التفكير الفلسفي

يعتبر كثير من الناس أن الفلسفة أم للعلوم كلها بلا استثناء. والسبب في ذلك هو أن الفلسفة كانت النقطة التي انبثقت منها العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وبرغم تقدم العلوم خاصة العلوم التجريبية منذ القرن العشرين لا نستطيع أن نفصل الفلسفة عن العلم بصورة نهائية، حتى وإن جادل البعض بضرورة فصل كلا منهما. يجب علينا قبل أن نرسم الحدود بين التفكير الفلسفي والتفكير العلمي أن نفهم طبيعة كلا منهما واختلافهما عن التفكير الأسطوري. علينا أيضا أن نعرف أنماط التفكير الفلسفي قبل أن نذكر بعض الأمثلة لاستخدامه في الحياة اليومية.

ما هي الفلسفة؟

التفكير الفلسفي ما هي الفلسفة؟

معنى الفلسفة الحرفي هو حب الحكمة. وبصورة أوسع الفلسفة تعني النشاط الذي يقوم به الإنسان عندما يحاول فهم الحقائق الأساسية عن نفسه، وعن العالم حوله، وعن علاقته بهذا العالم وبالبشر الآخرين غيره. يتفق هذا الوصف كثيرا مع المعنى الأكاديمي للفلسفة، فالفيلسوف يسأل ويبحث عن الإجابات ويجادل من أجل تلك الإجابات للوصول إلى حقيقة القضايا الأساسية التي طالما شغلت الإنسان. تلك القضايا تمتد لتشمل معنى الحياة، الموت، الخير والشر، وغيرها من القضايا التي تشغل تفكير الإنسان العادي والفيلسوف على حد سواء. التفكير الفلسفي يبدأ دوما بأسئلة بسيطة ثم تطور تلك الأسئلة بتطور العملية. أحد أبسط تلك الأسئلة وأكثرها انتشارا هو السؤال “لماذا”.

فروع الفلسفة الأساسية

لنسهل على أنفسنا فهم التفكير الفلسفي علينا أن نعرف فروع الفلسفة الأربعة الأساسية. تنقسم الفلسفة إلى أربعة فروع رئيسية يندرج تحتها عدة فروع أخرى.

الميتافزيقا

معنى الميتافزيقا الحرفي هو ما وراء الطبيعة. تبحث الميتافزيقا في طبيعة الحقيقة وتكوينها. فمن أكثر الأسئلة شيوعا في هذا الفرع: ما هي الحقيقة؟ ما الذي يجعل الشخص ما هو عليه؟ هل يمتلك الإنسان إرادة حرة؟ كيف يتصل العقل بالجسد؟

الإبستمولوجي

يهتم هذا الفرع بدراسة المعرفة. يوجه دارسوا هذا الفرع اهتمامهم تجاه فهم طبيعة المعرفة والطرق التي نحصل بها على هذه المعرفة.

الأخلاق

يهتم هذا الفرع بدراسة طبيعة أفعال البشر. ما الذي يجعل الإنسان يقوم بما هو صواب؟ وما هو الصواب بالنسبة له؟ وهل يختلف الصواب من إنسان لآخر؟

المنطق

يعد هذا الفرع من أصعب فروع الفلسفة، فهو يهتم بعملية التفكير نفسها. يتفق المنطق مع الرياضيات من حيث المبدأ، كلاهما يستخدم نفس الحجج والتساؤلات أثناء التفكير.

تاريخ الفلسفة

لا تقتصر الفلسفة على الإجابة الأسئلة فقط بل تمتد لتشمل فهم الطريقة التي تم الإجابة بها عن تلك الأسئلة. لذلك يوجد ما يسمى بالمدارس الفلسفية، ولكل مدرسة طريقتها الخاصة في الإجابة على الأسئلة. يسهل معرفة التسلسل التاريخي لتلك المدارس فهم الفلسفة ككل وفهم الطريقة التي تطور بها تفكير البشر منذ ظهور الفلسفة في بلاد اليونان من آلاف السنين إلى اليوم.

العلم وطبيعته

قبل الانتقال إلى الفرق بين التفكير الفلسفي والتفكير العلمي وبعدما فهمنا بصورة مبسطة الفلسفة ومذاهبها الأربعة علينا أن نفهم طبيعة العلم. العلم هو الوسيلة الممنهجة لتفسير ودراسة ظاهرة طبيعية قابلة للملاحظة عن طريق منهج معين يسمي المنهج أو التفكير العلمي. يهتم العلم بالبيانات والنظريات القابلة للاختبار والتكرار للحصول على صورة أوضح عن الحقيقة. فالعلم ليس مجرد نشاط عقلي قائم على المنطق بل هو وسائل وخطوات مرتبة تتعامل مع الأشياء كما هي في الطبيعة.

هل التفكير الفلسفي متمايز عن التفكير العلمي؟

الخط الذي يفصل الفلسفة عن العلم رفيع للغاية ويكاد يختفي أحيانا. كان العلم حتى القرن السابع عشر جزء من الفلسفة وكان يسمى بالفلسفة الطبيعية، لكن نظرا لتطور العلم ومنهجه وقتها وجب انفصاله عن الفلسفة. هنا بدأت الفروق بين الفلسفة والعلم في الظهور. يتفق الفلسفة والعلم بأن كلاهما يحاول الوصول إلى المعرفة للاقتراب أكثر من الحقيقة، ويختلفان في طريقة الحصول على تلك المعرفة وطبيعتها. الفلسفة تحصل على المعرفة من خلال النقاشات المنطقية للمبادئ، فالفلسفة تعتمد بصورة أساسية على التساؤل والمنطق. العلم يستخدم الملاحظة والتجارب للحصول على المعرفة، فالتفكير العلمي يتضمن ملاحظة ظاهرة ما والتساؤل عن تلك الظاهرة، جمع بيانات حولها، افتراض إجابة ما للتساؤل حسب البيانات التي تم جمعها، إنشاء تجربة للتأكد من صحة هذا الافتراض من عدمه. وتستمر هذه العملية حتى نحصل على أكثر افتراض مطابق للواقع ليرتقي هذا الافتراض في النهاية ليصبح نظرية. هدف التفكير الفلسفي العلمي هو واحد دائما، الاختلاف فقط في طريقة الوصول لذلك الهدف.

الفرق بين التفكير الفلسفي والأسطوري

في رحلتنا لفهم التفكير الفلسفي لا يمكننا تجاهل التفكير الأسطوري. فبرغم أن الفلسفة كانت بداية العلوم، لم تكن بداية التفكير في المطلق. كانت الأسطورة محاولة الإنسان الأولى لتفسير الأشياء حوله. المعنى الحرفي للأسطورة هو القصة المنقولة شفهيا بين الناس. اعتادت أن تكون تلك القصة تفسير الوجود الوحيد الذي يقبله عقل الإنسان. أرجع الإنسان في بداية الحضارات الظواهر الطبيعية إلى قوى عليا تسكن الجبال والغابات. تلك الأساطير ليست تافهة كما تبدو، فهي تظهر بوضوح ميل الإنسان لتفسير الظواهر حوله حتى لو كانت تلك التفسيرات لا عقلانية. تعد الأسطورة عدسة سابقة ننظر من خلالها لطبيعة الإنسان بصورة عامة ولطبيعة الشعوب التي خلقت تلك الأسطورة على وجه الخصوص، كما تعمل الأسطورة كتأريخ لتطور الفكر البشري. لقد تطور الفكر البشري بالتأكيد من ربط كل شيء بالقوى الخارقة للطبيعة إلى استخدام المنطق وربط الأحداث بمسببها. وهنا يظهر دور الفلسفة بوضوح.

أنماط التفكير الفلسفي

التفكير الفلسفي فن يمكنك تعلمه، ربما هو أهم الفنون على الإطلاق. تعلمك الفلسفة كيف تفسر العالم بصورة منطقية وكيف تجعل حججك في النقاشات أقوى بل تعلمك كيف تعيش حياتك. يوجد بعض الخطوات التي يمكنك اتباعها لتفكر تفكيرا فلسفيا، مع التدريب سيصبح نمط التفكير هذا نمطا معتاد بالنسبة إليك.

  • البدء بالأسئلة البسيطة مثل: لماذا، ماذا يكون، من.
  • التعمق في الأمور.
  • دراسة الفلسفات الأخرى.
  • التركيز على ما يمكن الإجابة عليه.
  • البحث على مصادر أفضل للمعرفة.
  • التحدث مع الآخرين عن أفكارك.
  • تجربة الأفكار الجديدة إن كان هذا ممكن.
  • تحليل الأفكار المتضاربة.
  • تقبل الأفكار المختلفة.
  • الصبر في اتخاذ حكم نهائي.

أهمية التفكير الفلسفي في اليوم

كما ذكرنا سابقا، الفلسفة غريزة طبيعية في الإنسان. كل إنسان هو متفلسف بطبعه لكن القلة فقط فلاسفة يحتفي بهم العالم. التفكير الفلسفي يمتد ليشمل الحياة اليومية للإنسان العادي. من منا لا يسأل عن طبيعة الأشياء حوله؟ من منا لا يملك مجموعة من المبادئ التي يتفاعل من خلالها مع العالم؟ من منا لا يحب أن يكون له رأي شخصي أو وجهة نظر ليخوض نقاشات غنية بالأفكار مع أصدقائه؟ من منا لا يريد استخدام أهم ما يملك الإنسان وهو عقله؟ من أشكال ظلم الإنسان لنفسه الاستهتار بقدراته في التحليل والمنطق.

أهمية التفكير الفلسفي

التفكير الفلسفي أهمية التفكير الفلسفي

كان التفكير الفلسفي وما زال أهم إنجازات البشر وقمة تطورهم الفكري. بدون الفلسفة لم نكن لنخرج أبدا من مرحلة الأساطير، ولم نكن لنصل لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تقدم في كل نواحي حياتنا. لو لم يستخدم الإنسان الفلسفة لاستمرت حيرته وخوفه من الطبيعة حوله. بدون استخدام المنطق لم يكن ليسخر الطبيعة لخدمته. الفلسفة تفيدك على المستوى الشخصي أيضا، فبتطوير مهارتك الفلسفية وقدرتك على استخدام المنطق لن تكون عرضة للخداع والتلاعب، لن تكون وسيلة يستخدمها الآخرون لنشر أفكارهم لأنك ستنقد كل ما ترى وتسمع، لن تكون عرضة لتقلبات المشاعر العنيفة لأن المنطق سيعلمك كيف تتحكم بها وتطوعها لخدمتك، ستكتسب المرونة مع الوقت وستعلمك الفلسفة كيف يمكنك تخطي أزماتك وكيف يمكنك أن تحيا بصورة مرضية لك. ستمنحك الفلسفة منظور مختلف عن نفسك وعن كل شيء حولك.

على الرغم من وجود أشخاص يناقشون موت الفلسفة لا يمكن لأحد منهم إنكار دور التفكير الفلسفي في حياة الفرد قبل دورها في استمرار البشرية ككل. لا يمكننا حتى الآن استبدال الفلسفة بالعلم كما استبدلنا الأسطورة بالفلسفة. إن منحنا العلم إجابة عن كل شيء حولنا فإنه لن يمنحنا وسيلة لنحيا حياة أفضل. حتى أبشتاين لم يصنف نفسه كعالم بل كفيلسوف طبيعي. كما لا تقتصر الفلسفة على فئة بعينها مثلما يقتصر العلم على العلماء والمتخصصين. ستمنحك الفلسفة أطيب ثمارها إن كنت صبورا كفاية في رحلتك لحل ألغازها.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان × 4 =