أوراق البردى : كيف صنعها واستخدمها قدماء المصريين ؟

تعتبر أوراق البردى من أقدم الطرق للحصول على ورق صالح للكتابة والتسجيل، في هذه السطور نتعرف على أوراق البردى وكيف قام المصريون القدماء بتصنيعه وإنتاجه.

498
أوراق البردى

أوراق البردى هي من أقدم الصناعات التي تداولت في عصور سحيقة من مصر القديمة واليونان. وكلمة البَردى أو البُردى في اللغة العربية تكافئ كلمة (با بِر عا) في اللغة المصرية الفرعونية، والتي تعني (المنتصر للقصر) أي أنه يختص بالملَكية وحدها، ومن ثم غدت في القبطية القديمة (با بِرو)، أما في اللغة اليونانية فهي تكافئ كلمة (بابِروس) ومنها جاء معناها في الإنجليزية (Papyrus).

ظلت تصنّعُ أوراق البردى منذ عصر القدماء المصريين في دلتا النيل وانتشرت انتشارًا واسعًا إلى أن تقلصت صناعتها فاقتصر مكانها على مصر العليا (الصعيد) وبعض المناطق في إثيوبيا وبلاد الشام، وبعض بلاد الغرب على البحر المتوسط، وضمُرت أماكن زراعتها حتى انتهت إلى بعض المناطق بالسودان. وأساس أوراق البردى هو قصب البرْدَى الذي عرَفه أول من عرَفه القدماء المصريين، كان يُزرع في مستنقعات مياه ضحلة لا يتجاوز عمقها الـتسعين من السنتيمترات، بينما كانت جذوره طويلةً غيرَ سميكةٍ تمتدُ إلى الخمسة أمتار تفترشُ في قاع الأرض بصورةٍ عرْضيّة، أما فرعه فهو بارتفاع حوالي المتر فوق سطح الأرض، على شكل مثلث أطرافه مستدقة.

ملف كامل عن أوراق البردى

1أسماء أوراق البردى

اختلفت أسماء نبات البردى تارةً تبعًا لاختلاف أماكن زراعته، وتارةً تبعًا لمراحل نموه في التربة، وأخرى حسب استخداماته.

الإعلانات

2عند قدماء المصريين

أطلق قدماء المصريين على نبات البردى أسماء عدة، فسموه تبعًا لمراحل نموه “محيت” وتعني: الخطية، واسم “حا” وتعني: نبات البردى، واسمي “آخ” و “واج” أي: النضارة والخضرة. أما بعد تصنيع أوراق البردى منه فأطلقوا عليه أسماء تختلف تبعًا لحاله، فسموا الورق خاويًا من الكتابة باسم “شو”، واسم “جماع” أي: الجاهز للاستعمال، واسم “شفدو” أي: لفافات البردى المختصة بالكتابة، وأطلق على الكتَاب اسم: “مجات”: أي الخاصة بالمكتبة الفرعونية.

3عند اليونانيين

إضافةً إلى اسم “بابيروس” (Papyros)، أطلق اليونانيون على أوراق البردى اسم “بيبلوس” (Biblos) وهو الميناء الذي كانت تصلُ إليه أوراق البردى بعد تصنيعها.

4عند العرب

أما عند العرب فقد شاعت له أسماء كثيرة جدًا، منها ما أطلق على النبات والورق معًا وهو “بردي” أو “بردى”، وأخذ الإسبانيون من العرب هذا الاسم فأطلقوا عليه اسم (Al-Bardin). كما سموه باختلاف حالِ نموه، فكان اسم “القنفجر” ويعني مصدر النبات، واسم “السرير” وهو أسفل الساق، “الرايزوم” وهو الجزء الذي ينتفخُ عند نُضجِ النبات. أما بعد صناعة أوراق البردى فأطلق العرب عليه اسم “قرطاس” وهو مأخوذ من الكلمة اليونانية “كارتا” (Charta)، فتدرجت في العربية إلى معنى “خارطة” فاقتصرت للدلالة على الخرائط فقط، حتى انتهت إلى “قرطاس” للدلالة على كل ما يُكتب عليه.

5كيف صنعها قدماء المصريين؟

كانت تُصنع أوراق البردى عن طريق جمع سيقان قصب البردى، وكشط اللحاء الخارجي ليُستخدم في صناعة الحبال والقوارب والأشرعة، وجمع اللب المحشوّ داخل السياق. يقطع اللب الرخو الذي أخرج من السيقان ويرصص بحيث تتكون طبقتان متعامدتان فوق بعضيهما، وتُضغط بعد أن تبلل بالماء. ويكونُ سمك الورقة بقدر عدد الطبقات التي تُضغطُ بعضها فوق بعضٍ، وكلما زاد عدد الطبقات زادت قيمة الورقة وزاد ثمنها. كان طول الورقة الواحدة يمتد إلى الـ 30 من السنتيمترات، وعرضها إلى الـ 25 من السنتيمترات، ويسمي العربُ الورقةَ عند هذه المرحلة بـ “الصحيفة”، فإذا ما لُصقت بأوراق أخرى سميت بـ “اللفافة” أو “القرطاس” أو “الطومار” ، ويمتد طولها إلى ما بين 6 إلى 10 أمتار أو أكثر، وكانت تُلف هذه القراطيس على أقضبة من العاج، وتحفظُ في ما يشبهُ الأسطوانات.

6استخدامات نبات البردى

استخدم قصب البردَى في أمور عدة، أهمها صناعة أوراق البردى التي صنّعت من سيقان القصب، وكانت تستخدم هذه الأوراق في كتابة المخطوطات والوثائق، كما استخدمت هذه الأوراق أيضًا في صناعات أخرى منها صناعة القوارب وأشرعتها، والملابس، والحبال، والحصير، وكان لارتفاع قيمته يُصنع منه نعال الملوك. أما رؤوس هذا القصب فقد كانت تُجمع وتُزيّن بها المعابد، وأما جذوره فقد استخدمت في صناعة الأدوات المنزلية وصناعة الوقود.

7تاريخ انتشار أوراق البردي

انتشرت الكتابة قبل انتشار الورق، ففي عصور ما قبل التاريخ، كانت تستخدم الأحجار والصخور لغرض الكتابة بواسطة النقش عليها بأداة حادة، وقد عُثر على أحجار وكهوف منقوش عليها رسومًا وكتابات تنتمي لأزمنةٍ بعيدةِ من عصور ما قبل التاريخ. تطورت الأدوات التي كان يكتب عليها بعد ذلك لتصبح الألواح الفخارية، وجلود الأنعام.

لكن بعد اكتشاف المصريين القدماء لقصب البردى، بدؤوا يستخدمونه لصناعة الأوراق التي استبدلوا بها الصخور والفخاريات الثقيلة، وذلك ساعد على انتشار الكتابة أكثر، حيث أنه لم يعُد هناك تكلفًا وجهدًا في عملية الكتابة كما هي على الصخور والأحجار. وأقدم الوثائق التي عُثر عليها مصنوعةً من أوراق البردى / الفافير كانت تنتمي إلى زمن سحيق في عهد الأسرة الخامسة أو السادسة الفرعونية، وآخر ما عُثر عليه منه كان في الدولة الإخشيدية عام 323 هجري.

بقيت أراضي القدماء المصريين حِكرًا لصناعة الورق –عن طريق قصب البردى- حتى عصر البطالمة، وهي عائلة مقدونية جاءت إلى مصر بعد رحيل إسكندر الأكبر عام 323 ق.م، وحكم بطليموس الأول مصر بعد ذلك، وظل العصر البطليميّ إلى أواخر عام 30 ق.م. وكان يُصدّر الفينيقيون أوراق البردي عبر البحر المتوسط إلى باقي بلدان العالم، كالامبراطورية الرومانية التي زُرعت نبتتها آنذاك فأخذَ الفراعنة بتصديره لها، وصدروا على الأخص إلى دول الإغريق واليونان، حيث كان لها رابط وثيق بمصر الفرعونية القديمة. وقد عرَف المسلمون أيضًا هذه الأوراق فكانوا يستخدمون أنواعًا مختلفة منه، اقتصر أثمنها على الدواوين التي أدخلها الخليفة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-، وذلك لأنه لا يمكن محو الكتابة من على هذا الورق إلا بتمزيقه، ولكن بعد ذلك أمر سيدنا عمر بالحد من استخدام الورق بسبب ارتفاع ثمنه.

أخذت أوراق البردى في الانتشار من قبل قدماء المصريين في بلاد فلسطين وصقلية، وبلاد البحر المتوسط، وبعض بلدان أوروبا وآسيا، إلى أن جاء الصينيون وعرَفوا صناعة الورق من الأشجار، فكانوا يأخذون لحاءها ويصنعون منه الورق، وتطور الأمر عندهم إلى أن استخدموا الجيلاتين والغراء في الأوراق لتثبيت الحبر بها، وبذلك كان لهم الصدارة في صناعة الورق، حتى ابتدأت صناعة أوراق البردى في الضمور شيئًا فشيئًا في نهايات القرن العاشر. انتشرت صناعة الورق بعد ذلك في كوريا واليابان، ومن ثم عرَفها العالم الإسلامي، فكانت أولى مصانع الورق العربية مستوطنةً في أراضي بغداد وسمرقند، شيّدها الفضل بن يحيى عام 178 هجري. وكان الورق الصينيّ هو أيسرَ وأقل كُلفةً في تصنيعه، ولذلك أمر هارون الرشيد بوقف تصنيع أوراق البردى واستخدامها، وكذلك الورق الجلديّ الذي تداول استخدامه عند العرب، واستبدال الورق الصينيّ بهما؛ ولذلك كان للعرب السبق في صناعة الورق من الأوروبيين.

الإعلانات

باتت هذه الصناعة هي الباب لمعرفة حرفة الوراقة، حيث امتهن هذه الحرفة كثير من العرب، وأصبح الورّاقون بمثابة ناشري الكتب، حيث كانوا يستغلون حرفتهم في طباعة الكتب وبيعها. واحترف العرب والمسلمون هذه المهنة بعد ذلك إلى حدٍ فائق، حتى إنه اشتغل بها علماء أجلاء مثل الجاحظ وأبي حيّان، ووصل حد براعتهم إلى أن أبا حيّان قد ابتكر ورقًا ضد الاحتراق كما ذكرت بعض الروايات.

هذا، والإنسان مدوّنٌ بطبعِه!.. لا يهنأ إلا بأن ينقشَ أثرًا، أو يتركَ رسمًا يعبرُ عمّا يدورُ بخلدهِ من صراعٍ أو سلام. ومن أجلِ هذه الغاية، نجدُ إنسانَ الكهف مثلًا قد تغلب على عثرتهِ –رُغم المشقة- بنقشِ أحاديث نفسهِ على أحجار جامدة، فدبّت بها الحياة. والمشقة هي ما أدت إلى تدبيرِ وسيلة للكتابة تكون ميسرةً للجميعِ، فكانت لنا أوراق البردى مقدمةً من قدماء المصريين، فغدت بمثابةِ البذرة الأولى في أرضِ التدوين.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا