تسعة
الرئيسية » مجتمع وعلاقات » تفاعل اجتماعي » كيف تكف عن عادة الحكم على الآخرين وتتوقف عن انتقادهم؟

كيف تكف عن عادة الحكم على الآخرين وتتوقف عن انتقادهم؟

الحكم على الآخرين تكاد تكون أرذل الصفات لأن صاحبها يتخيل أن لديه الحق الحصري في تقييم الناس وقياس مدى أخلاقهم وسلوكهم وتصرفاتهم، ولا ريب أن تفشيها في المجتمع سيخلق زمرة من المنافقين والمدعين فكيف يكون التصرف للتخلي عن هذه العادة المقيتة التي تثير الكثير من المشاكل؟

الحكم على الآخرين

الحكم على الآخرين من الرذائل الذميمة إن لم تكن أرذلها لأن صاحبها يفترض نفسه الشخص الملائكي الذي لا يخطئ ويركز مع عيوب وأخطاء الآخرين، في الحقيقة هذه ليست من الأمور الجيدة لأنها تدل على ضيق أفقك وضآلة تجربتك ولكن على أي حال هناك أسباب بالطبع لكي يقوم الإنسان بممارسة الحكم على الآخرين وانتقادهم والهجوم عليهم ومراقبتهم والتدخل في أبسط أمورهم الشخصية وانتقادهم على أساسها رغم أنهم لا يؤذونه ولا يؤذون أي شخص فضلا عن أنهم لا يهتمون به أصلا ولا بموقفه منهم، فما هي أبرز أسباب الحكم على الآخرين وانتقاد الناس؟

شهوة دائمة

هناك شهوة دائمة بتتبع تفاصيل الآخرين والحديث عنها، لا يوجد أكثر تسلية من هذا وهذا يناسب أكثر الأشخاص الفارغين والتافهين لأنهم ليس لديهم حياة حقيقية ولا طموح يسعون لتحقيقه ولا إنجاز يحرصون على الحفاظ عليه ولا هوايات أو اهتمامات يمنحونها وقتهم، بل على العكس يراقبون فقط الآخرين ويتابعون تفاصيل حياتهم الشخصية حتى ينتقدونهم ويعطون أنفسهم حق الحكم على الآخرين دون وجه حق وينصبون أنفسهم حكماء وأوصياء على الناس وهذا لا يرضى به أحد بالطبع.

شعور بالتفوق

الحكم على الآخرين يمنحك شعور بالتفوق، ففي اللحظة التي لا تشعر فيها بأي أهمية أو قيمة تنتقد الآخرين حتى تشعر أنك متفوق عليهم لأنهم يفعلون شيئًا أنت لا تفعله أو يسلكون سلوكا أنت لا تسلكه أو يمتلكون عيبا ليس لديك، بالتالي أنت متفوقا عليهم وعندما تنتقدهم تشعر أن حياتك أفضل بكثير لأنها على الأقل لا تحتوي على تلك الأشياء المشينة التي لدى الآخرين، وبالتالي من أهم أسباب الحكم على الآخرين تعزية النفس وإشعارها بالتفوق والحديث عن الأشياء السلبية لدى الآخرين حتى تتفوق عليهم.

سد عقد النقص

من أسباب الحكم على الآخرين أيضًا سد عقد النقص والشعور العميق بالدونية، لأنك تريد الحط من شأن كل الناس وتقييمهم بشكل سلبي لا يعجبك أحد ولا ترضى عن أحد وحينما يتحدث أحد عن الآخر بالخير فإن هذا لا يعجبك ولكن تشعر بالحماس حينما يتحدث أحدهم عن الآخر بشكل سلبي وربما شاركته وخضت معه في سيرته وروّجت أخبارا عنه غير صحيحة فقط من أجل مداواة عقد النقص لديك ولكن الدواء الذي يشبه الداء وهو الحط من الآخرين وانتقادهم والهجوم عليهم.

كيف يمكنك التوقف عن هذه عادة الحكم على الآخرين الذميمة؟

تقبل عيوب الآخرين

تقبل عيوب الآخرين كما يتقبل الناس عيوبك ولست الشخص الذي خلقهم أو أنشأهم حتى تحاسبهم على عيوبهم كل إنسان لديه عيوب في الدنيا ولا أحد يختار عيوبه لكن هناك أشخاص متواصلين مع ذواتهم ومتصالحين مع عيوبهم بشكل جيد ولا يحتاجون إلى الحكم على الآخرين وانتقادهم حتى يشعروا بالرضا عن أنفسهم أو يشعروا بالتفوق من خلال تقليل شأنهم لذلك كن مثلهم ولا تحكم على أحد ولا تنتقد أحد وتقبل عيوب الآخرين حتى يقبل الناس عيوبك.

استغل قدراتك لتطوير ذاتك

بدلا من التركيز على عيوب الآخرين وإساءاتهم ركز في عيوبك أنت، حاول أن تغير من نفسك، اعرف مزاياك وحاول تطويرها، بدلا من متابعة الآخرين هل فكرت في التعرف على نفسك؟ هل فكرت في النظر في ذاتك؟ هل فكرت بالخروج خارج إطار حياتك والنظر إليها نظرة موضوعية؟ أليس هذا سيفيدك أكثر من متابعة الناس وتتبع عيوبهم وسلوكياتهم؟ إن فعلت ذلك فسوف تكون راضيا عن نفسك مرتين، مرة لأنك تطورها ومرة لأنك لا ترهقها بتتبع الآخرين.

الحياة لن تسير على هواك

قد تظن أن الحياة مثل غرفتك يمكنك أن تنظمها على هواك وتستبيح حياة الناس وتعطي نفسك حق الحكم على الآخرين هكذا بسهولة وتتذمر لأن الحياة لا تسير على هواك، اسمح لي أقول لك إن كنت تظن ذلك فأنت لا تزال طفلا في جسد رجل كبير وتجربتك في الحياة لا تتجاوز باب غرفتك ولا تدرك كم هي معقدة ومتشابكة الحياة في الخارج وكيف أنها تعج بالناس والرغبات والمصالح والمحاسن والمساوئ والمهارات والخيبات والانتصارات والهزائم والخسائر والأرباح والنجاح، كل هذا يصب في بوتقة الحياة التي تصنع الأشخاص، فإن كنت تظن أن هؤلاء الأشخاص يجب أن يكونوا كما تهوى فأنت مخطئ كليا، وعليك أن تعيد النظر في تصورك عن الحياة أو الخيار الأسلم تجرب أن تعيش الحياة.

ربما سترتكب نفس الفعل لاحقا

كل التصرفات التي انتقدناها في السابق، كل السلوكيات التي استغربنا منها في الماضي، كل الأمور التي اندهشنا من إقدام شخص على فعلها نجد أنفسنا واقعين فيها كليا فيما بعد، أحيانا أشعر أن الحكم على الآخرين رد فعل أو آلية دفاعية تجاه سلوكيات الأشخاص لأن الإنسان يكون واقع في إغراء ممارسة هذا الفعل ولكنه لا يفعل لأسبابه المختلفة، فيقوم بانتقاده حتى يقاوم فعله، لذلك مهما كان الفعل غريبا وغير مفهوما بالنسبة لك أو سيئا ويستلزم الانتقاد والهجوم فلا تبالغ إذن فربما وجدت نفسك في القريب العاجل تقوم بنفس الفعل.

أنت لست بالوصي على الآخرين

أحيانا لا أفهم الشخص الذي يقوم بالحكم على الآخرين هل هو شخص خارق إلى هذه الدرجة حتى يستطيع الحكم عليهم وانتقادهم دون أن يطرف له رمش؟ عزيزي الذي تحكم على الآخرين بمنتهى البساطة، ألست إنسانا مثلهم؟ من عينك وصيا عليهم؟ الإتيان بسيرة الناس والحديث عنهم تسلية حقيقية ولكن لا تعطي لنفسك الحق الحديث عن الآخرين ومحاكماتهم ورسم الطرق التي يجب أن يمشون فيها حتى تظن أن الأمور يمكن أن تسير بهذه البساطة وأنك أفضل من الناس حتى تحاكمهم، شيء بائس جدا أن تظن هذا في الواقع.

أحب الناس يحبونك

هل تعلم ما هي الآثار الجانبية لعادة الحكم على الآخرين؟ إنها كراهية الناس لك، لا يحب الناس الشخص الذي ينتقدهم باستمرار أو يقيمهم بمقاييس أخلاقية أو عقائدية ضيقة لأنك لا تعلم عن ظروفهم ولا عن المواقف التي كوّنت شخصياتهم ولا عن حياتهم وتفاصيلها أي شيء وتحكم من السطح فحسب بالتالي سيحاول الناس تجنبك قدر الإمكان لأنك سبّقت بكراهيتهم بالتالي هم يردون عليك بنفس الكراهية لذلك أحب الناس وتقبل عيوبهم سيحبونك ويتقبلونك.

ادع لهم بالهداية

أخيرا إن كنت تظن أن الله سيحبك إن كنت ستنتقد العصاة وتحكم عليهم أقول لك أنك تدخلت في حكم الله لأنك استبحت لنفسك الحكم على الآخرين من عباده، والأفضل لك إن رأيت شخصا في موضع لا يحب الله أن يراه فادع لنفسك وله بالهداية، هذا أفضل له ولك لعل الله يستجيب لك فيهديك ويهديه، بدلا من انتقاده والحكم عليه.

الخلاصة أن الحكم على الآخرين من العادات الذميمة، شرحنا أسبابها، وفصلنا القول في التوقف عنها من حيث أهميتها وحيثياتها، فهل ستستطيع التوقف عن هذه الشهوة بعد الآن؟

محمد رشوان

أضف تعليق

9 − تسعة =