الأخبار المفبركة

ظاهرة الأخبار المفبركة ليست وليدة عصر الإنترنت فحسب بل من قبل الإنترنت فيما كان يعرف باسم الصحافة الصفراء ووضع القارئ في حالة من التربص والترقب لتلك الأخبار الساخنة والتي تتشبع بالفضائح وكشف المخبوء في حين أن حقيقتها تكون مغايرة عن هذه الأخبار أو محورة عنها أو حقائق منقوصة ومع انتشار الإنترنت أصبح هناك رغبة في الانتشار وتحقيق الوصول للمواقع أو لأغراض سياسية وحزبية أخرى يتم نسب تصاريح لفلان وفلان لإثارة البلبلة بين الجماهير وخصوصًا ونحن في عصر المشاركة وتلقف الناس لمثل هذه الأخبار دون التأكد منها، فقررنا كتابة هذا المقال لمعرفة الأخبار المفبركة من الصحيحة، ولكن قبل الوصول إلى هذه الكيفية يجب أن نعرف ما هي الأخبار المفبركة؟

تعريف الأخبار المفبركة

معنى فبرك أي لفق، والتلفيق هو خلط المتضادات ببعضها بهدف مزجهما وعدم تبين أي منهما، فخلط الحقيقة بالكذب بهدف أن يختلط عليك الأمر فلا تكاد تتبين الحقيقة من الكذب ولا الحق من الباطل وفي القرآن حذر الله عز وجل من إلباس الحق بالباطل وكتم الحق مع العلم به، والأخبار المفبركة هي: تلفيق متعمد لأخبار صحيحة أو اختلاقها بشكل محض بهدف سياسي أو حزبي أو طائفي وبغرض إثارة البلبلة بين الناس والتأثير بشكل ما في الجماهير وتوجيههم نحو اتجاه بعينه، وأحيانا تقوم بعض المؤسسات الإخبارية المفتقرة للمهنية بفبركة الأخبار بهدف الانتشار والربح التجاري ليس إلا، وهذا طبعا لا قانوني ولا أخلاقي ولا مهني ولا أي شيء ويرفضه العقل والمنطق والقانون والضمير.

ما أسباب انتشار الأخبار المفبركة ؟

السر وراء انتشار الأخبار المفبركة يرجع لعدة أسباب وأحيانا تأتي بشكل تلقائي وأحيانا أخرى تأتي بشكل متعمد بحيث يقوم بعض الأشخاص المأجورين بنشر هذه الأخبار وتوصيلها إلى العامة.

سخونة الأخبار وأهميتها

عادة ما تكون الأخبار المفبركة هامة جدا وتخص الشريحة الأكبر من المواطنين وهي تستهدف الأخبار الاقتصادية أو السياسية وأحيانا تستهدف الثوابت لدى العامة مثل قيام أحد رجال الدين بإثارة رأي ديني جديد عكس قناعات العامة أو لا يوافق المزاج الديني للجماهير وبالتالي نجد أن الناس تنشره بقوة ويجد حظا وافرا في النقاش والحديث حوله.

غرض البعض في إثارة البلبلة

أحيانا يكون هناك نقاش طائفي أو حزبي أو سياسي معين ويأتي خبر عبارة عن تصريح لأحد المسئولين أو لأحد القيادات الحزبية أو الطائفية يكون هذا التصريح عبارة عن تحريض أو تأليب أو شحن الجماهير ضد فصيل آخر أو تصريح لمسئول حكومي بزيادة الأسعار أو بقرار جمهوري أو ملكي غريب، ومن هنا يبدأ تناقله الناس وهو لا يكون له أي أساس من الصحة أصلا.

زيادة عدد الزيارات واستخدام العناوين الملتهبة

بهدف الربح والتجارة يقوم الكثير من الناس باستخدام العناوين الملتهبة والأخبار المفبركة والتي تختص بالثوابت والتابوهات المحرمة وتتناقل تصريحات لأشخاص مغمورين أو لفنانين مشاهير لم تحدث من الأساس ومع ذلك تجد حظها الوافر من النقاش والمشاركة والانتشار وبالطبع كل هذا يصب في مصلحة المواقع والذي تعد كل زيارة له بربح مادي بغض النظر عن مضمون ما يوجد في الموقع المهم أن يلج إليه المزيد من الناس من أجل زيادة الأرباح.

كيف تكتشف الأخبار المفبركة ؟

والآن كيف نكتشف الأخبار المفبركة؟ ما هي الحيل التي يلجأ إليها المحررون في مواقع الأخبار المفبركة كي يستطيعون خلق بلبلة أو إثارة الرأي العام أو شحن طائفة على الأخرى أو تحريض على فصيل سياسي أو غيرها؟ هذا ما سنتحدث عنه في السطور التالية:

“صرح مصدر مسئول”

من أهم حيل الأخبار المفبركة أن يبدأ المقال بجملة “صرح مصدر مسئول” ولا تعرف من هو المصدر المسئول ولا هي مدى مسئوليته وكيف يمكنه تسريب أخبار خطيرة مثل هذه وعدم ذكر المصدر المسئول يجعلنا دائما نشك في حقيقة الخبر أو المقال وعادة ما يتم استغلال عدم اهتمام الناس بمصدر الخبر على حساب المضمون الساخن للخبر، مثل “صرح مصدر مسئول بأنه سيتم حظر الحجاب نهائيا في الجامعات” نعرف أن الأمر سيتحول لنقاش بحت حول الحجاب وفرضيته والمدافعين عنه أو المناهضين له واستمرار العراك بينهما لأيام وشهور على خبر مفبرك ليس له أساس أصلا، وبالتالي لا تصدق الخبر إلا إذا ذكر المصدر وذكرت صفته والتأكد من صلاحياته التي تتيح له إصدار هذا التصريح.

“كشفت دراسة حديثة”

ما أكثر الدراسات العلمية وما أكثر الأبحاث الطبية التي تدعي شيئا ليس له وجود ولكن بهدف تسجيل عدد مرات ولوج كبيرة إلى الموقع يقومون بخلق هذه الأخبار المفبركة من العدم دون وجود أي مصدر لهذه الدراسة، وهي تستغل الذين يهيمون خلف الأخبار الغريبة ويلهثون وراء الأخبار التي من نوعية “أكل 5 خيارات يوميا ينقص وزنك 10 كيلوجرامات في ظرف أسبوع” وتجد في أول الخبر “كشفت دراسة حديثة أعدها الأطباء بأن أكل خمس خيارات يوميا قد يقي جسدك من مرض هشاشة العظام وينقص وزنك لما فيه من مواد كذا وكذا إلخ إلخ” وبالطبع أنت لا تهتم لهذا المهم أن تعرف أن هذه الأشياء كلها ليست حقيقية على الإطلاق والأصح بالطبع أن يقوم الشخص بالكشف عن تاريخ الدراسة والأشخاص الذين قاموا بها وفي أي جامعة ويضع رابطا لها في الأسفل، أما مجرد كشفت دراسة حديثة فهذا يعني أن هذه الدراسة ليس لها وجود أصلا.

“قال مصدر رفض الكشف عن هويته”

هذا من أكثر العناوين التي يمكن أن تضحكني، يمكنني الآن أن أهاتف أي موقع إخباري أو وكالة أنباء وأقول لهم: “مرحبا، أنا مصدر لكن أرفض الكشف عن هويتي، لدي أخبار أود أن أسربها لكم” وبالطبع لن يهتموا بمعرفة اسمي بل سيولون اهتمامهم للأخبار نفسها وسيقولون: “لكن احلف في البداية أنك مصدر” وسأحلف بالطبع بأني مصدر وسأقول: “الحكومة تنوي استيراد قداحات بـ10 مليارات دولار الشهر القادم” سيقولون: “شكرا أيها المصدر” وسيقومون على الفور بصياغة أحد أكثر الأخبار المفبركة وضوحا، لا يوجد شيء اسمه مصدر رفض الكشف عن هويته، بمجرد رؤية هذه الجملة اعرف أن الآتي كله كذب في كذب.

“تناقلت وكالات الأنباء”

أي وكالات أنباء التي تناقلت؟ لم لا تذكر اسمها؟ لم لا تأتي بمصدر الخبر؟ هذه هي المهنية أن تقوم بذكر مصدر الخبر أما أن تقوم بصياغة الأخبار المفبركة ناسبا إياها إلى وكالات أنباء لا وجود لها سوى في الخبر فهذا هو الضحك على العامة واستغلال جهلهم وبالتالي لا يجب على الجماهير أن تكون خاضعة لهذا الخداع البين، ألف باء مهنية أن يقوم الشخص بنسب الخبر أو التصريح لوكالة الأنباء التي نقل عنها، ومن الأفضل أيضًا أن يقوم بوضع “هايبر لينك” للضغط عليه فتقرأ الخبر من مصدره، أما دون ذلك فهو خداع وفبركة أخبار.

“نشرت إحدى الصحف الأمريكية”

يسري عليه ما سرى في الأخبار التي تبدأ بجملة “تناقلت وكالات الأنباء” فمن المفروض أن تقول اسم هذه الصحيفة والبعض يقوم بذكر أي صحيفة صفراء مغمورة أخبارها نفسها غير موثوق بها والأفضل أن تقوم بذكر كاتب المقال أو صاحب التحقيق الصحفي واسم الجريدة والعدد المنشور فيها وفي حالة كان هناك نسخة إلكترونية من التحقيق أو الخبر الأصلي فيجب عليك إرفاقه بخبرك ولكن بالطبع بسبب الرغبة في إحداث فرقعة يتم صياغة الأخبار المفبركة التي لا يتم الاهتمام فيها بالصحيفة الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية ولا يتم الاهتمام بالمصدر من أساسه هذا إن كان يوجد مصدر.

“تداول نشطاء مواقع التواصل”

عجبي على زمن أصبح فيه الخبر يأتي من الجماهير لمصادر الأخبار وليس العكس، كيف يقوم الشخص العادي بصنع الخبر وتعمل مؤسسات صحفية كبيرة على نشره، ما أكثر الأخبار التي تبدأ بـ “تداول نشطاء على موقع التواصل خبر/ فيديو/ صورة.. إلخ” بمنتهى البجاحة بل إني في كثير من الأحيان أجد مواقع تعتمد في كل أخبارها بالكامل على تريندات مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يثير الشفقة، المفروض أن يقوم نشطاء مواقع التواصل بتداول الأخبار من مصادرها التي قامت بعمل التحقيقات الصحفية وليس العكس، ولكن المهم هي الزيارات وزيادة عدد الولوج ولا يهم الأخبار المفبركة من الحقيقية المهم أن يدخل إلى الخبر مئات الزوار.

عدم وجود مصادر للترجمات

المحتوى المترجم إلى العربية على شبكة الإنترنت ضئيل جدا بالفعل ولكن بدلا من محاولة العمل على زيادته وإثراء المحتوى العربي بترجمات قيمة يقوم العديد من الناس بتدليس و فبركة الأخبار من أجل زيادة عدد المتابعين والزائرين ليس إلا والمهنية تحتم على أي شخص يترجم مقالا عبر الإنترنت أن يقوم بذكر المصدر وإرفاق رابط له في نهاية مقاله حتى يطلع القارئ على الأصل ويقارن بين الأصل والترجمة وهل كانت ترجمة أمينة أم مضللة ومفبركة، وهذا بالطبع حق القارئ في المعرفة والمهنية وحتى لا يستسهل الناس في نقل ترجمة غير أمينة لمتن مغاير.

تصريح لفلان دون مصدر

تنتقل الأخبار المفبركة بنا إلى منطقة أخرى ألا وهي أن يقوم الموقع أو الصحيفة بنقل تصريح على لسان فلان دون مصدر فمثلا يقولون “صرح الوزير الفلاني بأن الدولة لن ترعى صغار الفلاحين بعد الآن” أين صرح هذا الوزير؟ في قناة تلفزيونية أم في حوار مع صحيفة؟ في مثل هذه الأخبار يجب ذكر تاريخ التصريح والمكان الذي ذكر فيه التصريح ونقل النص الكامل لكلام الوزير غير مجتزأ من سياقه بين علامتي تنصيص، حتى يتسنى للناس معرفة الحقيقة، ما دون ذلك فهذا الخبر مفبرك.

وضع عناوين تخالف المضمون

أخيرا هذا النموذج منتشر جدا بغزارة ويلخصه مشهد رائع في مسلسل “أسطورة الرجل العناب” عن رئيس تحرير جريدة صفراء يعلم الصحفيين صياغة الأخبار المفبركة ويكون أصل الخبر عبارة عن مدرب نادي الأهلي المصري ينتقل إلى السكن في شقة في نادي الزمالك فيقوم هو بالتحوير فيه ليكن العنوان “مدرب الأهلي ينتقل إلى الزمالك” أما المتن فيوضح الحقيقة، كم خبرا قرأته يكون بهذا الشكل؟

الأخبار المفبركة ظاهرة تتفشى بقوة ويكون الهدف الأساسي منها هو الربح التجاري البحت أما الأسباب الأخرى فتكون لأغراض سياسية أو حزبية أو طائفية ولا يكون الغرض من ورائها إيجابي أبدا بل الهدف هو إثارة البلبلة والشحن وإشعال الفتن بين الناس وقد بيننا الطرق التي تستطيع من خلالها تمييز الأخبار المفبركة من الصحيحة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

أربعة + إحدى عشر =