الشخصية النرجسية

الشخصية النرجسية من الاضطرابات النفسية المنتشرة بين الذكور أكثر من الإناث، فيشكل الذكور من 50% إلى 75% من المصابين ووفقا للإحصائيات فهناك 6.2% مصابون بهذا الاضطراب، وتعرف بأنها الحب المرضي للنفس، يشعر النرجسيون كأنهم يملكون العالم بين أيديهم، ويقطعون علاقتهم مع معارفهم بسهولة ولأسباب تافهة، ومن أشهر الشخصيات المعروفة عالميا المصابة باضطراب الشخصية النرجسية هم أدولف هتلر وصدام حسين وجوزيف ستالين ومادونا وبيكاسو. النرجسيون محدودي البصيرة ويعتقدون دوما أن تصرفاتهم مبررة ومنطقية، أنانيون ويحبون أنفسهم ويحتقرون غيرهم. ويعود تسمية تلك الحالة بهذا الاسم إلى أسطورة يونانية أحب فيها البطل نفسه حتى الموت، إذن فما هي أعراض الشخصية النرجسية وكيف يمكن التعامل معها؟

تحليل الشخصية النرجسية

تتميز الشخصية النرجسية بسمات ملحوظة، يسيطر عليها الكبر والغرور والغطرسة، والشعور بعظمة النفس وازدراء الغير وتقليل شأنهم، ويلازمهم دائما الشعور بالفخامة في السلوك والخيال، ويحتاج الشخص النرجسي دائما لتلقي الإعجاب ممن حوله، وعادة لا يتعاطف أبدا مع غيره، فالنرجسيين يشعرون دائمًا أنهم محور الكون، وأنهم الأهم في حياة غيرهم ويمنحون أنفسهم حق التميز عن الناس، فيعتقدون دائما أنهم الأفضل والأكثر علما ودراية بكل الأمور، ويجد صعوبة في التعاون مع غيره، غير متقبل للنقد ولا يسمح به، ومع ذلك فإن الشخص النرجسي يحمل داخله الكثير من الضعف والاحتياج والفراغ لذلك يحيط نفسه بهالة من التفاخر.

أعراض الشخصية النرجسية

يصعب تشخيص الاضطراب في مراحل الطفولة والمراهقة بسبب التغير والتطور المستمر في الشخصية، وإن اضطررنا لتشخيص طفل أو مراهق بهذا الاضطراب فيحدث ذلك بعد المتابعة واستمرار الأعراض لسنة كاملة على الأقل.

يصنف الإنسان بأنه نرجسي إذا كان لديه خمسة أعراض على الأقل من الأعراض التالية:

  • الشعور بالعظمة والفخر، والمبالغة في إنجازاته غير المستحقة، وتوقعه لاعتباره متفوقا من قِبل غيره.
  • إيمانه بأنه استثنائي ومتفرد، واعتقاده بأن لا أحد يفهمه غير من يماثله في العظمة والسمو.
    يبحث دائما عن الإعجاب المفرط.
  • يتوقع خضوع الناس لرأيه ويرغب في الحصول على معاملة أفضل من الآخرين.
  • يتخيل دائما أنه سيتجاوز حدود النجاح الباهر في العمل والدراسة وعلاقاته الاجتماعية والعاطفية.
    يستغل غيره للوصول لرغباته الخاصة
  • لا يهتم باحتياجات غيره ولا يعبأ بمشاعرهم، لا يتعاطف أبدا مع أحد.
  • يحسد غيره غالبا، أو يعتقد أن الكل يحسده.
  • متعجرف السلوك والتصرفات بصورة دائمة.
  • تشخيص الاضطراب النرجسي

حتى وإن اجتمعت كل الأعراض في الشخصية، لا يمكن تصنيفها بالنرجسية إلا عن طريق المختصين المتدربين في مجال الصحة النفسية، أي الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي، والطبيب العام غير مصرح له بتشخيص الأمراض النفسية، وهو غير مؤهل لذلك لعدم إلمامه بالتشخيصات النفسية. يقارن المختص بين أعراض المرء ونظيراتها الموجودة في المعيار التصنيفي للصحة النفسية بالولايات المتحدة الأمريكية، وطبقًا للنتائج يتم الحسم إن كان الإنسان يعاني من اضطراب النرجسية أم لا وذلك بعد المتابعة والملاحظة المستمرة.

والجدير بالذكر، أن الاضطرابات الشخصية لا يمكن ملاحظتها بالتخطيط الدماغي ولا بفحص الجينات الوراثية، ولا بتحليل الدم، فقط مراقبة السلوكيات ومتابعة التصرفات عن كثب هما القادران على مساعدة المختص لتحديد الشخصية النرجسية والتعرف عليها، وفي الأغلب لا يلجأ النرجسيون للعلاج لاعتقادهم أنهم مثاليين وترفعهم عن الشعور بالحاجة للمساعدة.

التشخيصات المشابهة

تتشابه أعراض الاضطراب النرجسي مع اضطرابات شخصية أخرى، مثل اضطراب الشخصية الهستيرية والحدية، والتمييز بينهم يتطلب المتابعة الطويلة، إلا أن النرجسية تكون أقل توترا من غيرها وأقل تعرضا للقلق، ولا يصلون للأفكار الانتحارية إلا بعد مدة طويلة من التعرض للهجر والرفض.

الشخصية النرجسية وكيفية التعامل معها

يستطيع النرجسي إبهار من حوله والحصول على الشعبية وسط الجماهير، في أغلب الوقت النرجسيون محبوبون في المجتمع، على الأقل في بداية العلاقات؛ حيث يتمتعون بالأناقة وتعبيرات الوجه الرائعة والحركات الواثقة والدعابات الساحرة، لكن ذلك لا يستمر طويلا، فبعد فترة قليلة تبدأ العجرفة في الظهور والعدائية وعدم التناغم، من الأفضل دائما الابتعاد عن الشخصية النرجسية وتجنبها، عامة أثناء التعامل معهم يجب أن تمتاز بالجرأة والمبادرة بفهم شخصيته وأن تعلم جيدا أن للنرجسيون قدرة على قلب الطاولة فعليك أن تتصدى لذلك وأن تستعد نفسيا لتحصين نفسك من ابتزازهم، ولا تقس أبدا على نفسك وتوقف عن انتقاد ذاتك ولومها، وتذكر أن النرجسي هو المسؤول عن إحساسك تجاه نفسك بالسوء. الفرار منهم هو الحل الأمثل.

الشخصية النرجسية والحب

للأسف، التعلق العاطفي بشخص نرجسي أمر مرهق ومؤذي نفسيا جدا، فتتصف العلاقة بالخلل من جانب واحد، حيث يستغل النرجسي الطرف الآخر لإشباع احتياجه العاطفي وتقدير الذات والتملق، فيفقد الطرف الآخر إحساسه بالقبول وثقته بنفسه ويزداد توترا وخوفا من الرفض والفراق، ويستمر في تلك العلاقة خوفا من الوحدة، ويضطر أن يتحمل الاستغلال والابتزاز العاطفي، ليتحول ذلك الشخص إلى مريض آخر مصاب بمتلازمة ضحية النرجسي بمرور الزمن.

الشخصية النرجسية هي التي تلاحق غيرها دائما لرغبتهم دوما في التخلص من الفراغ الداخلي، لذلك يختار بعناية فائقة ضحيته التي ستقع فريسة لمظهره المنمق، لتعطيه ما ينقصه، فهم غير قادرين على الحب.

الشخصية النرجسية والزواج

عندما يقرر النرجسي الزواج، فإن شريكه لابد أن يتميز بصفات معينة، لترضي غرور الشخصية النرجسية ، من هذه الصفات أن يكون الشريك ذكي جدا وأخلاقياته ممتازة ويتحمل المسؤولية، يمكن الاعتماد عليه دائما، وأهم شيء أن تكون ثقته بنفسه مهتزة ويفتقد تقديره لذاته حتى يتمكن النرجسي من استغلاله عاطفيا وضمان استمرار العلاقة مع شعور النرجسي بعدم استحقاق هذا الشخص للارتباط به، وأن الزواج فضل كبير تتوجه به الشخصية المضطربة لشريكها.

يعتمد النرجسي على التلاعب النفسي للسيطرة على ضحيته، ويصب ذلك في مصلحة النرجسي للوصول إلى هدفه، فمثلا في الشجارات العادية بين الأزواج تجده ماهرًا في رمي أخطائه على كاهل شريكه معتمدا على آليات التلاعب النفسي ومنها:

  • الغضب الشديد: ويكون ذلك بشكل مفاجئ ليربك الضحية، ويكون الغصب غير مبرر مما يدفع الشريك إلى الدهشة والصمت.
  • أكاذيب كثيرة: المبالغة في الحقائق، والأكاذيب العجيبة، لتشكيك الضحية في نفسها وهز ثقتها لتلجأ للخضوع والإذعان.
  • التحديق: النظرة المركزة خالية المشاعر لتخويف الضحية وتهديدها.
  • الصمت: التجاهل المتعمد لإرغام الشريك على تغيير رأيه وإجباره على الاعتذار.
  • الإسقاط: اتهام الشريك بمشاكله الشخصية، وإلقاء اللوم عليه، وتحميله كل الأخطاء، ليؤذي الضحية نفسيا، وجعلها تشعر بالذنب.
  • عكس الحقائق: عدم الاعتراف بالمسؤولية، وطلب الاعتذار واللوم الدائم.
  • دور الضحية: عندما تفشل الشخصية النرجسية في استدراج شريكها لتلبية احتياجها، تلجأ لعيش دور الضحية للحصول على العطف.
  • ويمكن لشريك النرجسي أن يصمت وقت الشجار، ويبتعد تماما عنه حتى يتجنب الأذى النفسي.

أسباب الإصابة بالنرجسية

لم يتمكن الباحثون من الوصول إلى سبب واضح ومحدد يؤدي إلى اضطراب الشخصية النرجسية وإنما مجرد آراء وترجيحات، فيرى البعض أن العوامل البيولوجية والاجتماعية والوراثية مجتمعة معا تشكل تأثيرا فعالا على شخصية الإنسان، وفي حالة الشخص النرجسي فإن المجتمع متمثلا في تفاعل الطفل مع أهله وأصدقائه وباقي الأطفال، ومزاج شخصية الفرد والطرق المكتسبة للتعامل مع الضغط يؤدون إلى الإصابة بهذا الاضطراب، والأسباب معقدة جدا وليست بسيطة ومتشابكة معا، فلا يوجد سبب واحد بعينه مسؤول عن هذا، لكنها مجموعة من العوامل تترابط سويا فينتج هذا الاضطراب، ويعتقد البعض أن السبب يرجع إلى التربية فقط، فانتقادات الأهل المستمرة والتدخل الزائد منهم في حياة الأبناء يؤدي إلى تشوههم نفسيا، كذلك الإعجاب الزائد المبالغ فيه من الأهل والتدليل المستمر وتجنب العقاب والإطراء الدائم يؤدي أيضا إلى تشوه الأطفال وشعورهم بالعظمة وتوقع هذه المعاملة من كل الناس وليس أهلهم فقط.

علاج الشخصية النرجسية

يجب أن يتمتع المعالج النفسي بالمهارة الشديدة، وعادة لا يلجأ النرجسيون للعلاج إلا بعد أفناع شركائهم لهم، أو تعرضهم للمعاناة بسبب حالتهم، ويمكن أن يتم العلاج عن طريق العلاج السلوكي المعرفي الذي يهدف لمواجهة الأفكار والسلوكيات الخاطئة واستبدالها بأخرى مقبولة وصحيحة، أو العلاج بالقبول والالتزام أو العلاج بالوعي وبالطبع تكون هذه العلاجات بإشراف المختصين، وعادة يكون العلاج طويل الأمد ومن المحتمل وصف بعض الأدوية التي تنهك القوى للتخلص من أعراض معينة كالاكتئاب وتقلب المزاج، ويلجأ بعض المختصين للعلاج الجماعي، للحث على التعاون والمشاركة مع الآخرين مما قد يساهم في توليد بعض مشاعر التعاطف أو الود تجاه الآخرين وتحسين طرق التواصل معهم ويحاول المختص أن يجعل ذهنهم أكثر انفتاحا. للأسف تزداد الحالة صعوبة وتعنتًا بالتقدم في العمر، وإن لم يتم التخلص من النرجسية فتنت عنها مضاعفات، مثل الاكتئاب وإدمان الكحوليات أو المخدرات وأفكار انتحارية أو الشروع بالفعل في الانتحار بجانب الفشل التام في العلاقات الاجتماعية، ومن خطوات العلاج التعرف على المرض واستكشافه وتقبل الإصابة به والالتزام في الجلسات المحددة مع الطبيب وحضور جلسات للتخلص من الغضب والتوتر ومجابهة الاكتئاب.

الأهل النرجسيين

إن كان والدك أو والدتك من الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية النرجسية فلا شيء بيدك للأسف، لا تتعب نفسك في المحاولات التي ستذهب سدى، فما من فعل أو قول سيغير النرجسي سوى العلاج النفسي، ولكنك من الممكن أن تغير من نفسك وذلك بتحصين ذاتك نفسيا، وعليك بمعرفة آليات الدفاع والتعامل بها حتى لا تؤذى صحتك النفسية وتجنب التعامل المباشر معه، وحاول ألا تثار مشاعرك السلبية بسهولة، وعليك بمحاولة الدخول في علاقات أخرى سليمة لتعوضك عن الضرر النفسي الواقع عليك.

للأسف، قد تتشوه نفسية الأطفال الناشئة وسط النرجسيين، فيشعرون بعدم الرضا عن النفس والفشل وعدم القدرة على التواصل مع العلاقات الأخرى وفقدان الهدف في الحياة والشعور الدائم بالذنب والغربة عن الآخرين، فيختل دور الأسرة الوظيفي ويقع الطفل تحت المحاكمة دائما وفقدان الدعم العاطفي بل قد ينتج أيضا أطفال نرجسيون، وقد يصعب على الأبناء إدراك أن أحد والديهم مصاب بالنرجسية نظرًا لجهلهم بالتعامل الطبيعي ونموهم في بيئة مختلة نفسيا تضعهم في حالة من الإنكار.

في النهاية، لا يجب الخجل من المرض النفسي، ولا ينبغي الاستسلام له خوفا من زيارة الطبيب، فالنفس تمرض كالجسد، وبما أن سبب اضطراب الشخصية النرجسية غير واضح حتى الآن فلا يمكن الإقرار بطرق معينة للوقاية منه ولكن دائما يساعد العلم والثقافة وحضور دروس التربية الصحيحة على الارتقاء بالنفس البشرية وتقليل احتمالية إصابتها بالاضطرابات، فالصحة النفسية هي النقطة التي تبدأ عندها كل النجاحات، واحرص دوما على تقبل نفسك وفهم مشاعرك والإقرار بقدراتك الحقيقية.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثمانية عشر − 9 =