الذي يذكره بهدفه ويعيد شحن طاقته وإرادته ويمنحه القوة والعزم والتصميم حين يفقدهما ويكون سندًا له حين يسقط فكن ذلك الشخص.

8الصبر

كن صبورًا وتحمل البطء الذي يشق به طريقه نحو العودة إلى حياته الطبيعية فهو ليس هينًا، ولأن الظروف لا تكون في صالحنا دائمًا فقد تكون أنت مكان الشخص المدمن المحتاج للمساعدة وتصبح أنت الضعيف والمحتاج والمبتلى، ولكن ماذا إن كنت كذلك فعلًا؟ كيف ستخرج من ذلك المستنقع وماذا ستفعل وبمن ستستعين؟

9بداية طريق العلاج

كيف ستبدأ طريق الصلاح والعودة؟ أول ما يجب عليك فعله هو العودة إلى صوابك والصدق مع نفسك وذاتك، عليك أن تعترف بأنك مخطئٌ خطأً فادحًا، أنك أخطأت في حق نفسك وأهلك وأحبائك وكل من خسرته واضطررت به في طريق إدمانك الوعر، فالإدمان ليس سهلًا وإنما ثمنه فادحٌ وغالٍ يبدأ بالتنازلات حتى يفقدك روحك في النهاية، مهما كان السبب الذي دفعك إلى المخدر فثق بأنه لا يستحق وأنه ما من مشكلةٍ بلا حل فابحث عنه.

10الهرب

ثق في قرارة نفسك أن الهرب لم يكن يومًا الطريق الصحيح في حل المشاكل والتعاطي مع حياتنا، ادرس مع نفسك مشاكل حياتك بشكلٍ سويٍّ ومتحضر وجد حلولًا لها، إذا لم تكن صادقًا مع نفسك متفاهمًا معها فلن تجد الإرادة لتنجو بها وإن لم تحمل أنت الإرادة فلن يحملها عنك أحدٌ ولن يستطيع أي شخصٍ أن يساعدك إن عجزت عن مساعدة نفسك، بل إنك قد تجذب معك من يمد يده بالمساعدة إلى مستنقعك وتسقطان معًا.

11اللجوء إلى الشخص المناسب

أنت تعرف من حولك وتعرف من يحبك ومن تثق فيه ويستطيع مساعدتك، الجأ لأكثر شخصٍ تتوسم فيه مساعدةً حقيقيةً وابدأ رحلة علاجك من عنده، واختر صاحبك ذلك بعنايةٍ لأن الاختيار الخاطئ قد يودي بك إلى الغرق أكثر فأكث، ما إن تقرر أن تنتهي من إدمانك وتهجره فكن شجاعًا لتنفيذ قرارك، جد بأعماقك الإرادة ولا تستسلم للهوى، هذب نفسك وروضها فطريقك ليس سهلًا ويحتاج لأن تكون على علمٍ وإدراكٍ بذلك وتستعد له نفسيًا.

12إيجاد القوة

جد القوة والاستقلال والكبرياء لتنال حريتك من استعباد المخدر لك فكن سيد نفسك وولي أمرك وصاحب رغباتك وتحمل مسئولية أفعالك، كن شجاعًا لتواجه أخطاءك وتصلحها ما أمكن ذلك، ابتعد عن صحبتك السيئة الماضية وعن كل ما يمت لذكريات الإدمان بصلة اقطع صلتك بذلك الماضي تمامًا.

أخيرًا إذا ما كنت الشخص المدمن لا تنفر من المساعدات الطبية ومراكز وبرامج إعادة التأهيل فقد يحمل أحدها خلاصك ولا تتكبر عن طلب المساعدة، كلما ابتعدت عن حياتك القديمة خطوةً احرص على جعلها خطوةً تقربك من حياةٍ جديدة وصحية، جد لنفسك واقعًا يغنيك عن وهم المخدرات وما أنت بعاجزٍ عن ذلك إن أردته، الحياة ابتلاءٌ وخُلق الإنسان في كبد فكن ناضجًا ومسئولًا وتحمل الابتلاءات وواجهها ولا تهرب، وكن قدر أمانة الروح التي وهبك الله إياها ولا تهدرها.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

واحد × 1 =