الحرب على العصافير

الحرب على العصافير كانت جزء من حملة أكبر أطلقتها الحكومة الصينية وسمتها حملة الآفات الأربع، ويقصد بالآفات الأربع الجرذان والذباب والبعوض والعصافير، وكانت حملة الآفات الأربع إحدى الخطوات التي اتخذتها الحكومة الصينية لتنفيذ الخطة السياسية والاجتماعية التي سميت بالقفزة الكبرى للأمام، والتي حاولت فيها تحويل المجتمع الصيني من مجتمع زراعي يعتمد اقتصاده بصورة رئيسية على ما ينتجه من محاصيل إلى مجتمع صناعي حديث، أو على الأقل هذا ما حاولت الحكومة تنفيذه، ولكن بسبب العديد من القرارات والسياسات الخاطئة، وانعدام الرقابة والفساد البيروقراطي، تحولت حملة الآفات الأربع إلى أسوأ كارثة أصابت الصين على مر العصور، والحزين في الأمر أن ما أصاب الصين من مجاعات وجفاف ومصائب اجتماعية وصلت إلى أكل لحوم البشر! كان نتاج ما كسبت أيدي الحكومة والشعب الصيني، حيث شارك الجميع في عملية إبادة العصافير في صورة حملة وطنية ضد عدو خارجي غاشم، الأمر الذي انتهي بموت 45 مليون صيني من الجوع.

لماذا أعلنت الصين الحرب على العصافير ؟

الحرب على العصافير لماذا أعلنت الصين الحرب على العصافير ؟

الصين هي أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وثالث أكبر دولة من حيث المساحة، كما أن الحضارة الصينية من أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية، ظلت الصين تحت الحكم الملكي الوراثي ما يقارب أربعة آلاف عام حتى انتهي بزوال أخر أسرة ملكية عام 1912، قامت ثورة عرفت بالثورة الصينية وحرب أهلية انتهت بانتصار الحزب الشيوعي الصيني وتأسيس جمهورية الصين الشعبية بقيادة ماو تسي دونج، وكان من أولويات الحزب الشيوعي تحويل الصين من دولة زراعية إلى دولة صناعية حديثة في وقت قصير، بدون إعطاء أي اهتمام للتوازن والتلوث البيئي، فهم يرون أن البيئة موجودة في الأساس ليقوم البشر باستغلالها، وتتجلى نظرة الحكومة الصينية تجاه الطبيعة في نسبة التلوث المتواجد بالهواء بالمدن الصينية حتى الآن نتيجة عوادم المركبات والمصانع وتساهل الحكومة في إصدار قوانين وتشريعات لتخفيف التلوث. أصبحت الزراعة نشاط ترعاه الحكومة بصورة مباشرة، وتم منع الزراعة الفردية فلا يجوز لأحد أن يمتلك أرض ويزرعها لمصلحته.

وفي محاولة منه لزيادة الإنتاجية بالبلاد قرر الزعيم الصيني ماو تسي دونج عام 1958 إعلان الحرب على العصافير والجرذان والذباب والبعوض في صورة حملة للنظافة العامة سميت بحملة الآفات الأربع، والسبب وراء اختيار هؤلاء الأربع هو أن البعوض ينقل الملاريا المؤدية للموت مما يقلل الأيدي العاملة فبالتالي يقل الإنتاج، والجرذان تنقل الطاعون الذي يقضي على مدن بأكملها لذا وجب التخلص منه لنفس السبب، أما الذباب فوجب قتله لأنه مزعج، والعصافير وبخاصة عصافير الدوري حالها كحال أغلب من يعيش في الصين جوعى يبحثون عن طعام، وغذائهم الرئيسي هو الحبوب المزروعة في الحقول والفواكه، قدر العلماء التابعون للحكومة الصينية حينها أن العصفور الواحد يتناول ما يقارب 4 كيلوجرامات من الحبوب سنويًا، وبالتالي كان من البديهي قتل العصافير، فكلما مات عصفور واحد توفر للصينيين 4 كيلوجرامات من الحبوب كل عام، وإذا قتلوا 250 عصفور فهذا 1000 كيلوجرام إضافي من الحبوب كل عام!

مصير طيور الدوري في الصين أثناء وبعد الحرب على العصافير

بالإضافة للمعلومات التي وفرها العلماء الصينيون للحكومة الصينية بخصوص القدر الذي يأكله عصفور الدوري في الصين، فقد أعلنت الحكومة الصينية الاشتراكية أن الطيور هي الحيوانات الرسمية للرأس مالية، مما زاد الكراهية الشعبية تجاه تلك الحيوانات السارقة للحبوب. كما أقِيمَت المسابقات بين الشركات والمصالح الحكومية والمدارس في النظافة، وأعطيت جوائز لمن يجلب أكبر قدر ممكن من ذيول الجرذان أو الذباب أو الناموس أو العصافير الميتة، وبذلك أصبحت الحرب على العصافير رسمية، وبدأ المواطنون بتجهيز أسلحتهم ومعداتهم استعدادًا للحرب، وكانت الأواني المعدنية هي السلاح الرئيسي المستخدم في قتل العصافير، كان الرجال والنساء وطلاب المدارس يحملون ما يقدروا عليه من أواني أو حتى ملاعق ومن استطاع أن يجلب طبول يستخدمها، ويقومون بضربها حتى تصدر صوتًا عاليًا يخيف العصافير فتطير، ويستمروا في مطاردتها بدون إعطاؤها أي فرصة للاستراحة على غصون الأشجار، فكان أكثر من يموت من العصافير يموت نتيجة الإرهاق، أو يسقط على الأرض نتيجة التعب فيقوم المواطنون المحبون لبلدهم بالإسراع بضربهم حتى الموت.

وفي بعض المدن كانوا يرسلون فرقة عسكرية بأسلحة نارية لاصطياد العصافير وكان الأطفال يستخدمون الحجارة وغيرها في إسقاط الطيور من السماء، ونتيجة المطاردة الضخمة التي تعرضت لها العصافير، كانت تلجأ للتجمع على أشجار السفارات والقنصليات والمباني الدبلوماسية، كما حدث في السفارة البولندية ببكين حين رفض البولنديون السماح للصنيين دخول محيط السفارة لطرد وقتل العصافير، فكانت النتيجة تجمع حشد من السكان حول السفارة بالطبول، واستمر قرع الطبول ليومين متتاليين حول السفارة حتى اضطر البولنديون من كثرة جثث العصافير بالسفارة إلى استخدام الجاروف لإزالتها، واستمرت الحرب على العصافير حتى سنة 1960 حين اكتشف القادة الصينيون حجم خطأهم، فبسبب إبادة العصافير عن جهل وعدم معرفة أن العصافير تأكل الكثير من الحشرات بجانب ما تأكل من الحبوب، تكاثرت أسراب الحشرات الآكلة للمحاصيل التي أصبحت تلتهم مزارع بأكملها، مما أدي إلى نقص ناتج الزراعة من الحبوب بدلًا من زيادته، فاضطرت الحكومة إلى إيقاف الحملة على العصافير واستبدلتها بالصراصير.

أسباب مجاعة الصين الكبرى

الحرب على العصافير أسباب مجاعة الصين الكبرى

بعد التهام الحشرات الآكلة للمحاصيل الزراعية للحقول، وعدم وجود عدو طبيعي لها في البيئة ليتغذى عليها ويحد من تكاثرها المفرط، اضطرت الحكومة الصينية لإيقاف الحرب على العصافير بل اضطرت حتى لاستيراد العصافير من الاتحاد السوفيتي للحد من تكاثر تلك الحشرات، وبذلك انتهت الحملة على العصافير، ولكن الأوان كان قد فات، فتفشي الحشرات الآكلة للمحاصيل بالإضافة إلى الجفاف وسوء الأحوال الجوية، والضغوط الاجتماعية التي تسببت بها سياسات وقوانين الحكومة مثل منع امتلاك أرض زراعية وزراعتها، بالإضافة إلى سوء الإدارة والعديد من القرارات الاقتصادية الخاطئة التي أدت إلى ما عُرف بمجاعة الصين الكبرى. وبالرغم من كون الجفاف وتغيرات الجو من أسباب المجاعة، إلا أن النصيب الأكبر كان نتيجة سوء الإدارة والعديد من القوانين الغير مدعومة بعلم حقيقي، والتي كانت تهدف إلى تطوير الزراعة وزيادة الإنتاج ولكن باءت بالفشل، مثل الحرب على العصافير وزراعة المحاصيل بصورة متقاربة من بعضها ظنًا منهم أنها لن تتنافس على الماء والغذاء لأنهم من نفس النوع.

وأيضًا من السياسات السيئة التي أدت إلى المجاعة سياسة الحرث العميق، والتي كانت فكرتها أن التربة العميقة أكثر خصوبة من التربة المتواجدة على السطح، ففي العادة يحرث المزارعون الأرض بعمق من 15 إلى 20 سنتيمتر، ولكن تحت سياسة الحرث العميق يقوم المزارعون بحرث الأرض بعمق شديد يتراوح ما بين 1000 إلى 2000 سنتيمتر، مما أدى إلى دفن التربة الخصبة المتواجدة على السطح بالأسفل واستبدالها بالتربة الأقل خصوبة التي سبق وكانت بالأسفل، وبالتالي نقص الناتج الزراعي مما ساهم في نقص الحبوب التي يتغذى عليها الناس. والأسوأ أنه بالرغم من كل ما حدث كان يمكن تفادي هذه المجاعة لو أن الموظفون الحكوميون المسؤولون عن مخازن الحبوب فتحوها للشعب، فالمخازن كان عامرة بالحبوب ولكن بالرغم من كثرة موت الناس حولهم من الجوع كان أكبر اهتمام الموظفون القيام بعملهم وتوصيل الحبوب إلى المكان المطلوب في الموعد المحدد.

الحرب على العصافير نتج عنها إحدى أكبر الكوارث الطبيعية التي تسبب بها البشر، فقد أظهرت هذه الكارثة خطورة الجهل الإنساني، وأن البشر هم أكبر عدو لأنفسهم إن لم تكن تصرفاتهم مبنية على تخطيط مسبق مدعوم بمعرفة علمية دقيقة، كما تعلمنا منها أن لا نحكم على الكتاب من عنوانه، فكون العصافير تأكل من المحاصيل ليس بالضرورة معناه أنها آفة ضارة، فكما تبين، العصافير هي من كانت تحمي المحاصيل ممن هو أخطر منها.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

18 − ثلاثة =