تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » منوعات » الحظ السيئ : كيف يفسر العلم تلك الظاهرة بشكل دقيق ؟

الحظ السيئ : كيف يفسر العلم تلك الظاهرة بشكل دقيق ؟

هل يمكن أن يتم تفسير الحظ السيئ بشكل علمي؟ في الحقيقة يمكن ذلك، فهنا سنرى كيف يحاول العلماء إيجاد تفسير علمي للحظ السئ، وهل له تفسير فعلاً؟

الحظ السيئ

يعزو كثير منا ما يتعرض له من نكبات، أو عثرات، أو إخفاقات في الحياة إلى ما نطلق عليه الحظ السيئ أو سوء الطالع. بل أضف إلى ذلك أن كلمة حظ، سواء كان هذا الحظ سيئًا أو جيدًا، أصبحت تتردد كثيرًا على ألسنة الناس، وذلك لعزو ما قد يقع لهم من أمور لم تكن في حساباتهم إليه، بل قد يصل الأمر بالبعض إلى أن يجعل الحظ محورًا وسببًا أساسيًا لكل ما يقع له في حياته، بخيره وشره، فنجد كثيرًا من الأشخاص يصفون من يُوفق للخير بأنه ذو حظ جيد، أو ذو حظ عظيم، بينما يصفون من لا يُوفق للخير والنجاح والسعادة، أو من يتعرض لنكبات وإخفاقات متكررة في حياته، بأنه ذو حظ سئ، أو قليل الحظ. ومن هذه المنطلقات نشأ الكثير من التقاليد والطقوس التي من شأنها، بحسب ما يعتقده بعض الناس، أن تزيل الحظ السيئ وسوء الطالح وتجلب الحظ الجيد وحسن الطالع، فعلى سبيل المثال، تجد بعض الناس يرتدي أسورة أو قلادة معينة، بزعم أنها تجلب الحظ، أو تبعد الحظ السيئ، وكذلك رمي الملح على الكتف الأيسر ثم نفضه من أجل التخلص من الحظ السيئ، ومن بين هذه الطقوس أيضًا، ما يحدث في حفلات الزفاف من الفتيات في العالم العربي، حيث يقمن الفتيات بقرص العروس لكي يلقين نفس مصيرها ويحالفهن الحظ في الزواج. فهل بالفعل هناك شيء اسمع الحظ السيئ ؟ وهل للحظ، خيره وشره، أسس علمية يمكن أن نبني عليها استنتاجات بأن شخص ما سيء الحظ أو جيد الحظ؟

الحظ السيئ ورأي العلماء فيه

الحظ لسئ وارتباطه بالقواعد والأسس المختلفة

يري البعض أن الحظ لسئ أو الجيد مرتبط فعلاً بقواعد وأسس وصفات معينة، وليس محض صدفة أو عشوائية كما يراه آخرون. وقد استند الداعمون لهذا القول إلى بعض المشاهدات، والمعتقدات، والحجج، ومنها، على سبيل المثال، أن الفرح ينبئ بوقوع أحداث سارة، وبالتالي فإن الحزن والهم ينبئان بوقوع أحداث غير مفرحة، فبزعم المؤيدين لهذا الرأي، من النادر أن نكون من أصحاب الحظ الجيد أو أن تحدث لنا الأمور المرغوب فيها ونحن في حالة من الهم والغم، وبالتالي فإن الحظ لسئ مرتبط بالحالة المزاجية للفرد وتقلبه بين حالتي السعادة والحزن، ويمكننا هنا الربط بين هذا الرأي وبين المقولة المشهورة: تفاءلوا بالخير تجدوه. ويزعم القائلون بهذا الرأي أن الأحداث السارة وكذلك الأحداث السعيدة تتبع قانونًا أطلقوا عليه قانون التتابع؛ حيث إن الأحداث السارة لا تأتي منفردة بل تتبعها أحداث أخرى سارة، وكذلك الأحداث غير المواتية لا تأتي منفردة بل غالبًا ما تتبعها أحداث أخرى غير مرغوب فيها أيضًا، فيصبح لدى الشخص مجموعة من الأحداث غير السارة التي من شأنها أن تجل الآخرون يصفونه بأنه شخص ذو حظ سئ، ويستشهدون في ذلك بالقول الدارج على ألسنة الناس: المصائب لا تأتي فرادى.

قانون الحظ السيئ

وبرغم أن المصائب المتتالية كفيلة بأن يوصف صاحبها بالحظ لسئ، إلا أن وضعهم قانونًا لتتابعها أمر فيه مجانبة للصواب، فليس كل شخص تصبه مصيبة أو تحدث له إخفاقات ونكبات في حياته معرض دائمًا لمصائب أخرى متتالية، تجعله من ذوي الحظ السيئ، وليس صاحب النجاحات عرضة للأحداث السارة وتتابع النجاحات، بما يجعله من أصحاب الحظ الجيد، هذا فضلاً عن عزو النجاحات والنكبات إلى الحظ في الأساس، كما أن تلك المصائب المتتابعة قد تكون في الأصل بسبب مصيبة واحدة، على سبيل المثال، يفقد الرجل زوجته التي كان يحبها ويأنس بها، ثم يصاب بسبب ذلك بالأسى والهم واليأس، فيؤثر هذا في باقي حياته، فتتضرر علاقاته الأخرى بالناس، ويهبط مستوى أدائه في عمله، ويصبح سريع الانفعال والتوتر، ثم ما يلبث حتى تقع له المشكلات في بيته، وعمله، وعلاقاته مع الآخرين، فيعزو من حوله كل هذه النكبات والمشكلات إلى الحظ لسئ خطئًا، ولو دققوا قليلاً، وأمعنوا النظر في سبب حدوث هذه المشكلات كافة، لعلموا أنها مصيبة واحدة استسلم صاحبها، فصار ضحيةً وأداةً طيعةً يتلاعب بها اليأس، وتتقلب في دركات الهم والحزن، ولذلك أوصانا النبي، صلى الله عليه وسلم، بطرح الهم والحزن عن القلوب، وكان هو نفسه، صلى الله عليه وسلم، يتعوذ منهما فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن.

الحظ السيئ صفة؟

ويعتقد آخرون أن الحظ السيئ أو الحظ الجيد صفة كغيرها من الصفات التي في الغالب لا يستطيع الإنسان أن يغيرها، أو أن يدفعها عن نفسه، فعلى سبيل المثال، قد لا يستطيع الإنسان أن يغير صفة قصر القامة، أو صفة الدمامة، أو ثقل الظل في نفسه. وبرغم أن في الرأي السابق ذكره محاولة غير موفقة إلى حد ما من البعض لربط الحظ بنوعيه بالحالة المزاجية للشخص ووضع نظرية، أو قانون، أو تفسير منطقي للحظ، إلا أن من يرون أن الحظ من الصفات الثابتة التي يولد بها الإنسان، ولا يستطيع تغييرها، يذهبون بنا إلى ما هو أبعد من التنظير الخاطئ، فهذا الرأي، فضلاً عن كونه غير سليم علميًا، كفيل بأن يكبل الإنسان ويحد من قدراته ويجعله عاجزًا عن مجرد محاولة النجاح؛ وذلك بغرس اعتقاد داخله بأن ما يقع له من نكبات وعثرات وإخفاقات أمر متأصل فيه وصفة لازمة، وليس بمقدوره تغيير ذلك، فهم بذلك يقطعون الطريق على الإنسان ويحولون بينه وبين السعي لنفض غبار الفشل، والسعي لتغيير الواقع غير المرض، والنهوض من النكبات والعثرات والانتقال منها إلى تحقيق النجاحات من منطلق الإيمان بأن الله قد أعطى لكل منا قدرات تعينه على النهوض بعد العثرة، والإفاقة بعد الكبوة، واليقظة بعد الغفلة، فلا يأس، ولهذا أوصى النبي، صلى الله عليه وسلم، بعدم اليأس، وأنه لو كان بيد أحد فسيلة، وقد قامت الساعة، فليغرسها، وهنا إشارة لعد الاستسلام، والسعي الدائم إلى التغيير والإصلاح (وإن قامت الساعة).

التناول السلبي للحظ لسئ

لك أن تتخيل أثر هذه الثقافة وهذا التناول السلبي لمفهوم الحظ السيئ على الحالة النفسية والثقافية للمجتمعات التي راج فيها هذا الفكر. فبالفعل ترسبت معتقدات الدونية والتخلف في المجتمعات التي تبنت خرافات على شاكلة خرافة الحظ السيئ والحظ الحسن، فالشعوب التي تعيش في رفاهية وحرية ورغد من العيش تتصف، بزعمهم، بالحظ الحسن، أما تلك الشعوب والمجتمعات التي تتأصل فيها المشكلات والنزاعات والفقر والقهر والجوع هي شعوب كتب عليها هذا الأمر ولا سبيل لها في التحسن والتغيير، وهذا ببساطة لأنها شعوب ذات حظ سيء. وهنا يتضح مدى خطورة هذا الطرح لمفهوم الحظ السيئ على الفرد والمجتمع.

وفي الختام، ينبغي أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، وننظر إلى الأمر نظرةً متحررة من جميع النظريات والمعتقدات الخاطئة. فهذا العالم يوجد سدى ولم يخلق هكذا عبثًا، بل خلق بنظام دقيق وناموس محكم، جعل الله فيه لكل حادثة سبب، سواءً كان هذا السبب خفيًا أم ظاهرًا لنا، وعلى الإنسان فيه أن لا يعزو ما يقع من حوادث، بخيرها وشرها، إلى الحظ، ولكن ينبغي عزوها إلى الأسباب التي بنى الله عليها هذا العالم. كما أن هناك قانون إلهي يتحكم في مجريات الأحداث في عالمنا، بل ويفوق قانون الأسباب ويتحكم فيها، وهو قانون القضاء والقدر؛ فما على الإنسان إلى أن يسعى ويأخذ بأسباب النجاح في هذه الدنيا، فإن فعل فسينجح، وهو الغالب، وإن لم يوفق للنجاح، عزا الأمر إلى القضاء والقدر، وحاول مرةً أخرى دون استسلام لليأس، أو ركون إلى لمفاهيم الحظ السيئ الخاطئة.

مصطفى فؤاد

مصطفى فؤاد برعي، تخرج من كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، يعمل مترجم تقني وقانوني حر، من محافظة سوهاج بصعيد مصر، عمل مدرسًا للغلة العربية والثقافة الإسلامية وعلوم القرآن الكريم في مركزي خالد بن الوليد والسلام الإسلاميين في مدينة كيتو، عاصمة الإكوادور، بأمريكا اللاتينية.

أضف تعليق

واحد × واحد =