تسعة
الرئيسية » الحيوانات » كيف فك العلماء شيفرة اللغة السرية عند الحشرات المضيئة ؟

كيف فك العلماء شيفرة اللغة السرية عند الحشرات المضيئة ؟

تبدو الحشرات المضيئة ذات التألق الحيوي كائنات مبهرة للعين ومثال حي على خصائص الطبيعة المدهشة، وفي هذا المقال ستتعرف على مجموعة ساحرة منها، والسبب الذي أدى لتطور أجسامها بهذا الشكل والوظيفة التي تؤديها الإضاءة في دورة حياتها.

الحشرات المضيئة

الحشرات المضيئة هي ظاهرة مثيرة للتأمل ومفعمة بالحيوية من خلال مراقبة الضوء المبهر الذي ينبعث من هذه الكائنات. وترجع القدرة السحرية لهذه الحشرات على إطلاق الضوء إلى تفاعلات كيميائية تتم داخل جسم الكائن الحي، وهي ظاهرة يطلق عليها “التلألؤ البيولوجي”. وفي حين أن “التلألؤ البيولوجي” ظاهرة واسعة الانتشار بين الحيوانات البحرية؛ إلا أنها نادرًا ما تظهر على الأرض، لكن هناك بعض المخلوقات البرية الرائعة -في الغالب من الحشرات والفطريات- التي طورت قدرتها على إنتاج الضوء. وعلى الرغم من أن الضوء المنبعث يمكن أن يأتي بألوان مختلفة، إلا أن أكثر الألوان شيوعًا في كل من البحر والبر تكون زرقاء وخضراء، ولكن على البر يمكنك أيضًا مشاهدة حالات نادرة من اللون الأصفر وحتى اللون الأحمر. وتتوهج الكائنات الحية لأسباب مختلفة مثل جذب رفاقها، أو إبعاد الحيوانات المفترسة، أو إيجاد الطعام. وهناك أنواع من الحشرات المضيئة تتوهج في أوقات محددة فقط، لبضع ثوان قليلة، بينما تتوهج أنواع أخرى بصورة مستمرة. وفي هذا المقال بعض من المخلوقات البرية الفاتنة القادرة على التوهج؛ فكم من هؤلاء قد رأيت من قبل؟

الحشرات المضيئة ثنائية الألوان

الحشرات المضيئة ثنائية الألوان Arachnocampa luminosa، والمعروفة أيضًا باسم “فطريات البعوض” هي أحد أنواع الحشرات المضيئة التي تعيش في المناطق المظلمة والرطبة في نيوزيلندا، ولا سيما كهوف وايتومو، التي أصبحت منطقة جذب سياحي شهيرة نظرًا لمشهد النجوم المبهر هناك. وحجم هذا النوع من الحشرات المضيئة لا يتعدى حجم عود ثقاب. وهذه الديدان المتوهجة هي يرقات تفقس من البيض وتصبح في نهاية المطاف حشرات ذات جناحين بالغين، وتعيش عادة لبضعة أيام فقط لغرض التزاوج. وخلال مرحلة اليرقات، وهي أطول مرحلة في حياة هذه الديدان وتدوم حتى 9 أشهر فقط؛ على اليرقات أن تأكل بنهم حتى تتمكن من العيش في مرحلة البلوغ التي لا تستطيع الأكل فيها، حيث لا يوجد لديهم فم. وقد ابتكرت الديدان المضيئة التي تعيش في هذه الكهوف تكتيكًا مخادعًا لإيقاع فرائسهم: فهم يقومون ببناء “خطوط صيد” خاصة بهم مصنوعة من الحرير مع قطرات مخاطية لزجة يمكن تعليقها من السقف؛ وهذه الخطوط يمكن أن تمتد إلى 20 بوصة في الطول. ومع هبوط الليل، تتوهج الديدان بلون أزرق مشع لإغراء الفريسة المطمئنة مثل الحشرات -إما الزحف أو الطيران نحو الفخاخ- التي تصبح متورطة في شبكة من خطوط لزجة، كما تصاب بشلل من جراء المواد الكيميائية التي يتكون منها المخاط. ثم تتسلل اليرقات إلى أسفل وتأكل صيدها. وكلما كانت اليرقات أكثر جوعًا، كلما زاد توهجها. والمثير للدهشة، أنها تستغرق 15 دقيقة فقط لإنشاء خط واحد من خطوط الصيد هذه ويمكن أن تنشئ 25 خطًا في الليلة الواحدة. وتنظم هذه الكائنات نفسها بصورة رائعة، لكنها قد تلجأ إلى أكل بعضها البعض إذا شعرت باقتراب غزاة من نفس جنسها. أما عن عملية التزاوج فتتم عن طريق قيام الإناث الكبار بالتوهج لجذب الذكور، وعندما يصل عدد كبير من الذكور يتقاتلون مع بعضهم، ومن يفوز منهم يتزوج بالأنثى، إلا أن الحشرة الأنثى تفقد قدرتها على التوهج بعد وضع البيض. فإذا كنت محظوظًا برؤية هذه المخلوقات المدهشة، فابق صامتًا ولا توجه المصابيح الكهربية عليها حتى لا تطفئ أنوارها.

القواقع (الحلزون) المضيئة

الحشرات المضيئة القواقع (الحلزون) المضيئة

هناك نوع آخر من الكائنات المنتجة للضوء، لكنها لا تقع ضمن فئة الحشرات المضيئة؛ وهو الحلزون المخطط والمعروف باسم “Quantula striata” وهو الحلزون البري الوحيد المعروف بقدرته على إنتاج الضوء، ويوجد في جنوب شرق آسيا. وعلى نحو غير عادي، يتوهج بيض هذا الحلزون باستمرار في الظلام وعند الفقس ينتج عنه ومضات مؤقتة من الضوء الأصفر والأخضر من وراء فمه لعدة أيام، إلا أنه يكون ضوء خافت. وتظل أسباب التوهج والوميض بالنسبة لهذا الكائن هي لغز محير، ولكن من المثير للاهتمام أنها تتوقف عن التوهج عند الوصول إلى مرحلة النضج الإنجابي. واقترح بعض الباحثين أنه من خلال الوميض يتواصل الحلزون مع أعضاء آخرين من جنسه حتى يمكنهم التجمع. لكن على الرغم من أنهم غير متأكدين من السبب، إلا أنها طريقة مبتكرة لدعوة الآخرين للاجتماع!

الفطريات المضيئة

بصرف النظر عن الحشرات المضيئة، نجد أن ظاهرة التلألؤ البيولوجي هي الأكثر شيوعًا بين الفطريات. حيث تم اكتشاف ما لا يقل عن 50 نوعًا من الفطريات المضيئة، ووجد أن الأنواع الأسترالية تكون أكثر إضاءة من تلك الموجودة في أمريكا الشمالية. وأحد أروع أنواع الفطريات المضيئة هو فطر Mycena lucentipes، وهو واحد من ستة أنواع من الفطريات المتلألئة بيولوجيًا والتي اكتشفها العلماء في عام 2006 في غابة الأطلسي في البرازيل، حيث يتوهج باللون الأخضر اللامع ويكون مظهره ساحر في الليل. لكن لماذا يتوهجوا؟ لا يعرف خبراء علم الطحالب ولا خبراء الفطريات ولكنهم توقعوا أنه قد يكون ذلك من الأشياء التي تساعد في تفريق جراثيمهم إلى أماكن أخرى. وتفترض تفسيرات أخرى أن توهجها قد يردع الحشرات عن أكلها، أو يجتذب حيوانات مفترسة أخرى من الحشرات كي تأكلها حتى لا تستطيع أكل الفطريات- وبعبارة أخرى قد تدعو أعداء عدوهم لحماية أنفسهم. وهناك المزيد من الأنواع الفطرية التي تنتظر اكتشافها. فإذا صادف أن سافرت إلى بلد ما وقمت بنزهة ليلية في الغابة، انظر حولك بعناية- فمن يدري ربما عثرت حتى على فطر متوهج جديد!

ديدان السكك الحديدية

هذا النوع هو أحد الحشرات المضيئة التي تنتمي إلى نفس عائلة الخنفساء والتي تندرج تحت فصيلة اليراعات. وهي واحدة من الكائنات الحية القليلة التي حققت إنجازًا رائعًا في القدرة على إنتاج الضوء؛ حيث لا منها لون واحد فقط ولكن لونين مختلفين في أجزاء مختلفة من الجسم. وهذه الديدان تنتمي إلى جنس Phrixothrix وتوجد في أمريكا الجنوبية. وتشبه هذه الديدان قطارًا صغيرًا ينطلق بعيدًا ليلاً: حيث يضيء الرأس أحمرًا ناريًا بينما يبعث الجسم الضوء الأخضر من خلال أحد عشر زوجًا من البقع المضيئة المرتبة في صفوف. واكتشف العلماء أنها تحتوي على إنزيم مختلف في الرأس وهو أنها الوحيدة التي تمتلك هذا الإنزيم في الطبيعة. وتشير الدراسات التي تعود إلى الأربعينيات من القرن الماضي إلى أنه عند حدوث اضطراب بسيط -مثل ضرب الطاولة- تقوم هذه الكائنات بتشغيل مصباحهم الأحمر وعندما يواجهون اضطرابات أكثر نشاطًا، فإنهم يضيئون باللون الأخضر. وتشير أدلة حديثة إلى أن توهجها يرسل إشارة إلى الحيوانات المفترسة بأن مذاقها سيئ للغاية.

الخنافس المضيئة

ينتمي هذا النوع من الحشرات المضيئة إلى عائلة الخنافس، وهي عائلة قريبة الشبه من عائلة اليراعات، وتعيش هذه الكائنات في المناطق الاستوائية من نصف الكرة الغربي. وهي تعرف أيضًا باسم “خنافس النقر” وكما يوحي اسمها، فإنها تصدر أصوات تشبه النقر على شيء ما، وذلك عندما تدفع بنفسها عاليًا في الهواء -في كثير من الأحيان ترتفع إلى عدة بوصات- وتكون مقلوبة رأسا على عقب. وعندما تهددها الحيوانات المفترسة، يمكنها القفز بسرعة عالية في الهواء للدفاع عن أنفسهم. والأكثر من ذلك، أنها تنتج ضوءًا ثابتًا بألوان عديدة مختلفة -من الأخضر إلى البرتقالي اعتمادًا على النوع الذي تنتمي إليه- في بقعتين مختلفتين من جسمها؛ واحدة في المقدمة وتشبه المصابيح الأمامية والأخرى أسفل البطن. وتتوهج المصابيح الأمامية الخاصة بها بكثافة عالية بحيث يمكن رصدها على بعد مائة قدم. وهناك أيضًا ما يعرف بالأنواع الجامايكية Pyrophorus plagiophthalamus، وهي كائنات فريدة من نوعها من حيث أنها يمكن أن تنتج لونين مختلفين من الضوء في جسمها؛ فتحت جسدها ينبعث ضوء أصفر وعلى رأسها يتوهج ضوء أخضر، بحيث تبدو وكأنها قادمة من كوكب آخر. ويعتقد العلماء أن الأضواء العلوية والسفلية لها وظائف مختلفة: فالمصابيح الأمامية هي إشارة للحيوانات المفترسة إلى سُميتهم، بينما يسهل الضوء الموجود تحت بطونهم الاتصال مع أفراد الجنس الآخر.

الديدان الأرضية المضيئة

الحشرات المضيئة الديدان الأرضية المضيئة

لقد رأينا جميعًا ديدان أرضية في مرحلة ما من حياتنا، ولكن هل سبق لك أن رأيت دودة أرضية مضيئة؟ من ضمن الحشرات المضيئة التي تم العثور عليها؛ هناك أكثر من 33 نوعًا من الديدان الأرضية في جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن معظمها يتجمع في جنوب أمريكا. وينبعث من هذه الحشرات المضيئة ألوان عديدة بداية من اللون الأزرق، وصولًا إلى الأحمر الخفيف. وعادةً ما تفرز ديدان الأرض “مخاط”، وهو ما يطلق عليه العلماء السائل المائع، لينزلق بسهولة في جحورها، لكن هناك نوعين من الأنواع النادرة يفرزان نوعًا فريدًا من المخاط – وهو النوع الذي يمكن أن يتوهج. وقد تم اكتشاف أحد هذين النوعين في نيوزيلندا والآخر في جورجيا في الولايات المتحدة. حيث تقوم الدودة الأرضية الغريبة في نيوزيلندا، Octochaetus multiporus، بإفراز سائل لامع برتقالي فاتح اللون يتوهج في الظلام، من الفم، والشرج، والسفلي عندما تشعر بالانزعاج أو التهديد. ومن الغريب جدًا هو أن هذا السائل يتوهج بألوان مختلفة في مراحل مختلفة من حياة الدودة. أما الديدان الأرضية في جورجيا، Diplocardia longa، فتم العثور عليها في التربة الرملية في السهول الساحلية، ووجد أنها تفرز سائل أزرق لامع، والذي يعتقد أنه ينذر بالحيوانات المفترسة.

اليراعات المضيئة

لا يمكننا استكمال قائمتنا عن الحشرات المضيئة دون تغطية اليراعات، وهي أكثر الكائنات اليابسة بيولوجيًا انتشارًا والتي تمت دراستها على نطاق واسع. اليراعات في الواقع هي خنافس تتواصل مع بعضها من خلال إطلاق أنماط مختلفة من الومضات الضوئية من بطونها، وهذه الومضات فريدة وتختلف من نوع إلى آخر، ويمكن أن تكون صفراء أو خضراء أو حمراء. وتظهر اليراعات الذكورية ومضات ضوء محددة لا يفهمها سوى الزملاء المحتملين الذين يستجيبون عن طريق إصدار نفس الإشارة الوامضة التي يستطيع الذكور التعرف عليها ومن ثم الانتقال نحو الإناث، وهي تبدو وسيلة ساحرة لجذب الأصحاب. لكن هناك أنواع أخرى من اليراعات لا تصدر ضوءها بهدف جذب الذكور، بل إنهم يوظفون أنوارهم كحيلة: فهم يقلدون الضوء الذي يصدره الذكور كي يجتمعوا ويتحركوا في اتجاه الإناث، ولكن لغرض آخر غير التزاوج وهو ابتلاعهم. ويتحرك الذكور الساذجون نحوهم على أمل العثور على رفيقة، لكنهم بدلاً من ذلك يجدون الموت. لماذا يأكلونهم؟ لأن هذا النوع من اليراعات يفتقر إلى مركب دفاعي يدعى lucibufagins، والذي يساعد على ردع الحيوانات المفترسة مثل العناكب من أكلها. لكن هناك أنواع أخرى تنتجه بكميات كبيرة لذا فهم يحصلون على الحذر من خلال استهلاكه.

الكاتب: تقى علي

إبراهيم جعفر

أضف تعليق

8 − واحد =