تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » منوعات » كيف نشأت الحضارة الكوشية ولماذا تعد من أعظم الحضارات؟

كيف نشأت الحضارة الكوشية ولماذا تعد من أعظم الحضارات؟

يتناول مقالنا الحديث عن الحضارة الكوشية التي نشأت على ضفاف النيل إلى جانب الحضارة المصرية القديمة، لكنها لم تنل حظها من الشهرة والانتشار. سنتعرض لأصل تسميتها وقصة نشأتها والظروف المحيطة بها ومراحل تطورها، وعلاقتها بحضارة مصر وإلى أي مدى تأثرت كل منها بالأخرى.

الحضارة الكوشية

زخرت الحياة الإنسانية منذ فجر التاريخ بالعديد من الشواهد التي تفصح عن نماذج لمجتمعات استقرت في أماكن مختلفة من أرجاء المعمورة، وباختلاف الأماكن التي استقرت بها تلك المجتمعات، تميزت أيضاً عن بعضها البعض في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والنظم السياسية التي سادت في كل منها. إنها الحضارات التي أثرت العالم بكل ما نعرفه الآن من علوم وفنون وطب وفلك وفلسفة، وغيرها الكثير مما يعد الركيزة والأساس لكل ما نعرفه اليوم من تقدم وتكنولوجيا وحضارة حديثة. غير أن عامل الشهرة قد نال من تلك الحضارات، فبعض منها ذائع الصيت مثل الحضارة الفرعونية والرومانية والبابلية، حيث تناولتها وسائل الإعلام بالدراسة والاقتباس مما ساعد على انتشارها وسبر أغوارها، وبعض الحضارات الأخرى لم تأخذ حظها من الانتشار والشهرة، إلا أن ذلك لا ينفي عنها دورها في رخاء البشرية. وإن كانت الحضارة المصرية القديمة هي من أقدم الحضارات وأكثرها شهرة وبريقاً وسحراً، فلن نبتعد كثيراً، لقد ضم حوض النيل حول ضفافه حضارة أخرى لا تقل عظمة عن حضارة مصر. إنها الحضارة الكوشية .

أصل التسمية

الحضارة الكوشية أصل التسمية

اختلف المؤرخون حول اسم كوش، وتباينت آراؤهم، غير أن تلك الآراء قد تكون نوعاً ما متقاربة. ففريق منهم أعاد الاسم إلى الابن الأكبر لحام بن رسول الله نوح عليه السلام، والذي كان اسمه كوش. وطبقاً لروايات التوراة، كان لكوش علاقات متداخلة مع شعوب مناطق النوبة والجزيرة العربية وإثيوبيا. أما الفريق الأخر فيرجع اسم كوش إلى منطقة في جنوب وادي النيل تدعى بذات الاسم، كوش، وفريق آخر يعيد التسمية إلى الملك كاشتا الذي حكم المملكة في مرحلتها الأقوى وأكثر فتراتها قوة وازدهاراً.

مراحل تطور المملكة الكوشية ونشوء الحضارة

وبالرجوع إلى المصادر التاريخية، نجد أن لمملكة كوش ثلاث عواصم هم كرمة ونبتة ومروي، تمثل كل واحدة منهم مرحلة من مراحل تطور المملكة الكوشية وحضارتها. كانت العاصمة الأولى هي كرمة، وكان أول ذكر لها في لوح سنوسرت الثالث المعروف بلوح فلورنسا عام 2400 ق.م، وكانت في ذلك الوقت مدينة مزدهرة بالتجارة، واشتهرت بصناعة الفخار عالي الجودة، بالإضافة إلى أنها كانت مدينة وسيطة، تمر عليها خطوط سير القوافل التجارية ما بين مصر ووسط أفريقيا.

أما العاصمة الثانية كانت نبتة، وبدأت في عام 1000 ق.م، وتعد هذه الفترة من أكثر الفترات التي عاشتها الحضارة الكوشية قوة وازدهاراً، وبلغوا من القوة أن قاموا بغزو مصر واحتلالها فعلياً، حتى وصلوا إلى شاطئ البحر المتوسط. وأقاموا في مصر لفترة تزيد عن 600 سنة أسسوا فيها الأسرة الخامسة والعشرين، حتى تم طردهم منها بواسطة الآشوريين الذين كانت لديهم أقوى جيوش في ذلك الوقت.

وفي سنة 300 ق.م انتقلت العاصمة من نبتة إلى مروي، واستمرت حتى عام 300 ميلادية. وفي هذه الحقبة ازدهرت صناعة الحديد حيث قام الكوشيون باستعمال الأفران والمحارق الضخمة لإنتاج الحديد حتى أصبحوا الأفضل عالميا في تصنيع الحديد، وما ساعدهم في ذلك أن الفترة السابقة من عمر المملكة الكوشية كانت غنية بسبب التجارة في الذهب، الأمر الذي مكن الكوشيون من الاستثمار في صناعة الحديد وإنتاجه حتى برعوا فيه وقاموا بتصديره.

علاقة الحضارة الكوشية بحضارة مصر القديمة

من الآراء المنتشرة تلك التي تقول بأن الحضارة الكوشية هي مجرد امتداد للحضارة المصرية القديمة، غير أن البعثات الأثرية وما عثرت عليه من آثار في مناطق قريبة من مدينة الكرمة أقدم عواصم الحضارة الكوشية قد أقرت بتميز الحضارة الكوشية واختلافها عن جارتها المصرية.

حيث قامت بعثة آثار سويسرية بالتنقيب في منطقة الهضبة الحمراء إحدى أهم المناطق في السنوات الأقدم من الحضارة الكوشية وعثرت على العديد من الآثار المصرية إلى جانب بقايا سور لمبنى دائري الشكل لا يوجد مثيل له في العمارة المصرية. وهو ما أفضى إلى حقيقة تفرد الحضارة الكوشية وتميزها عن الحضارة المصرية القديمة حتى وإن تأثرت بها.

صراع الحضارة الكوشية والحضارة المصرية

الحضارة الكوشية صراع الحضارة الكوشية والحضارة المصرية

من الحقائق التاريخية الثابتة والتي لا خلاف عليها أن المصريون قاموا باحتلال بلاد النوبة بداية من الدولة المصرية القديمة ومرورا بالوسطى، حين كانت كرمة هي عاصمة النوبة، لذا فإن المصريون كانوا متفوقين عسكرياً عن حضارة بلاد النوبة. فكما ورد في لوح فلورنسا أن مصر قامت بغزو بلاد النوبة نظراً لغناها بالذهب والصخور النادرة التي يندر وجودها في منطقة الشمال من نهر النيل. غير أن الشعب النوبي كان دائم التمرد على الحكم المصري ونجح في الاستقلال حين ضعفت شوكة الدولة المصرية نتيجة حروبها مع الهكسوس.

ومع عهد الأسرة الثامنة عشر، استعاد الجيش المصري عافيته وعاد لمهاجمة المملكة الكوشية واستطاع دحرها وأعاد احتلال النوبة، واستمر زحفه جنوبا إلى أن وصل إلى موقع الخرطوم حالياً. وكانت المنطقة الممتدة من إدفو إلى الخرطوم خاضعة للحكم المصري لمدة كادت تقارب الخمسمائة عام، تلك الفترة التي أثرت سلباً بشكل كبير على الثقافة النوبية المحلية التي كادت أن تندثر تحت التأثير الطاغي للثقافة المصرية.

وعند قيام الأسرة الثانية والعشرون، حدث صدام بين كهنة معبد آمون والملك ششنق الليبي مؤسس الأسرة، الأمر الذي دفع الكهنة إلى الهرب إلى كوش في بلاد النوبة، واستقروا في مدينة نبتة، واستطاعوا بما لديهم من نفوذ ديني ومادي وثقافي أن يفرضوا سلطانهم على المنطقة بأسرها وأسسوا أسرة حاكمة قوية، كما امتد هذا التأثير إلى اعتناق كثير من النوبيين الديانة المصرية وعبادة الإله آمون.

ولم يمض وقت طويل حتى استطاعت الأسرة المالكة محاربة المصريين وتمكنت من غزوهم، ونجحوا في الاستيلاء على مصر كلها حتى يؤسسوا الأسرة الخامسة والعشرون في الحضارة المصرية.

وفي هذه الفترة شهدت الامبراطورية المصرية التي امتدت حدودها من أعماق أفريقيا حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط نهضة في العمارة والفنون، حيث نشط بناء الأهرامات التي بلغت وقتها نحو 220 هرماً كان أغلبهم في المنطقة الجنوبية (السودان حاليا)، كما تم ترميم العديد من المعابد مثل معبد الكرنك، وأقاموا الكثير من المعابد حول مدينة نبتة وربطت هذه المباني بشبكة للمياه، هذا بالإضافة للقوة العسكرية الضاربة الأمر الذي جعل منظمة اليونيسكو تصنف هذه الأسرة بالقوة العظمى إلى جانب حضارات أخرى عريقة مثل الحضارة الرومانية والفارسية.

واستقر الحكم في مصر زمناً طويلاً إلى أن نشبت الحروب بين مصر وآشور، استطاع بعدها الآشوريون هزيمة الأسرة الحاكمة في مصر وقاموا باحتلال مدينة طيبة، ونصبوا المصري بسمتك الأول ملكاً على مصر ليؤسس الأسرة السادسة والعشرون. والذي قام بمعاونة من الآشوريين بمطاردة الكوشيين حتى مدينة نبتة مما دفعهم إلى الانسحاب حتى مدينة مروي، وظلوا فيها إلى أن انتهت حضارتهم بعد أن قام الأحباش بغزوهم والقضاء على حضارتهم تماما في عام 350م.

خاتمة

تحدثنا عن الحضارة الكوشية التي قامت على ضفاف النيل بجانب جارتها الحضارة المصرية الذائعة الصيت، والقينا الضوء على نشأتها وعلاقتها بباقي الحضارات الأخرى وقصة الصراع الذي دار بين الدولتين الجارتين على ضفاف النيل، وكيف تأثرت كل حضارة بالأخرى.

الكاتب: وليد زكي

إبراهيم جعفر

أضف تعليق

عشرة − واحد =